«فتح» تضع الانتخابات في قلب الاستحقاق الوطني: قائمة وطنية وتحذير من عرقلة القدس وغزة
أكدت حركة «فتح» تمسكها بإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في موعدها المقرر في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، معتبرة أن العودة إلى صناديق الاقتراع تمثل استحقاقاً وطنياً وقانونياً ومدخلاً لإعادة تعزيز الشرعية السياسية الفلسطينية، في وقت أعلنت فيه توجهها لخوض الانتخابات ضمن قائمة وطنية رسمية بالتشاور مع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
وجاء الموقف خلال الدورة الأولى للمجلس الثوري للحركة، التي حملت اسم «دورة الصمود والثبات»، وعقدت يومي 10 و11 سبتمبر/أيلول 2026 في رام الله، بالتزامن مع اجتماعات ومشاركات من غزة والقاهرة وبيروت، برئاسة رئيس الحركة محمود عباس (أبومازن).
ووضع المجلس ملف الانتخابات في صدارة القضايا السياسية التي ناقشها، في ظل مرحلة فلسطينية بالغة التعقيد تتقاطع فيها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والتوسع الاستيطاني ومخططات الضم في الضفة الغربية والقدس، مع أزمة سياسية داخلية ممتدة وحاجة متزايدة إلى تجديد المؤسسات الفلسطينية عبر الانتخابات.
وقال المجلس إن الانتخابات لا تمثل مجرد استحقاق إجرائي، بل خطوة سياسية لإعادة الاحتكام إلى الشعب الفلسطيني باعتباره مصدر الشرعية وصاحب القرار، ولتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وتعزيز وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
وأكد أن حركة «فتح» تتجه إلى خوض الانتخابات عبر «قائمة وطنية رسمية» بالتشاور مع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، بما يهدف، وفق بيان المجلس، إلى حماية المشروع الوطني وتوسيع الشراكة السياسية وتعزيز حضور مؤسسات منظمة التحرير.
الرئيس عباس: الانتخابات في موعدها
وشدد الرئيس محمود عباس (أبومازن)، في كلمته الافتتاحية، على التزامه بالعملية الديمقراطية وإجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، إلى جانب استكمال تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني.
وطالب أبومازن المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لمنع عرقلة العملية الانتخابية، ولا سيما في القدس الشرقية وقطاع غزة، مؤكداً ضرورة توفير الظروف التي تضمن مشاركة الفلسطينيين في مختلف الأراضي الفلسطينية.
ويكتسب ملف القدس أهمية خاصة في أي استحقاق انتخابي فلسطيني، نظراً إلى أن مشاركة الفلسطينيين في المدينة لطالما شكلت إحدى أكثر القضايا تعقيداً في التجارب الانتخابية السابقة، وسط مخاوف فلسطينية من أن تستخدم إسرائيل القيود المفروضة على المدينة ذريعة لتعطيل أو تقويض العملية الانتخابية.
كما يطرح الوضع في قطاع غزة تحدياً إضافياً أمام الانتخابات، في ظل تداعيات الحرب والدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية والمؤسسات المدنية والخدمات الأساسية.
الانتخابات في ظل أزمة وطنية شاملة
وربط المجلس الثوري بين إجراء الانتخابات ومواجهة ما وصفه بمحاولات تقويض المشروع الوطني الفلسطيني وتفكيك وحدة الأرض والشعب، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة بناء الشرعية السياسية على قاعدة المشاركة الشعبية.
وقال إن حالة «الطوارئ الوطنية» تفرض إطلاق حوار وطني شامل يضم مختلف مكونات الشعب الفلسطيني وفصائله، وصولاً إلى استعادة الوحدة الوطنية ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية.
وأكد المجلس تمسكه بوحدة الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة سياسياً وجغرافياً، ورفض أي ترتيبات من شأنها فصل القطاع عن بقية الأراضي الفلسطينية أو تكريس واقع سياسي وإداري منفصل.
وأشار إلى أن أي عملية انتخابية يجب أن تكون جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد مؤسساته وترسيخ الشراكة بين القوى والفصائل.
غزة في صدارة النقاشات
وعلى صعيد التطورات في قطاع غزة، دعا المجلس الثوري إلى وقف العدوان الإسرائيلي ورفض محاولات التهجير، والعمل على فتح المعابر وضمان دخول المساعدات الإنسانية وبدء عملية إعادة الإعمار والتعافي.
كما أكد ضرورة حماية الفلسطينيين ووقف عمليات إطلاق النار والقصف، معتبراً أن حماية المدنيين وتعزيز صمودهم يجب أن تكون في صلب العمل الوطني خلال المرحلة المقبلة.
