زيارة نتنياهو لقمة جبل الشيخ السوري لم تكن جولة ميدانية عابرة عشية رأس السنة العبرية؛ فرئيس الحكومة الإسرائيلية اختار واحدة من أعلى النقاط التي استولت عليها إسرائيل بعد سقوط نظام بشار الأسد ليعلن منها «سيطرة مطلقة» تمتد، وفق تعبيره، من جبل الشيخ إلى اليرموك وحتى المتوسط، فيما تعهد وزير الأمن يسرائيل كاتس بعدم الانسحاب. وبين خطاب إسرائيلي يرسخ احتلالًا مفتوح المدى ومسار تفاوضي تتمسك فيه دمشق بالعودة إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024، تظهر جماعة «أولي البأس» كعامل جديد وغامض: تنظيم يتبنى هجمات ضد القوات الإسرائيلية ويقترب خطابه تدريجيًا من إيران وحزب الله، لكن حجمه الحقيقي وشبكات تمويله لا تزال موضع نزاع وتحقيق.
تحولت قمة جبل الشيخ داخل الأراضي السورية، الأربعاء 9 أيلول/ سبتمبر 2026، إلى منصة إسرائيلية لإعلان ملامح عقيدة أمنية جديدة تتجاوز الحدود التي سادت على الجبهة السورية طوال نصف قرن.
فمن الموقع العسكري الذي أقامه الجيش الإسرائيلي في الجانب السوري من جبل الشيخ، أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، برفقة وزير الأمن يسرائيل كاتس ونائب رئيس الأركان اللواء تمير يدعي، أن إسرائيل باتت تتمتع بما وصفه بـ«سيطرة مطلقة لم تكن لها سابقة» على المجال المحيط بها، قبل أن ينتقل مباشرة من سورية ولبنان إلى إيران، معلنًا أن المهمة التالية تتمثل في «حسم» النظام في طهران.
وبحسب «يديعوت أحرونوت – ynet»، تلقى نتنياهو وكاتس إحاطة عملياتية من قائد المنطقة الشمالية رافي ميلو وقائد الفرقة 210 يائير فلاي بشأن نشاط القوات داخل سورية. وقال نتنياهو، مشيرًا إلى الجغرافيا المحيطة بالقمة، إن دمشق تقع إلى الشرق ولبنان إلى الغرب والجولان السوري إلى الجنوب، قبل أن يزعم أن إسرائيل تسيطر على كامل المجال من قمة جبل الشيخ حتى اليرموك، و«من هنا حتى البحر المتوسط».
ولا تعني عبارة «السيطرة المطلقة»، بطبيعة الحال، سيادة إسرائيلية قانونية على هذه المساحات، بل تعكس بالدرجة الأولى توصيفًا سياسيًا وعسكريًا للهيمنة العملياتية التي ترى القيادة الإسرائيلية أنها باتت تمتلكها بعد انهيار منظومة الجيش السوري السابق، وانتشار قواتها في المنطقة العازلة ومواقع تتجاوزها منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024.
لكن اختيار نتنياهو لهذه العبارة تحديدًا، ومن داخل الأراضي السورية، يرفع الزيارة من مستوى الاستعراض العسكري إلى إعلان سياسي بشأن شكل الحدود الشمالية الذي تسعى حكومته إلى فرضه.
من موقع مراقبة إلى «حزام أمني»
قال نتنياهو إن إسرائيل لن تسمح لأي قوة يصفها بـ«جيش إرهاب» بالتمركز قرب حدودها، معتبرًا انتشار القوات في المنطقة واحدًا من «الإنجازات الكبرى» لما تسميه حكومته «حرب النهوض».
أما كاتس، فكان أكثر وضوحًا في تحديد مصير الانتشار العسكري: «نحن هنا في جبل الشيخ، ونحن في المنطقة الأمنية، ولن نتحرك من هنا».
وهذه ليست المرة الأولى التي يصدر فيها هذا الموقف عنه.
ففي زيارة سابقة إلى جبل الشيخ في 25 آب/ أغسطس، أعلن كاتس أن القوات الإسرائيلية ستبقى هناك ما دامت تل أبيب ترى وجود «تهديدات جهادية»، وقال إن الجيش يراقب من القمة دمشق التي تبعد، وفق تقديره، نحو 35 كيلومترًا، ومنطقة البقاع اللبنانية التي وصفها بأنها معقل لحزب الله، إضافة إلى الجولان والجليل. كما قال إن القوات تنفذ عمليات يومية لمنع تشكل تهديدات من بقايا النظام السابق أو من جماعات تعمل داخل سورية الجديدة.
