قال مسؤولون إقليميون وغربيون لوكالة رويترز إن السعودية تستعد لشن هجوم عسكري ضد جماعة الحوثي في اليمن، في إطار تحرك يستهدف استعادة السيطرة على مناطق استراتيجية قرب مضيق باب المندب وتأمين حركة الملاحة في البحر الأحمر، وسط تصاعد المواجهات في اليمن واتساع تداعياتها الإقليمية.
ونقلت الوكالة، الجمعة 02 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن ستة مصادر مطلعة على التحضيرات قولها إن العملية المتوقعة خلال الأسابيع المقبلة ستعتمد أساسًا على قوات يمنية تشرف عليها الرياض لقيادة الهجوم البري، على أن توفر السعودية دعمًا جويًا.
وبحسب المصادر، تبحث الرياض خيارين رئيسيين؛ الأول تنفيذ عملية محدودة تتركز في محيط مضيق باب المندب والمناطق الساحلية المطلة عليه، فيما يتضمن الخيار الثاني هجومًا أوسع على عدة جبهات بالتزامن، تشمل محافظات البيضاء ومأرب وتعز والجوف.
وأضاف المسؤولون أن أكثر من 100 ألف جندي يمني يمكن تعبئتهم للمشاركة في العملية، بحسب نطاقها وحجمها، فيما لم تعلن السعودية رسميًا حتى الآن بدء هجوم بهذا الحجم أو موعده.
ولم ترد الحكومتان السعودية واليمنية ولا الحوثيون والجيش الأمريكي على طلبات رويترز للتعليق بشأن تفاصيل الخطط التي تحدثت عنها المصادر.
استعادة باب المندب
وقالت المصادر إن أحد الأهداف الرئيسية للتحرك السعودي المحتمل هو وقف المكاسب التي حققها الحوثيون خلال الأسابيع الماضية على الساحل اليمني، بعد تقدمهم باتجاه مناطق استراتيجية تمنحهم نفوذًا متزايدًا على مضيق باب المندب، الممر الجنوبي للبحر الأحمر وأحد أبرز شرايين التجارة البحرية العالمية.
وكانت رويترز قد أفادت في سبتمبر/أيلول بأن الحوثيين تقدموا على امتداد الساحل المطل على البحر الأحمر وسيطروا على مدينة المخا ووصلوا إلى جزر حنيش الاستراتيجية، ما عزز قدرتهم على التأثير في حركة الملاحة عبر المضيق.
وترى الرياض، وفق دبلوماسيين غربيين ومسؤول خليجي تحدثوا إلى رويترز، أن استمرار سيطرة الحوثيين على باب المندب يجعل العودة إلى مفاوضات سلام شاملة أكثر تعقيدًا، في ظل ما يوفره التحكم بهذا الممر البحري من نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي.
وتكتسب منطقة باب المندب أهمية متزايدة في ظل الاضطرابات التي أصابت طرق إمدادات الطاقة والتجارة الإقليمية، إذ يربط المضيق البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي ويشكل حلقة رئيسية في الطريق التجاري بين آسيا وأوروبا.
دعم أمريكي دون مشاركة قتالية مباشرة
ونقلت رويترز عن دبلوماسي غربي قوله إن الولايات المتحدة تقدم للسعودية مستشارين عسكريين ومعلومات استخبارية، بما يشمل معلومات تتعلق بالأهداف، لدعم العمليات الجوية السعودية في اليمن.
لكن المصادر لا تتوقع مشاركة الحلفاء بصورة مباشرة في الهجوم البري، فيما يتركز جزء كبير من الدعم المقدم للسعودية على تعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وكانت رويترز قد ذكرت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يستجب لطلبات سعودية بتقديم دعم عسكري أمريكي مباشر، من بينها تنفيذ غارات جوية.
تركيا وباكستان وفرنسا
ووفق مسؤولين باكستانيين وإقليميين تحدثوا إلى رويترز، قدمت تركيا وباكستان معدات عسكرية تستخدمها السعودية في إطار المواجهة في اليمن.
وقال مسؤول حكومي باكستاني إن إسلام آباد أرسلت أربع طائرات شحن تحمل معدات تشمل أنظمة دفاع جوي ومدفعية خفيفة وطائرات مسيّرة وأنظمة مضادة للمسيّرات إلى عدن، مقر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
كما أفادت مصادر بوجود مستشارين عسكريين باكستانيين إلى جانب نظرائهم السعوديين لدعم القوات اليمنية، فيما جرى نشر طائرات مسيّرة تركية كانت السعودية قد اشترتها في وقت سابق.
وأضافت المصادر أن أحد أبرز هواجس الرياض يتمثل في حماية منشآتها النفطية والبنية التحتية داخل المملكة من أي هجمات حوثية بالصواريخ أو المسيّرات رداً على العملية المحتملة.
وفي السياق ذاته، أعلنت فرنسا اعتزامها إرسال أنظمة دفاعية وقوات إلى السعودية للمساعدة في حماية مدينة ينبع الساحلية المطلة على البحر الأحمر.
تحدي توحيد القوات اليمنية
وتواجه أي عملية برية واسعة تحديًا يتعلق بتعدد وتباين الفصائل اليمنية المناهضة للحوثيين، والتي تلقت خلال مراحل الحرب السابقة دعمًا وتسليحًا وتدريبًا من السعودية والإمارات.
وقال المحلل المتخصص في الشأن اليمني محمد الباشا لرويترز إن عددًا من القوات المناهضة للحوثيين لا يزال يفتقر إلى مستوى التنظيم والجاهزية المطلوب لتنفيذ هجوم طويل الأمد في مواجهة قوة حوثية أكثر انضباطًا.
في المقابل، قال المحلل السياسي السعودي علي الشهابي إن نجاح أي هجوم سيعتمد إلى حد كبير على أداء القوات اليمنية على الأرض، مشيرًا إلى أن الأولوية الحالية تتركز على تثبيت خطوط الجبهة قبل الانتقال إلى العمليات الهجومية.
تصعيد ميداني ومسار سياسي موازٍ
ويأتي الحديث عن التحضيرات السعودية في وقت يشهد فيه اليمن تصعيدًا ميدانيًا متسارعًا.
وأعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، الجمعة، أن قواتها الجوية نفذت 20 غارة خلال ثلاث ساعات على أهداف للحوثيين في محافظة تعز، استهدفت، وفق متحدث باسمها، عناصر وتحركات ومركبات ومعدات عسكرية.
وتكتسب تعز أهمية استراتيجية في الصراع، مع احتدام القتال على محاور ترتبط بالساحل الغربي والطرق المؤدية إلى جنوب اليمن.
وبالتوازي مع المسار العسكري، نقلت رويترز عن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار قوله إن السعودية وتركيا وباكستان ستعقد اجتماعًا طارئًا في الرياض الأسبوع المقبل لبحث مقترح للتواصل السياسي مع الحوثيين في ظل التصعيد الأخير.
وتشير هذه التحركات إلى استمرار بحث مسارين متوازيين: تعزيز الاستعدادات العسكرية لمواجهة التقدم الحوثي، وفي الوقت نفسه إبقاء باب التحرك السياسي مفتوحًا، فيما لم يتضح بعد ما إذا كانت الرياض ستتخذ قرارًا نهائيًا بإطلاق الهجوم الواسع الذي تحدثت عنه المصادر.
