أثار التقدم العسكري السريع لجماعة «أنصار الله» (الحوثيين) على الساحل الغربي لليمن ووصول قواتها إلى جزيرة ميون الاستراتيجية في قلب مضيق باب المندب، مخاوف إسرائيلية وإقليمية متصاعدة من تحول الممر البحري الحيوي إلى ورقة ضغط جديدة في المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، فيما رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى الآن، الانخراط في ضربات عسكرية مباشرة ضد الجماعة رغم طلب سعودي بهذا الخصوص.
وأكدت مصادر في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لـ«رويترز»، وصول الحوثيين إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، بعدما انسحبت منها القوات الحكومية، بالتزامن مع سيطرة الجماعة على بلدة ذوباب الساحلية المقابلة للجزيرة، وذلك بعد يوم من استيلائها على مدينة المخا المطلة على البحر الأحمر.
كما أكدت وكالة «أسوشيتد برس»، نقلاً عن مسؤول عسكري يمني ومسؤول حوثي، سيطرة الجماعة على ميون، وهي جزيرة تقع داخل المضيق وتقسمه إلى مسارين ملاحيين، في تطور يمنح الحوثيين قدرة أكبر على التأثير في حركة السفن العابرة بين خليج عدن والبحر الأحمر.
وبحسب «وول ستريت جورنال»، فإن السيطرة على ميون وذوباب، إلى جانب التقدم الأخير على الساحل الغربي، منحت الحوثيين ما وصفته الصحيفة بـ«سيطرة فعلية» على أحد أهم الاختناقات البحرية في العالم، في حين تحدثت مصادر يمنية وتقارير دولية عن امتداد نفوذ الجماعة على معظم الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر.
قلق في إسرائيل ومراقبة عسكرية للتطورات
وفي إسرائيل، تصاعد القلق من التداعيات العسكرية والاستراتيجية لهذا التحول، خصوصاً مع ارتباط باب المندب مباشرة بحركة الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.
وقالت «القناة 13» الإسرائيلية، في تقرير شارك في إعداده المراسل العسكري أور هيلر، إن تقدم الحوثيين باتجاه المضيق يشكل «تحولاً مهماً» في اليمن، مشيرة إلى أن الجماعة وسعت سيطرتها من مدينة المخا باتجاه ذوباب والساحل المطل على باب المندب.
وتتابع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التطورات خشية أن تمنح المكاسب الجديدة الحوثيين قدرة أوسع ليس فقط على تهديد الملاحة، وإنما أيضاً على استخدام مناطق أقرب إلى الممر البحري لإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة أو تنفيذ عمليات ضد أهداف بحرية.
ويكتسب التطور أهمية إضافية بالنسبة لإسرائيل، التي واجهت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 عمليات إطلاق متكررة للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة من اليمن، ما يجعل الجبهة الحوثية جزءاً من منظومة التأهب الإسرائيلية إلى جانب إيران ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة.

باب المندب يتحول إلى ورقة استراتيجية
وتكمن خطورة التطورات الأخيرة في الموقع الجغرافي لجزيرة ميون ومدينة ذوباب، حيث يصبح تمركز الحوثيين قرب ضفتي الممر الشرقي لباب المندب عاملاً يزيد قدرتهم على مراقبة السفن وتهديدها من مسافات أقصر.
وتشير تقديرات نشرتها «رويترز» إلى أن أي تعطيل واسع للملاحة عبر باب المندب يمكن أن يؤثر على نحو 12 في المئة من التجارة العالمية وما يصل إلى 7 في المئة من تدفقات النفط العالمية، في وقت تواجه فيه الأسواق أصلاً اضطرابات مرتبطة بالمواجهة مع إيران وتعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وكانت حركة الشحن عبر باب المندب قد تراجعت بصورة حادة منذ بدء الحوثيين مهاجمة سفن في البحر الأحمر أواخر عام 2023، قبل أن تستعيد بعض النشاط، إلا أن المكاسب العسكرية الأخيرة أعادت المخاوف من اضطرابات واسعة في هذا المسار.
ويضع ذلك اثنين من أهم الممرات البحرية للطاقة في المنطقة، هرمز وباب المندب، في قلب المواجهة الإقليمية الحالية، وهو ما قد يمنح إيران وحلفاءها أوراق ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين.
السعودية تطلب تدخلاً أميركياً وترامب يرفض
وبالتوازي مع التقدم الحوثي، كشفت «أكسيوس»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالين بالرئيس دونالد ترامب، طالب خلالهما الولايات المتحدة بشن ضربات ضد الحوثيين لوقف تقدمهم باتجاه باب المندب.
