مصادر لـ«رويترز»: ولي العهد السعودي أجرى اتصالين مع ترامب وطلب مساعدة في مواجهة الحوثيين... واشنطن تستبعد تدخلاً عسكرياً مباشراً وتعرض دعماً استخباراتياً وتحديداً للأهداف
دخل التصعيد المتسارع في اليمن والبحر الأحمر مرحلة أكثر حساسية، بعدما طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مساعدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مواجهة جماعة الحوثيين المتحالفة مع إيران، في وقت حققت فيه الجماعة تقدماً ميدانياً على الساحل الغربي لليمن ووصلت إلى مناطق استراتيجية ملاصقة لمضيق باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.
وقال مصدران مطلعان لوكالة «رويترز»، الجمعة 11 سبتمبر (أيلول) 2026، إن الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالين هاتفيين على الأقل مع ترامب، الخميس، وطلب مساعدة أميركية في مواجهة الحوثيين بعد تصاعد تهديداتهم للسعودية وحركة الملاحة في البحر الأحمر. ووفق المصدرين، أبلغت واشنطن الرياض في نهاية المحادثات بأنها لا تعتزم، في الوقت الراهن، الانخراط في عمل عسكري مباشر ضد الجماعة، لكنها مستعدة لتقديم دعم يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف.
وكان موقع «أكسيوس» أول من كشف تفاصيل الاتصالات، نقلاً عن مسؤولين أميركيين قالا إن ولي العهد السعودي حث ترامب خلال الاتصال الثاني على توجيه ضربات أميركية إلى الحوثيين، لكن الرئيس الأميركي رفض فتح جبهة عسكرية مباشرة جديدة، مع موافقة إدارته على زيادة الدعم غير القتالي للسعودية.
ولم يصدر حتى مساء الجمعة تأكيد رسمي مفصل من البيت الأبيض أو السلطات السعودية بشأن مضمون الاتصالين. وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية لـ«رويترز»، طالباً عدم نشر اسمه، إن واشنطن على تواصل مستمر مع السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وإن الأولوية الأميركية تتمثل في ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر مع دفع الشركاء الإقليميين إلى تولي الدور الرئيسي في معالجة التحديات الأمنية.
وبذلك تظل التفاصيل المتعلقة بطلب التدخل العسكري مستندة إلى روايات مصادر مطلعة لم تكشف هويتها، وإن كانت قد نُشرت بصورة متطابقة إلى حد كبير من جانب «رويترز» و«أكسيوس».
تحوّل في الموقف السعودي
إذا تأكدت طبيعة الطلب السعودي، فإنه يمثل تحولاً مهماً في النهج الذي اتبعته الرياض خلال الأشهر الماضية تجاه المواجهة مع الحوثيين.
ففي يوليو (تموز)، ومع عودة التوتر العسكري بين الجانبين، أبلغت القيادة السعودية واشنطن بأنها قادرة على التعامل مع الحوثيين من دون تدخل عسكري أميركي مباشر، مع طلب دعم سياسي وزيادة الضغوط الاقتصادية على طهران. وذكرت «أكسيوس» في حينه أن ترامب منح محمد بن سلمان دعماً سياسياً لتحركات سعودية ضد الحوثيين، من دون أن يتحول ذلك إلى مشاركة قتالية أميركية.
لكن الحسابات تغيرت بصورة متسارعة مع الهجوم الذي شنته قوات الحوثيين هذا الأسبوع على طول الساحل اليمني للبحر الأحمر، واقترابها من مضيق باب المندب، بالتزامن مع استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وتزامنت الاتصالات السعودية - الأميركية مع توجه قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، الأميرال براد كوبر، إلى السعودية الخميس لإجراء محادثات، وفق مصدر تحدث إلى «رويترز». كما أفاد «أكسيوس»، نقلاً عن مصدرين مطلعين، بأن زيارة كوبر جاءت لإجراء تنسيق عاجل مع الجانب السعودي على خلفية التطورات اليمنية.