وكان أبومازن قد طالب بالتنفيذ الفوري والكامل للمرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في غزة، والانسحاب الكامل لجيش الاحتلال الإسرائيلي من القطاع، وفتح معبر رفح وضمان تدفق المساعدات دون قيود، إلى جانب تمكين المؤسسات والوزارات الفلسطينية من استعادة دورها في إدارة الخدمات العامة.
تحذير من الاستيطان ومخططات الضم
وفي الضفة الغربية، حذر المجلس من تصاعد الاستيطان واعتداءات المستوطنين ومحاولات فرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة على الأرض.
كما حذر أبومازن من خطورة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، ولا سيما مخطط «E1»، الذي يرى الفلسطينيون أنه يهدد التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها ويفصل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
ودعا المجتمع الدولي إلى الانتقال من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية لوقف التوسع الاستيطاني، وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2334.
ورحب المجلس بالمواقف الدولية الرافضة للاستيطان والداعية إلى مقاطعة منتجات المستوطنات، مطالباً بتحويل هذه المواقف إلى خطوات سياسية وقانونية تمنع استمرار «إفلات إسرائيل من العقاب».
القدس والأغوار في قلب المواجهة
وشدد المجلس على دعم الفلسطينيين في القدس في مواجهة سياسات الهدم والتهجير والتضييق والإجراءات الإسرائيلية التي وصفها بأنها تهدف إلى تغيير الطابع الديمغرافي والسياسي للمدينة.
كما حذر من محاولات ضم ومصادرة الأراضي في منطقة الأغوار وتوسيع المشاريع الاستيطانية، مؤكداً ضرورة تعزيز صمود الفلسطينيين في مناطق التماس والمناطق المستهدفة بالمصادرة والاستيطان.
وأكد في الوقت ذاته حق الشعب الفلسطيني في ممارسة المقاومة الشعبية السلمية، باعتبارها إحدى أدوات مواجهة الاحتلال والاستيطان.
الأسرى واللاجئون و«الأونروا»
ووضع المجلس قضية الأسرى والأسيرات في السجون الإسرائيلية ضمن أولوياته السياسية والقانونية، داعياً إلى تكثيف التحرك الدولي من أجل الإفراج عنهم.
وخص بالذكر عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» مروان البرغوثي وعضو المجلس الثوري جمال حويل، إلى جانب الدعوة للتحرك من أجل استعادة جثامين الشهداء المحتجزة لدى إسرائيل.
وفي ملف اللاجئين، أكد المجلس التمسك بحقوق اللاجئين الفلسطينيين وفق القرار الأممي 194، وفي مقدمتها حق العودة والتعويض.
كما شدد على ضرورة الحفاظ على وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» ورفض أي محاولات لاستبدالها أو تقويض تفويضها أو تحويل قضية اللاجئين إلى ملف إنساني أو مالي منفصل عن أبعادها السياسية والقانونية.
واعتبر المجلس أن استمرار «الأونروا» مرتبط بعدم التوصل حتى الآن إلى حل نهائي لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
إصلاح داخلي واستنهاض تنظيمي
وعلى الصعيد الداخلي، دعا المجلس الثوري إلى تفعيل الأطر التنظيمية للحركة واستكمال تشكيل المفوضيات واللجان الدائمة والفرعية، وتعزيز التكامل والمساءلة بين اللجنة المركزية والمجلس الثوري وبقية المؤسسات التنظيمية.
كما رحب بعودة عدد من المفصولين من الحركة بصورة فردية وفق الأسس التي أقرتها اللجنة المركزية.
وناقش المجلس ملفات الخدمات العامة، بما في ذلك التعليم والصحة والطاقة وسجل الأراضي والقضايا الاجتماعية والمتقاعدين، مؤكداً ضرورة تحسين مستوى الخدمات وتعزيز قدرة الفلسطينيين على الصمود في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية الراهنة.
كما شدد على توسيع مشاركة المرأة والشباب في العمل التنظيمي والسياسي، ودعا إلى تنسيق أكبر بين الشبيبة الفتحاوية وأطر الحركة واللجان الشعبية، خصوصاً في المناطق التي تشهد اعتداءات متصاعدة من المستوطنين.
وفي ختام دورته، أكد المجلس أن «فتح» ستواصل العمل ضمن منظمة التحرير الفلسطينية من أجل إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وتضع المواقف الصادرة عن المجلس الثوري ملف الانتخابات أمام اختبار سياسي وعملي خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً في ما يتعلق بقدرة الفصائل الفلسطينية على التوصل إلى تفاهمات حول شكل المشاركة، وضمان إجراء الاقتراع في غزة والقدس، وتحويل الاستحقاق الانتخابي إلى مسار فعلي لتجديد المؤسسات وإنهاء حالة الانقسام السياسي.