ويكشف تكرار العبارة نفسها في زيارة نتنياهو أن الحديث لم يعد عن انتشار طارئ أعقب انهيار الجيش السوري السابق، وإنما عن محاولة ترسيخ ما تسميه إسرائيل «منطقة أمنية» ذات وظيفة بعيدة المدى.
وهو تحول يستعيد، في الجوهر، مفهوم «الأحزمة الأمنية» الذي طبقته إسرائيل تاريخيًا على جبهات أخرى: السيطرة المباشرة على أرض تقع خارج حدودها المعلنة، وربط الانسحاب منها بزوال تهديدات تملك إسرائيل نفسها حق تعريفها وتقديرها.
دمشق تتمسك بعكس ما يعلنه كاتس
المفارقة أن هذا التصعيد يأتي بينما لم تتوقف المفاوضات السورية الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن.
ففي 23 آب/ أغسطس، أي قبل نحو أسبوعين ونصف من زيارة نتنياهو، عقد وفد سوري رفيع برئاسة وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني وعضوية مسؤولين استخباراتيين اجتماعًا مع وفد إسرائيلي رفيع في الأردن بوساطة أميركية.
ووفق الرواية الرسمية السورية، ركزت المحادثات على بناء آليات لوقف الهجمات والاعتقالات والاغتيالات الإسرائيلية وإعادة إطلاق المسار الرامي إلى اتفاق أمني. وتقول دمشق إنها تريد أن ينتهي هذا المسار بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي استولت عليها بعد سقوط الأسد، وإعادة العمل بترتيبات فض الاشتباك لعام 1974.
وتتمسك الحكومة السورية بأن أي اتفاق أمني يجب أن يعيد القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت فيها قبل 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، فيما تشير تقارير إسرائيلية إلى أن إحدى نقاط الخلاف الرئيسية تتمثل بإصرار تل أبيب على الاحتفاظ بمواقع استراتيجية في قمة جبل الشيخ حتى في حال التوصل إلى تفاهم أوسع.
من هنا، تكتسب عبارة كاتس «لن نتحرك من هنا» دلالة تفاوضية مباشرة.
فبينما تتحدث دمشق عن اتفاق تكون غايته الانسحاب، تتحدث القيادة الإسرائيلية ميدانيًا عن بقاء غير محدد زمنيًا، ما يكشف أن الفجوة بين الطرفين لا تتعلق فقط بالترتيبات الفنية للحدود، وإنما بالسؤال الجوهري: هل جبل الشيخ ورقة ستعاد مقابل اتفاق أمني، أم أصل استراتيجي قررت إسرائيل الاحتفاظ به؟

سورية: خرق لاتفاق 1974 واحتلال إضافي
الموقف الرسمي السوري من الوجود الإسرائيلي لم يتغير.
فعندما زار كاتس جبل الشيخ في 25 آب، أدانت وزارة الخارجية السورية دخوله إلى الأراضي السورية واعتبرته انتهاكًا للسيادة ولاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وطالبت بانسحاب «فوري وكامل» إلى خطوط ما قبل التوغل.
وتقول وكالة «سانا» إن الأشهر الماضية شهدت توغلات إسرائيلية متكررة في القنيطرة وريف درعا، شملت إقامة حواجز ومداهمات واعتقالات وتجريف أراضٍ وقصفًا مدفعيًا، فيما تصر دمشق على أن اتفاق 1974 لا يزال قائمًا وأن دخول القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة وما وراءها لا ينشئ أي حق قانوني جديد.
والأمم المتحدة بدورها لا تتعامل مع انهيار نظام الأسد باعتباره إلغاء تلقائيًا لاتفاق فض الاشتباك؛ إذ أكدت في مواقف سابقة استمرار الاتفاق، واعتبرت تقدم القوات الإسرائيلية داخل منطقة الفصل خرقًا للترتيبات القائمة.