ولا يعني ذلك حتى الآن أن الولايات المتحدة تستعد للدخول عسكرياً في المواجهة. فالموقف الذي نقلته المصادر عن إدارة ترامب يشير، على العكس، إلى رغبة واشنطن في حصر مشاركتها في المجال الاستخباراتي ودعم الاستهداف، مع إبقاء القوات الأميركية مركزة على المواجهة الأوسع مع إيران وتأمين الممرات البحرية.
الحوثيون يصلون إلى بريم وذوباب
جاء الطلب السعودي فيما سجل الحوثيون تقدماً ميدانياً سريعاً قرب مضيق باب المندب.
وقال أربعة مصادر في الحكومة اليمنية لـ«رويترز» إن قوات الحوثيين وصلت الجمعة إلى جزيرة بريم، المعروفة أيضاً بميون، والواقعة وسط المضيق في موقع يمنحها أهمية استراتيجية استثنائية لمراقبة حركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وكان مصدران من الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية قد قالا إن القوات الحكومية انسحبت من الجزيرة، وإن الحوثيين وصلوا كذلك إلى مدينة ذوباب الساحلية المقابلة لها على البر الرئيسي.
ومن المهم التمييز هنا بين وصول الحوثيين إلى الجزيرة وانسحاب القوات الحكومية منها وبين تأكيد السيطرة العسكرية الكاملة والمستقرة على مضيق باب المندب نفسه؛ إذ لم تعلن جهة مستقلة حتى الآن أن الجماعة أصبحت تتحكم بالمضيق بأكمله، كما استمرت حركة بعض السفن عبره الجمعة.
وسبق هذا التقدم استيلاء الحوثيين، بحسب مصادر عسكرية وحكومية نقلت عنها «رويترز»، على مدينة وميناء المخا الخميس، إلى جانب تقدمهم نحو جزر حنيش في البحر الأحمر. ويضع ذلك قواتهم على امتداد شريط استراتيجي بالغ الحساسية قبالة أحد أهم طرق التجارة الدولية.
باب المندب يتحول إلى جبهة في الصراع الأميركي - الإيراني
تنبع خطورة التطورات من وقوعها في وقت لا يزال فيه مضيق هرمز، على الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية، يعاني اضطراباً حاداً في حركة الملاحة بسبب الحرب الأميركية - الإيرانية.
فمضيق هرمز كان قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) 2026 يستقبل يومياً نحو 125 سفينة تجارية كبيرة، وتمر عبره كميات تمثل قرابة 20 في المائة من إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية، وفق بيانات أوردتها «رويترز». لكن حركة السفن هبطت بصورة حادة خلال الحرب، وسُجل عبور سبع سفن فقط الخميس 10 سبتمبر، وفق بيانات أولية لتتبع حركة الملاحة.
ومع تقلص القدرة على الاعتماد على هرمز، ازدادت الأهمية الاستراتيجية للساحل الغربي للسعودية ولموانئ البحر الأحمر وخط أنابيب «شرق - غرب» الذي ينقل الخام السعودي من مناطق الإنتاج الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
ومن هنا، فإن أي تهديد متزامن لهرمز وباب المندب يمكن أن يضغط على اثنين من أهم منافذ تصدير الطاقة في المنطقة في الوقت نفسه، وهو سيناريو تخشى أسواق النفط أن يؤدي إلى اضطرابات أوسع في الإمدادات وارتفاعات إضافية في الأسعار.
إلا أن القول إن الحوثيين باتوا قادرين على «إغلاق باب المندب» يظل سابقاً لأوانه. فبيانات تتبع السفن التي أوردتها «رويترز» أظهرت مرور 26 سفينة تجارية عبر المضيق الخميس، وهو رقم قريب من متوسط الأيام العشرة السابقة البالغ نحو 27 سفينة، ما يعني أن الحركة البحرية لم تتوقف حتى الآن.
دخان قرب خط النفط السعودي الاستراتيجي
وزادت المخاوف من تعرض البنية التحتية السعودية للطاقة لضغوط جديدة بعدما أظهرت صور أقمار صناعية، تحققت «رويترز» من صحتها، تصاعد دخان الخميس في محيط خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب».
