للعام الثاني.. واشنطن تمنع عباس من حضور الجمعية العامة والفلسطينيون يتهمونها بخرق التزامات «دولة المقر»
منعت الولايات المتحدة، للعام الثاني على التوالي، الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) من الحضور شخصيًا إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بعدما رفضت منحه تأشيرة دخول، بالتزامن مع تمديد قيود أميركية أوسع على تأشيرات مسؤولين في السلطة الفلسطينية وأعضاء منظمة التحرير الفلسطينية.
وأكد مسؤول فلسطيني مطلع أن الرئيس عباس مشمول بالقرار الأميركي، ما سيحول دون مشاركته حضوريًا في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، التي يُعقد نقاشها العام في مقر الأمم المتحدة بنيويورك بين 22 و28 أيلول/سبتمبر الجاري.
ويكرر القرار السيناريو الذي حدث في أيلول/سبتمبر 2025، عندما رفضت واشنطن منح الرئيس عباس وأعضاء من الوفد الفلسطيني تأشيرات دخول، واضطرت الجمعية العامة آنذاك إلى اتخاذ قرار خاص يسمح للرئيس الفلسطيني بإلقاء كلمته عبر تسجيل مصور بدلًا من الحضور شخصيًا.
واشنطن: قيود بسبب «الإصلاح» والتحرك الدولي
وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة قررت تمديد العقوبات المتعلقة بالتأشيرات المفروضة على مسؤولين في السلطة الفلسطينية وأعضاء منظمة التحرير، متهمة الجانبين بعدم تنفيذ إصلاحات قالت إنهما التزما بها أمام واشنطن، وبمواصلة أنشطة ترى الإدارة الأميركية أنها «تقوض آفاق السلام».
واتهمت الخارجية الأميركية القيادة الفلسطينية بالعمل على ما وصفته بـ«تدويل الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني»، مشيرة تحديدًا إلى التحركات الفلسطينية أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، والسعي للحصول على اعترافات دولية بدولة فلسطين بدلًا مما تعتبره واشنطن مسارًا تفاوضيًا مباشرًا.
كما أعادت الإدارة الأميركية طرح انتقاداتها لسياسات السلطة الفلسطينية بشأن المخصصات المالية المرتبطة بالأسرى وعائلاتهم، إلى جانب اتهامات تتعلق بخطاب رسمي ومناهج تعليمية، ضمن المبررات التي قدمتها لتمديد القيود.
وبحسب وكالة «رويترز»، فإن الجمعية العامة تتجه إلى النظر مجددًا في آلية تسمح للرئيس عباس بالمشاركة عبر تسجيل مصور، على غرار الإجراء الاستثنائي الذي اتخذته العام الماضي بعد رفض واشنطن منحه تأشيرة.
فلسطين ترفض القرار: اللجوء للقضاء الدولي حق وليس تقويضًا للسلام
وفي المقابل، رفضت دولة فلسطين القرار الأميركي، واعتبرت وزارة الخارجية والمغتربين أن تمديد القيود يمثل «إجراءً غير مبرر» يتعارض مع محاولات استعادة الثقة في العلاقات الفلسطينية–الأميركية ومع تهيئة المناخ السياسي لتنفيذ حل الدولتين.
وردت الخارجية الفلسطينية بصورة مباشرة على الاتهامات الأميركية المتعلقة بـ«تدويل الصراع»، مؤكدة أن اللجوء إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية يمثل، وفق موقفها، استخدامًا لوسائل قانونية وسلمية متاحة بموجب القانون الدولي، ولا ينبغي اعتباره عملًا يقوض فرص السلام.
وأكدت الوزارة أن منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية تتمسكان بحل الدولتين على أساس حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وأن الاعتراف الدولي بدولة فلسطين لا يُطرح، بحسب موقفهما، بديلًا عن المفاوضات، وإنما باعتباره إقرارًا بحق الفلسطينيين في تقرير المصير ودعمًا لمسار سياسي يؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية.