وبذلك توجد اليوم روايتان متعارضتان بصورة شبه كاملة: إسرائيل تقول إن واقع ما بعد الأسد ألغى عمليًا الظروف الأمنية القديمة ويفرض عليها الاحتفاظ بمناطق متقدمة، بينما تقول سورية إن سقوط حكومة أو تغير النظام السياسي لا يلغي اتفاقًا دوليًا ولا يمنح دولة أخرى حق الاستيلاء على الأرض.
جبل الشيخ ليس سورية فقط... عين على البقاع ولبنان
لم يكن حضور لبنان في كلام كاتس عرضيًا.
فوزير الأمن الإسرائيلي يصف جبل الشيخ بأنه نقطة تتيح مراقبة البقاع من الأعلى، ويربط انتشار الجيش داخل سورية مباشرة بالمعركة مع حزب الله.
وفي تصريحات إسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة، ظهر مفهوم المناطق الأمنية في سورية ولبنان معًا كجزء من عقيدة واحدة تشكلت بعد 7 أكتوبر: عدم الاكتفاء بالمراقبة من الحدود، بل نقل خطوط الدفاع إلى داخل أراضي الدول المجاورة متى رأت إسرائيل أن الدولة المركزية غير قادرة على إزالة التهديدات المسلحة.
وفي إحاطة أخرى للصحافيين، أعلن كاتس صراحة أنه لا يتوقع انسحابًا سريعًا من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل في لبنان أو سورية، وربط ذلك بنزع سلاح حزب الله وبمنع إعادة بناء البنى العسكرية قرب الحدود.
بهذا المعنى، فإن إعلان «السيطرة المطلقة» من جبل الشيخ يحمل رسالة جغرافية أوسع من الجنوب السوري: إسرائيل تريد قدرة عسكرية تمتد من تخوم دمشق، عبر الجولان، إلى البقاع والجنوب اللبناني.
ومن جبل الشيخ إلى طهران: «قريبون جدًا»
لم يكتف نتنياهو بإعلان ما يصفه بالإنجاز السوري.
فبعد استعراض المشهد المحيط به، انتقل مباشرة إلى إيران قائلًا إن «العمل الرئيسي» المتبقي هو هزيمة ما سماه «نظام الإرهاب في إيران»، وأضاف أن إسرائيل «قريبة جدًا» من تحقيق ذلك وأن «المحور كله سيسقط نهائيًا».
ويأتي هذا الكلام بعد الحرب التي شهدها عام 2026 بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي قتل خلالها المرشد الإيراني علي خامنئي. وكانت رويترز قد نقلت في آذار/ مارس عن كاتس أن إسرائيل قررت استهداف خامنئي قبل ذلك بأشهر، وأن العملية نُفذت في بدايات الحملة الأميركية الإسرائيلية.
أما كاتس، فذهب في جولته الحالية إلى التهديد بجولة أخرى، قائلًا إن إسرائيل ضربت إيران مرتين، وإنها ستضربها «للمرة الثالثة» إذا رأت ضرورة لذلك.
والمهم سياسيًا أن نتنياهو لم يتحدث هذه المرة فقط عن تحييد البرنامج النووي أو الصواريخ، بل عن «حسم النظام» نفسه.
وهذا يرفع السقف من سياسة منع تهديد عسكري محدد إلى خطاب يوحي بأن تغيير النظام الإيراني بات هدفًا إسرائيليًا معلنًا، حتى إن نتنياهو لم يوضح كيف يمكن تحقيق ذلك، أو ما المعايير التي تجعله يعتبر سقوط النظام «قريبًا جدًا».
«أولي البأس»: الوجه الآخر للمشهد في الجنوب
وسط هذا الواقع، يبرز عامل قد تستخدمه إسرائيل لإسناد سرديتها القائلة إن الانسحاب من الجنوب السوري سيعيد قوى مرتبطة بإيران إلى حدودها.
إنها «جبهة المقاومة الإسلامية في سورية – أولي البأس»، وهي واحدة من أكثر الجماعات غموضًا في سورية ما بعد الأسد.
ظهر التشكيل للمرة الأولى في مطلع كانون الثاني/ يناير 2025 تحت اسم «جبهة تحرير الجنوب»، وطالب القوات الإسرائيلية بالانسحاب خلال 48 ساعة، قبل أن يعتمد اسم «أولي البأس» وهوية بصرية تشبه بوضوح شعارات حزب الله وتنظيمات مرتبطة بما يعرف بـ«محور المقاومة».