ولم تؤكد السلطات السعودية وقوع هجوم أو حادث في الخط، كما لم تقدم شركة «أرامكو» تفسيراً فورياً للدخان الذي ظهر في الصور. ولذلك لا يمكن، استناداً إلى المعلومات المتاحة، الجزم بأن خط الأنابيب تعرض لهجوم.
وتكتسب أي واقعة قرب الخط أهمية خاصة، لأنه أصبح أحد أهم البدائل الاستراتيجية أمام الرياض لنقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز.
وقد ساهمت الاضطرابات العسكرية والأمنية بالفعل في تقليص الإمدادات السعودية.
وقالت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الصادر الجمعة إن إمدادات الخام السعودية تراجعت بنحو 2.3 مليون برميل يومياً خلال أغسطس (آب)، لتصل إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من ثلاثة عقود. وربطت الوكالة التراجع بالهجمات التي استهدفت منشآت ومسارات شحن سعودية، ومنها نشاط جماعات مرتبطة بالحوثيين ضد الملاحة قرب باب المندب.
وحذرت الوكالة من أن المعروض النفطي العالمي خلال 2026 يتجه إلى انخفاض أكبر مما كان متوقعاً، في ظل استمرار الصراعات في الشرق الأوسط وتعثر عودة التدفقات الطبيعية من الخليج.
النفط فوق حاجز 100 دولار
انعكست هذه التطورات سريعاً على أسواق الطاقة.
فقد تجاوز خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط حاجز 100 دولار للبرميل الخميس، بعدما تصاعدت الهجمات على السفن والمنشآت في المنطقة. وأغلق برنت عند 107.63 دولار للبرميل الخميس، بينما بلغ الخام الأميركي 102.48 دولار، وفق بيانات السوق التي أوردتها «رويترز».
وتراجعت الأسعار نسبياً خلال تداولات الجمعة بعد ظهور مؤشرات على تحركات دبلوماسية بشأن تأمين الملاحة في مضيق هرمز، لكنها ظلت في طريقها لتحقيق مكاسب أسبوعية قوية، وسط مخاوف من اتساع نطاق اضطرابات الإمدادات إلى البحر الأحمر.
ويمثل ارتفاع أسعار الطاقة تحدياً إضافياً لإدارة ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني)، في وقت انعكس فيه ارتفاع أسعار الوقود بالفعل على المزاج الاقتصادي والسياسي داخل الولايات المتحدة.
ويساعد ذلك في تفسير حذر البيت الأبيض حيال فتح جبهة عسكرية مباشرة أخرى ضد الحوثيين، رغم أهمية حماية الملاحة في البحر الأحمر بالنسبة لواشنطن وحلفائها.
الحوثيون: الحظر يستهدف السفن السعودية
في المقابل، قال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إن الملاحة البحرية «آمنة» بالنسبة للسفن باستثناء السفن السعودية التي أعلنت الجماعة سابقاً فرض حظر عليها.
وقال سريع، في بيان نشره عبر «تلغرام» ونقلت عنه «رويترز»، إن الجماعة ستواصل ما وصفه بسياسة «الحصار بالحصار» والتصعيد رداً على العمليات السعودية.
وتظل هذه التصريحات معبرة عن موقف الحوثيين، ولا تشكل ضماناً مستقلاً لأمن الملاحة، خصوصاً في ظل العمليات العسكرية المتسعة حول المضيق.
القوات الحكومية تستعد لهجوم مضاد
في اليمن، أشارت القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً إلى أنها تستعد لمحاولة استعادة المناطق التي فقدتها خلال الهجوم الحوثي الأخير.
وأعلنت القوات أنها ستستخدم قدراتها العسكرية والجوية ضد تحركات الحوثيين في مناطق استراتيجية، بينها الطريق الرابط بين تعز والمخا.
كما دعا العقيد الركن ماجد النزيلي، المتحدث العسكري باسم القوات الحكومية، المدنيين إلى تجنب الطريق بين تعز والمخا والابتعاد عن مواقع وتحركات القوات الحوثية، في مؤشر على احتمال اقتراب مواجهة مضادة على الساحل الغربي.