كما رفضت الخارجية الفلسطينية الاتهام بعدم إجراء إصلاحات، وقالت إن الحكومة نفذت تغييرات في نظام الحماية الاجتماعية وبرامج إصلاح مالية وإدارية وتعليمية وقانونية، ودعت واشنطن إلى تقييمها وفق «الوقائع والتقارير المهنية» بدلًا من الاعتماد على ما وصفته بادعاءات سياسية قديمة.
خلاف يتجاوز التأشيرة إلى وضع الولايات المتحدة كدولة مقر
ولا يقتصر الخلاف على العلاقة الثنائية بين واشنطن ورام الله، إذ أعادت الخطوة الأميركية إلى الواجهة الجدل بشأن التزامات الولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة.
وقالت الخارجية الفلسطينية إن منع أعضاء الوفد الرسمي من الوصول إلى اجتماعات الأمم المتحدة «يمثل مساسًا» بحقوق المشاركة الفلسطينية ويتعارض، وفق تفسيرها، مع التزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاقية مقر الأمم المتحدة، مطالبة واشنطن بضمان وصول جميع أعضاء الوفد الرسمي المعتمدين، وعدم الاكتفاء باستثناء بعض الدبلوماسيين الفلسطينيين المقيمين أصلًا في نيويورك.

وكانت الجمعية العامة نفسها قد تناولت المسألة العام الماضي. ففي قرار اعتمدته في 19 أيلول/سبتمبر 2025، أعربت عن أسفها لرفض الولايات المتحدة منح وتأمين تأشيرات لممثلين عن دولة فلسطين، واستندت إلى المادة 11 من اتفاقية المقر، وشددت على ضرورة تمكين الممثلين الفلسطينيين من المشاركة الشخصية في اجتماعات الأمم المتحدة.
وصوتت الجمعية آنذاك بأغلبية 145 دولة مقابل 5 دول، مع امتناع 6 دول، على السماح لدولة فلسطين بالمشاركة افتراضيًا وإتاحة بث كلمة مسجلة للرئيس عباس داخل قاعة الجمعية العامة بعدما تعذر وصوله إلى نيويورك. وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن الدول الخمس التي عارضت القرار.
ويتمتع وفد دولة فلسطين في الأمم المتحدة بصفة دولة مراقب غير عضو منذ قرار الجمعية العامة الصادر عام 2012، ولا تملك فلسطين حق التصويت الذي تتمتع به الدول الأعضاء الكاملة، لكنها تشارك في أعمال الجمعية وفعالياتها وفق الصلاحيات الممنوحة لها.
العام الثاني على التوالي
وكان الرئيس عباس قد اضطر في الدورة السابقة للجمعية العامة إلى مخاطبة قادة العالم عبر الفيديو بعد رفض تأشيرته، في واقعة أثارت اعتراضات داخل الأمم المتحدة وانتهت إلى إصدار قرار استثنائي لتنظيم مشاركة الوفد الفلسطيني عن بعد.
وتأتي الخطوة الأميركية الجديدة فيما تبدأ اجتماعات المستوى الرفيع للدورة الحادية والثمانين للأمم المتحدة، حيث يبدأ النقاش العام في 22 أيلول/سبتمبر، وسط ملفات إقليمية ودولية ثقيلة تتصدرها الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران، والحرب في أوكرانيا، والقضية الفلسطينية والتطورات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ولا يعني حجب التأشيرات غياب التمثيل الفلسطيني كليًا عن الأمم المتحدة، إذ يواصل أعضاء بعثة دولة فلسطين المعتمدون والموجودون أصلًا في نيويورك عملهم، بينما يبقى حضور الرئيس عباس وكبار المسؤولين القادمين من الخارج رهينًا بالقيود الأميركية أو بترتيبات استثنائية جديدة من الجمعية العامة.
وبذلك تتحول قضية التأشيرات، للعام الثاني على التوالي، من إجراء أميركي بحق القيادة الفلسطينية إلى خلاف دبلوماسي داخل الأمم المتحدة حول حدود صلاحيات الدولة المضيفة من جهة، وحق الوفود المعتمدة في الوصول إلى مقر المنظمة والمشاركة في اجتماعاتها من جهة أخرى، فيما تطالب القيادة الفلسطينية واشنطن بالتراجع عن القرار واستئناف حوار سياسي مباشر معها.