وتقول الجماعة إنها سورية القرار، وتعمل في خلايا وسرايا صغيرة، ولا تخضع لدولة أو حزب خارجي.
لكن مسار خطابها منذ ذلك الحين أصبح أكثر تعقيدًا.
فبعد محاولات مبكرة لإظهار مسافة عن إيران وحزب الله، باتت بياناتها تستخدم بصورة متزايدة تعبيرات «محور المقاومة» و«وحدة الساحات». ونقل تقرير لـ«النهار» في تموز/ يوليو عن مصدر قيادي فيها وصفه العلاقة مع إيران وحزب الله بأنها «تحالف استراتيجي وندي»، لا تبعية تنظيمية.
كما رصد مركز معلومات إسرائيلي متخصص بشؤون التنظيمات المسلحة خلال 2026 بيانات متكررة للجبهة حول إيران وحزب الله، وبينها إعلانها رفض المفاوضات السورية الإسرائيلية ودعوتها عشائر الجنوب إلى اعتماد «المقاومة المسلحة» لمنع التفاهمات.
وهذه النقطة مهمة: فـ«أولي البأس» لم تعد تقدم نفسها فقط بوصفها جماعة تقاتل الاحتلال الإسرائيلي، وإنما طرفًا سياسيًا وعسكريًا يعارض أيضًا خيار الحكومة السورية في معالجة الوجود الإسرائيلي عبر المفاوضات.

عمليات معلنة... وحجم ميداني يصعب قياسه
في آب/ أغسطس الماضي، أعلنت «أولي البأس» أنها استهدفت موقعًا عسكريًا إسرائيليًا في «ثكنة الجزيرة» بمنطقة حوض اليرموك غربي درعا، ونشرت تسجيلًا قالت إنه يوثق إطلاق الصواريخ.
لكن لم تقدم الجماعة أدلة مستقلة على الخسائر أو الأضرار، كما لم يصدر تأكيد إسرائيلي واضح بنتائج الهجوم.
وهذه ليست المشكلة الوحيدة في تقييم قدراتها.
فقد نقلت «عنب بلدي» عن مدنيين وقياديين محليين في درعا تشكيكهم في تبني الجبهة عددًا من المواجهات السابقة، وقالوا إن بعض الاشتباكات التي أعلنت «أولي البأس» مسؤوليتها عنها كانت في الحقيقة ردود فعل من سكان محليين على دخول القوات الإسرائيلية إلى قراهم.
وقالت شهادات محلية إن مسلحين واجهوا القوات الإسرائيلية في مواقع بينها كويا وطرنجة وغيرها لم يكونوا جزءًا من التنظيم، وهو ما يترك احتمالًا بأن القوة الإعلامية للجبهة تفوق حتى الآن حجم حضورها العسكري الحقيقي.
حتى بعض الرصد الإسرائيلي توصل إلى ملاحظات مشابهة؛ ففي تقرير نشر في حزيران/ يونيو، أشار مركز «مئير عميت» الإسرائيلي إلى أن الجماعة زعمت تنفيذ هجمات أجبرت الجيش على إخلاء مواقع، لكنه أوضح أنه لم تكن هناك تقارير مستقلة عن هجمات من النوع الذي ادعته الجماعة خلال تلك الفترة.
وهذا لا يعني أن التنظيم افتراضي بالكامل، لكنه يجعل تقدير حجمه الفعلي أكثر صعوبة.
مجلس عسكري سري وضباط من النظام السابق
تزداد الضبابية مع بنية الجبهة نفسها.
فبحسب «عنب بلدي» و«النهار»، قالت «أولي البأس» إنها عقدت في أيار/ مايو 2025 مؤتمرًا سريًا في دمشق حضره نحو مئتي شخص في يومه الأول، وأعلنت تشكيل «مجلس عسكري موحد».
وتحدثت الرواية عن انضمام مجموعات من «درع الساحل» و«سرايا العرين» و«المقاومة الشعبية»، وعن وجود ضباط سابقين في الجيش وأجهزة النظام السابق ضمن شبكاتها. إلا أن معظم هذه التفاصيل جاءت من مصادر مقربة من التنظيم، ولم تُعرض أدلة مستقلة تسمح بالتحقق من حجم المشاركين أو طبيعة السلسلة القيادية.
