واشنطن تستعد لمنع الرئيس الفلسطيني من الحضور شخصياً إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة مجدداً، رغم تدخل تركي مباشر لدى ترامب؛ فيما يفتح القرار مواجهة جديدة حول استخدام سلطة الدولة المضيفة للتأثير في الحضور الفلسطيني على أهم منبر دبلوماسي دولي.
تتجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) من دخول الولايات المتحدة للمشاركة شخصياً في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك للعام الثاني على التوالي، وفق ما كشفته مصادر أميركية لصحيفة «يديعوت أحرونوت/واينت» الإسرائيلية.
وبحسب التقرير العبري، من المقرر أن يلقي الرئيس عباس كلمته أمام الجمعية العامة في 24 أيلول/سبتمبر 2026، لكن إدارة ترامب لا تعتزم، حتى الآن، السماح له بالدخول إلى الأراضي الأميركية، ما يهدد بتكرار سيناريو العام الماضي حين اضطر إلى مخاطبة الجمعية العامة عبر شاشة بدلاً من الوقوف على منبرها في نيويورك.
الرئيس عباس يستنجد بأردوغان.. وواشنطن تتمسك بالرفض
وكشفت المصادر الإسرائيلية أن الرئيس عباس لجأ شخصياً إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، طالباً منه التدخل لدى ترامب في محاولة لتغيير القرار الأميركي.
وجاء طلب الرئيس عباس خلال زيارته إلى أنقرة الأسبوع الماضي، قبل أن يجري أردوغان اتصالاً هاتفياً بترامب الثلاثاء. ورغم العلاقة التي يصف فيها ترامب الرئيس التركي مراراً بأنه «صديق جيد»، فإن التدخل التركي لم يغيّر الموقف الأميركي حتى الآن.
وأكد مسؤول أميركي لوسائل إعلام إسرائيلية، بعد اتصال ترامب وأردوغان، أن الإدارة لا تزال متمسكة بمنع الرئيس عباس من الوصول إلى نيويورك.
وبذلك، تبدو محاولة رام الله استخدام قناة أنقرة مع البيت الأبيض قد اصطدمت بجدار سياسي أميركي لا يتعلق بإجراءات تأشيرة عادية بقدر ما يعكس استمرار القطيعة السياسية بين إدارة ترامب والقيادة الفلسطينية.
«الأمن القومي» في مواجهة منبر الأمم المتحدة
وفي ردها على «يديعوت أحرونوت»، لجأت وزارة الخارجية الأميركية إلى خطاب أمني، مؤكدة أن إدارة ترامب تطبق ما تصفه بأعلى معايير الأمن القومي والسلامة العامة عند التعامل مع طلبات التأشيرات. ولم تعلن الوزارة عن مؤشرات تفيد بأنها تستعد للتراجع عن القرار.
وفي المقابل، نقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن مسؤول في الأمم المتحدة قوله إن المنظمة تأمل أن تحترم الولايات المتحدة التزاماتها بوصفها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، وأن تتيح دخول رؤساء الوفود الراغبين في مخاطبة الجمعية العامة.
وقالت الخارجية الأميركية في رد منفصل إنها تأخذ التزاماتها بموجب اتفاق مقر الأمم المتحدة على محمل الجد، لكنها أشارت أيضاً إلى الصلاحيات الأميركية في فرض قيود على سفر أعضاء البعثات الأجنبية داخل الولايات المتحدة.
وهنا تتجاوز القضية حدود الرئيس عباس نفسه: هل تستطيع الدولة التي تستضيف مقر الأمم المتحدة استخدام بوابة التأشيرات لمنع قائد سياسي من الوصول شخصياً إلى منصة المنظمة الدولية؟
العام الثاني.. القرار يتحول من استثناء إلى سياسة
الخطوة ليست جديدة. ففي عام 2025 رفضت واشنطن منح الرئيس عباس تأشيرة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، وبررت موقفها آنذاك باتهام السلطة الفلسطينية باتخاذ خطوات قالت إنها تقوض فرص السلام.
ولم يقتصر القرار في حينه على الرئيس عباس، بل شمل عشرات المسؤولين الفلسطينيين، بينما أبقت الولايات المتحدة على قدرة أعضاء البعثة الفلسطينية الدائمة لدى الأمم المتحدة على العمل في نيويورك.
واضطرت الجمعية العامة لاحقاً إلى اعتماد ترتيب خاص يسمح للرئيس عباس بإلقاء خطابه عبر الفيديو. وإذا نفذت إدارة ترامب قرارها الجديد، فستكون هناك حاجة على الأرجح إلى إجراء مماثل هذا العام.
لكن الفارق السياسي هذه المرة أن واشنطن تعيد الإجراء من دون وجود المؤتمر الدولي حول حل الدولتين الذي استخدمته الإدارة العام الماضي ضمن مبررات موقفها، وهو ما يجعل منع الرئيس عباس للعام الثاني يبدو أقرب إلى سياسة أميركية مستقرة تجاهه منه إلى قرار مرتبط بظرف دبلوماسي عابر.
شريك حين تحتاجه واشنطن.. وممنوع من نيويورك حين يتحدث باسم فلسطين
وتبرز في الخلفية مفارقة سياسية لافتة أشار إليها التقرير الإسرائيلي: فعلى الرغم من العلاقة الباردة مع السلطة الفلسطينية، استعانت إدارة ترامب بها بعد أشهر فقط من منع الرئيس عباس العام الماضي في سياق تحركات داخل مجلس الأمن مرتبطة بترتيبات ما بعد الحرب في غزة.
وبهذا المعنى، ترسم السياسة الأميركية معادلة شديدة التناقض: يمكن استدعاء السلطة الفلسطينية عندما تحتاجها واشنطن في ترتيبات إقليمية، لكن رئيسها يظل غير مرحب به شخصياً على الأراضي الأميركية عندما يحين موعد مخاطبة العالم من نيويورك.
أما الرئيس عباس، فيجد نفسه للعام الثاني أمام مشهد يعكس حجم التراجع في هامش المناورة الفلسطينية: باب البيت الأبيض مغلق، وبوابة نيويورك مهددة بالإغلاق، وحتى الاستعانة بأردوغان وعلاقته بترامب لم تنجح حتى الآن في كسر «فيتو التأشيرة».
وإذا لم يتغير القرار قبل 24 أيلول/سبتمبر، فلن يكون السؤال فقط عما سيقوله الرئيس عباس في الجمعية العامة، بل عن الصورة السياسية التي ستسبق خطابه: رئيس فلسطيني يخاطب الأمم المتحدة من خلف شاشة، لأن الدولة المضيفة قررت مرة أخرى ألا يصل إلى منبرها شخصياً.