ومن شأن اندلاع معركة واسعة لاستعادة المخا وذوباب والجزر القريبة أن يعيد فتح إحدى أكثر جبهات الحرب اليمنية حساسية، بعد سنوات من التراجع النسبي للعمليات العسكرية الواسعة بين السعودية والحوثيين.
اتهامات بتوجيه إيراني... وطهران تنفي
وتضيف العلاقة بين الحوثيين وإيران بعداً أكثر تعقيداً إلى الأزمة.
ونقلت «رويترز» الخميس عن مصادر في الحكومة اليمنية وإيران والمنطقة قولها إن التقدم الحوثي على الساحل الغربي جاء بتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني بهدف فتح جبهة إضافية في الصراع بين طهران وواشنطن.
وقال مصدران إيرانيان للوكالة إن طهران طلبت من الحوثيين خلال الأسبوع السابق زيادة الضغط العسكري على السعودية، ووعدتهم بمزيد من التمويل والأسلحة ودعم من مسؤولين عسكريين.
لكن إيران تنفي علناً إصدار أوامر عسكرية إلى الحوثيين، وتؤكد أن الجماعة حليف لها وليست قوة تعمل بالوكالة عنها. ولذلك فإن الحديث عن «توجيه مباشر» يظل معلومة منسوبة إلى مصادر تحدثت إلى «رويترز»، وليس موقفاً أقرت به الحكومة الإيرانية.
مسار دبلوماسي موازٍ في عُمان
وعلى الرغم من التصعيد العسكري، تحرك مسار دبلوماسي موازٍ في محاولة للحد من أزمة الممرات البحرية.
وأكدت إيران الجمعة أن ممثلين عنها وعن العراق ودول عربية خليجية سيجتمعون في سلطنة عُمان الاثنين لمناقشة ترتيبات تسمح بمرور آمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز.
وكانت صحيفة «فايننشال تايمز» أول من أورد نبأ الاجتماع، وقالت إن المناقشات تستهدف التوصل إلى ترتيب مؤقت لتأمين الملاحة التجارية، في ظل استمرار الخلافات الكبرى بين واشنطن وطهران.
ويوفر ذلك نافذة محتملة لتخفيف الضغط على أحد المضيقين، لكن تقدم الحوثيين قرب باب المندب يعني أن المخاطر التي تواجه طرق التجارة والطاقة لم تعد محصورة في الخليج وحده.
معادلة سعودية أكثر تعقيداً
تكشف التطورات الأخيرة عن معضلة متزايدة أمام السعودية.
فبعد سنوات من السعي إلى خفض التصعيد مع الحوثيين وتقليص الانخراط المباشر في الحرب اليمنية، تواجه الرياض اليوم تهديداً متزامناً لمصالحها الأمنية والطاقة: اضطراب مضيق هرمز شرقاً، وتصاعد خطر الحوثيين على البحر الأحمر وباب المندب غرباً، إلى جانب الهجمات التي طالت منشآت ومسارات مرتبطة بصادراتها النفطية.
وفي المقابل، تبدو إدارة ترامب حريصة حتى الآن على عدم توسيع نطاق الحرب الأميركية مع إيران إلى مواجهة عسكرية مباشرة أخرى في اليمن، وتفضل، بحسب المصادر الأميركية، تقديم المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف وترك العمليات العسكرية للشركاء الإقليميين.
وبين الطلب السعودي للحصول على دعم أميركي أكبر ورفض واشنطن التدخل القتالي المباشر، قد تصبح الأيام المقبلة اختباراً لقدرة الرياض وحلفائها اليمنيين على وقف التقدم الحوثي قرب باب المندب من دون جر الولايات المتحدة إلى جبهة جديدة.
كما سيكون العامل الأكثر حساسية هو ما إذا كان الحوثيون سيكتفون بالسيطرة على مزيد من الأراضي الساحلية، أم سيحاولون استخدام مواقعهم الجديدة لتغيير قواعد الملاحة في المضيق. وأي انتقال من التهديد إلى تعطيل واسع لحركة السفن قد يحول البحر الأحمر من جبهة إقليمية إلى أزمة دولية تمس إمدادات الطاقة والتجارة العالمية بصورة مباشرة.