ويقدم قائدها المعروف باسم «أبو جهاد رضا» أو «رضا حسين» نفسه باعتباره ضابطًا سوريًا سابقًا، بينما تقول الجبهة إنها تعمل عبر خلايا شبكية غير مركزية تساعدها على الحركة بسرية.
إيران وحزب الله: تشابه يتجاوز الشعار؟
في المقابل، توجد مؤشرات تجعل التساؤل عن علاقتها بالمحور الإيراني مشروعًا.
فشعار «أولي البأس» يستنسخ بصورة واضحة نمط الذراع التي ترفع البندقية المستخدم لدى حزب الله وعدد من الميليشيات المرتبطة بالحرس الثوري، كما أن رسائل الجماعة يجري تضخيمها في قنوات إعلامية موالية لإيران.
وذهب معهد واشنطن إلى وصفها بأنها تنظيم دعائي وشبه عسكري مرتبط بإيران، وأشار إلى تقاطعات أيديولوجية وتنظيمية بينها وبين شبكات مرتبطة بفيلق القدس، مع التأكيد على أن العديد من أسماء قياداتها وبنيتها المعلنة لا يزال غير مؤكد بصورة مستقلة.
كما يعتبر المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي أن طهران، رغم خسارتها جزءًا كبيرًا من شبكاتها في سورية بعد سقوط الأسد، لم تتخل عن نموذج الوكلاء، وأن مجموعات من بينها «المقاومة الإسلامية في سورية» تمثل محاولة لبناء أدوات أكثر مرونة وأقل مركزية.
لكن وجود تقارب أيديولوجي، أو حتى تحالف سياسي معلن، لا يساوي تلقائيًا وجود قيادة عملياتية إيرانية مباشرة.
وهذا التفريق يصبح أكثر أهمية أمام الاتهامات الجديدة المنشورة بشأن التنظيم.
خربة غزالة و«شاهد-136» و50 ألف دولار... اتهامات بلا أدلة منشورة
نشر موقع i24NEWS الإسرائيلي، الأربعاء، تحقيقًا موسعًا استند إلى ما وصفه بتقرير أمني حول شبكة مفترضة في جنوب سورية، واتهم شخصيات مرتبطة سابقًا بحزب الله وأخرى محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين بمحاولة بناء غطاء إعلامي وسياسي لـ«أولي البأس».
وتحدث التقرير عن اجتماعات مزعومة في خربة غزالة بريف درعا، وعن نقل طائرات مسيّرة من طراز «شاهد-136» وأجهزة توجيه من لبنان، وعن أشخاص أرسلوا للتدريب في مناطق نفوذ حزب الله.
كما أورد ادعاءً عن توقيف شخص قرب مكتب لتحويل الأموال وبحوزته خمسون ألف دولار، زاعمًا أن الأموال مرتبطة بتمويل شبكة إعلامية داعمة للجماعة.
لكن أهمية التحقيق لا تكمن فقط في الاتهامات، بل في القيود التي يعترف بها هو نفسه.
فلا وزارة الدفاع السورية ولا أجهزة الأمن أعلنت ضبط مسيّرات «شاهد-136»، ولم تُنشر صور أو أرقام تسلسلية تثبت وصولها إلى الجبهة، كما لم تظهر سجلات تحويل مالية أو محاضر توقيف أو وثائق قضائية تثبت قصة الخمسين ألف دولار.
كذلك نفت «أولي البأس»، في بيان نشرته في 28 آب/ أغسطس، عقد اجتماعات تنسيقية مع جماعة الإخوان المسلمين في خربة غزالة، وقالت إن قرارها «سوري مستقل».
ولهذا لا يمكن مهنيًا تحويل هذه الرواية الأمنية إلى حقيقة ثابتة، حتى لو كانت بعض عناصرها متسقة مع التقارب المتزايد بين الجبهة وخطاب المحور الإيراني.
المطلوب لإثباتها هو شيء آخر تمامًا: سجلات مالية، أدلة على نقل الأسلحة، بيانات أجهزة الاتصال، محاضر توقيف وتحقيق، أو اعترافات يمكن التحقق منها.

معضلة الاحتلال والمقاومة: كل طرف يمنح الآخر حجته
هنا تظهر أخطر مفارقات الجنوب السوري الجديد.