لكن ترامب رفض الطلب، وأبلغ مسؤولون أميركيون الموقع بأن الإدارة لا تخطط، في المرحلة الحالية، للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة جديدة مع الحوثيين.
وأكدت «رويترز» لاحقاً أن واشنطن رفضت طلب التدخل العسكري المباشر، لكنها وافقت على زيادة الدعم الاستخباراتي وتقديم معلومات مرتبطة بتحديد الأهداف، في وقت زار فيه قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر السعودية لإجراء مشاورات بشأن التطورات.
وتكشف هذه المعادلة حدود الاستعداد الأميركي للدخول في مواجهة عسكرية جديدة في اليمن، في ظل انخراط واشنطن بالفعل في الحرب مع إيران وتصاعد المخاطر في الخليج والبحر الأحمر.
ترامب: الحوثيون لا يريدون مواجهة واشنطن
وفي أحدث تعليق أميركي، قال ترامب، السبت 12 سبتمبر/أيلول، إن الحوثيين تواصلوا مع إدارته وأبلغوها بأنهم لا يريدون دخول الولايات المتحدة بصورة مباشرة في المواجهة.
وأضاف أن الحوثيين يسمحون بمرور معظم السفن، باستثناء سفن مرتبطة بدولة لم يسمها، معرباً عن اعتقاده بإمكانية معالجة المسألة. كما أكد أنه تحدث مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بشأن التطورات الأخيرة.
وتشير تصريحات ترامب إلى سعي واشنطن، في الوقت الراهن، إلى احتواء التصعيد من دون فتح جبهة عسكرية مباشرة في اليمن، رغم الدعم الاستخباراتي المقدم للسعودية والقلق المتزايد على أمن الممرات البحرية.
هجوم على شريان النفط السعودي
وتزامن التصعيد اليمني مع ضربة جديدة للبنية التحتية النفطية السعودية، بعدما أوقفت الرياض خط أنابيب «شرق-غرب» احترازياً إثر هجوم بطائرات مسيرة.
وقال ترامب السبت إن إيران «على الأرجح» تقف وراء الهجوم، فيما كانت السعودية قد أعلنت أن الطائرات جاءت من الأراضي العراقية، وأكد العراق فتح تحقيق في الحادث.
ويكتسب خط «شرق-غرب» أهمية استثنائية للسعودية، لأنه يسمح بنقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز، ما يعني أن تزامن استهدافه مع توسع نفوذ الحوثيين قرب باب المندب يضع مسارين رئيسيين لصادرات الطاقة السعودية تحت ضغط أمني متزايد.
ترامب يتوقع نهاية الحرب بعد الانتخابات
وفي موازاة التصعيد الإقليمي، كرر ترامب توقعاته بقرب انتهاء الحرب مع إيران، مرجحاً أن يحدث ذلك عقب انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني.
وكان ترامب قال الأربعاء إن الحرب قد تنتهي «فوراً بعد الانتخابات»، معتبراً أن طهران تحاول الصمود للتأثير في المشهد الانتخابي، كما توقع تراجع أسعار النفط بعد انتهاء القتال.
وعاد السبت، خلال وجوده في دبلن، ليقول إن الحرب ستنتهي «قريباً جداً»، مرجحاً مجدداً أن يكون ذلك بعد انتخابات التجديد النصفي، ومؤكداً أن أسعار النفط ستتراجع مع نهاية المواجهة.
معادلة إقليمية جديدة
ويضع التقدم الحوثي السريع السعودية وإسرائيل والولايات المتحدة أمام معادلة أمنية أكثر تعقيداً؛ فبينما تتركز المواجهة الأساسية مع إيران حول مضيق هرمز، بات باب المندب يمثل جبهة موازية يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في التجارة الدولية وأسواق الطاقة وحركة السفن عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
كما أن السيطرة الحوثية على مواقع استراتيجية مثل المخا وذوباب وميون تقلص المسافة العملياتية بين الجماعة والسفن المارة، وترفع تكلفة تأمين أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وفي المقابل، يبدو أن واشنطن تحاول حتى الآن الفصل بين مساعدة حلفائها عسكرياً واستخباراتياً وبين الدخول المباشر في حرب جديدة مع الحوثيين، بينما تراقب إسرائيل التطورات باعتبارها جزءاً من اتساع دائرة التهديدات المرتبطة بالمواجهة مع إيران.
ومع استمرار الحرب الأميركية-الإيرانية، وتعرض منشآت الطاقة السعودية للهجمات، وتوسع الحوثيين عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، يتحول باب المندب من جبهة يمنية محلية إلى إحدى أبرز ساحات الصراع الإقليمي، بما يحمله ذلك من تداعيات محتملة على إسرائيل ودول الخليج والتجارة العالمية وأسواق الطاقة.