إسرائيل تقول إنها لا تستطيع الانسحاب لأن جماعات جهادية أو موالية لإيران قد تتمركز قرب حدودها.
وفي المقابل، تقول جماعات مثل «أولي البأس» إن سبب وجودها وتسليحها هو استمرار الاحتلال الإسرائيلي والتوغلات داخل القرى السورية.
وتطالب دمشق باستعادة سيادتها وإخراج الطرفين من المعادلة: انسحاب إسرائيل إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول، وفي الوقت نفسه حصر السلاح والقرار العسكري بالدولة.
لكن إطالة أمد الوجود الإسرائيلي قد تمنح التنظيمات المسلحة البيئة التي تحتاج إليها للتجنيد وتبرير نشاطها، فيما تمنح أي عملية تنفذها تلك التنظيمات إسرائيل حجة إضافية للقول إن المنطقة غير آمنة ولا يمكن الانسحاب منها.
وهكذا تتشكل دائرة مغلقة: الاحتلال يولد مقاومة مسلحة، والمقاومة المسلحة تستخدم لتبرير استمرار الاحتلال.
جبل الشيخ يكشف استراتيجية لا زيارة
لهذا لا يمكن قراءة ظهور نتنياهو على قمة جبل الشيخ باعتباره مجرد صورة انتخابية أو زيارة لرفع معنويات الجنود قبل رأس السنة العبرية، وإن كان البعد الداخلي حاضرًا بقوة.
فالرسالة التي خرجت من القمة أكثر اتساعًا: إسرائيل تريد الاحتفاظ بتفوق ميداني مباشر في جنوب سورية، ومراقبة البقاع اللبناني، ومنع أي قوة مسلحة ترى فيها تهديدًا من الاقتراب، والاحتفاظ بحرية تنفيذ عمليات داخل سورية، مع إبقاء إيران في قلب المبرر الاستراتيجي لهذا الانتشار.
وفي المقابل، تحاول دمشق تحويل المسألة إلى ملف تفاوضي يستعيد خطوط اتفاق 1974، بينما تسعى «أولي البأس» إلى إفشال هذا المسار من الأساس وتقديم نفسها باعتبارها بديلًا مسلحًا.
وبين هذه المشاريع الثلاثة، يبقى سكان درعا والقنيطرة وريف دمشق الطرف الأكثر تعرضًا لتحولات الميدان: توغلات وحواجز واعتقالات إسرائيلية من جهة، وخطر عودة شبكات مسلحة تعمل خارج الدولة من جهة ثانية.
أما إعلان نتنياهو أن إسرائيل باتت تتمتع بـ«سيطرة مطلقة»، فهو ربما أدق تعبير عن التحول الذي حدث منذ كانون الأول 2024: لم تعد تل أبيب تتحدث عن حماية خط حدود قائم، وإنما عن صناعة مجال أمني جديد داخل الأراضي السورية نفسها.
والسؤال الذي ستحدده المفاوضات والأحداث العسكرية المقبلة ليس ما إذا كانت إسرائيل تملك اليوم القدرة على البقاء في جبل الشيخ، فهي تملكها بالفعل، وإنما ما إذا كانت تريد أصلًا العودة إلى ما وراء خطوط 8 كانون الأول، أم أنها تستخدم مفهوم «التهديدات الجهادية» وعودة النفوذ الإيراني المحتملة لتحويل الأمر الواقع العسكري إلى ترتيب دائم.
وفي هذا السياق تحديدًا تصبح «أولي البأس» أكثر من مجرد تنظيم غامض: فإذا ثبت تحولها إلى شبكة إقليمية فعلية مدعومة بالسلاح والتمويل، ستكون إحدى أهم الذرائع الأمنية الإسرائيلية للبقاء. أما إذا بقي وجودها محدودًا، إعلاميًا أكثر منه عسكريًا، فإن تضخيم خطرها قد يتحول بدوره إلى أداة سياسية لتبرير احتلال مفتوح المدى.
وبين الاحتمالين، تبقى الحقيقة التي لا تحتاج إلى تقرير استخباراتي: الجنوب السوري دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها خطوط 1974 هي الواقع على الأرض، بينما لم يولد بعد اتفاق جديد قادر على استبدالها.
