أدانت ثلاث مؤسسات حقوقية فلسطينية العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على المحكمة الجنائية الدولية، معتبرة أنها تمثل تصعيدًا غير مسبوق يستهدف استقلال القضاء الدولي وتقويض آليات المساءلة عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، ومحاولة لحماية إسرائيل من الملاحقة القانونية، وسط مطالبات للاتحاد الأوروبي بالتحرك لوقف العقوبات الأميركية وفرض إجراءات اقتصادية ودبلوماسية على إسرائيل.
وقالت مؤسسة الحق ومركز الميزان لحقوق الإنسان والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في بيان مشترك، إن العقوبات التي أعلنتها واشنطن الجمعة، 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، لا تستهدف عرقلة تحقيقات محددة فحسب، بل تمتد إلى محاولة تعطيل عمل المحكمة الجنائية الدولية وترهيب القضاة والعاملين فيها والمؤسسات الحقوقية المتعاونة معها.
واعتبرت المؤسسات أن القرار يشكل اعتداءً مباشرًا على سيادة القانون ونظام العدالة الدولية، ويتجاوز الخلاف بشأن اختصاص المحكمة إلى استخدام العقوبات الاقتصادية والسياسية لمنع محاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية، ولا سيما تلك المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
من استهداف القضاة إلى فرض عقوبات على المحكمة
وأوضحت المؤسسات أن العقوبات الجديدة تأتي امتدادًا لسلسلة إجراءات اتخذتها إدارة ترامب منذ إصدار الأمر التنفيذي رقم 14203 في السادس من شباط/فبراير 2025، الذي أتاح فرض قيود مالية وعقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية.
وذكرت أن واشنطن فرضت بموجب هذا المسار عقوبات على عدد من قضاة المحكمة ومسؤوليها، قبل أن توسع إجراءاتها لتشمل المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، في التاسع من تموز/يوليو 2025.
وأضافت أن العقوبات الأميركية طالت، في الرابع من أيلول/سبتمبر من العام نفسه، المؤسسات الحقوقية الفلسطينية الثلاث، على خلفية تعاونها مع المحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات المتعلقة بالجرائم المرتكبة في فلسطين.
ورأت أن الانتقال إلى فرض عقوبات على المحكمة بصفتها مؤسسة يمثل تصعيدًا خطيرًا، لأنه يستهدف قدرتها على إدارة عملياتها المالية والتقنية ومواصلة التحقيقات والملاحقات القضائية.
اتهامات لواشنطن بترسيخ الإفلات من العقاب
واتهمت المؤسسات الثلاث الإدارة الأميركية باتباع سياسة طويلة الأمد تهدف إلى حماية إسرائيل من المساءلة الدولية، معتبرة أن العقوبات الجديدة تندرج ضمن منظومة سياسية وقانونية تكافئ إسرائيل وتحاول معاقبة الجهات التي تسعى إلى مساءلتها باستخدام الآليات القضائية الدولية.
وحذرت من أن استهداف المحكمة والقضاة والمؤسسات الحقوقية يهدد حق الضحايا في الوصول إلى العدالة، ويؤسس لسابقة خطيرة تسمح للدول باستخدام نفوذها الاقتصادي والسياسي للضغط على المؤسسات القضائية المستقلة.
وأكدت أن استمرار هذه الإجراءات قد يتجاوز تداعياته القضية الفلسطينية، ليؤثر في مستقبل منظومة العدالة الجنائية الدولية وقدرتها على التحقيق في الجرائم الجسيمة دون التعرض للترهيب أو التدخل السياسي.
مطالبة أوروبا بحماية المحكمة وحظر السلاح على إسرائيل
وطالبت المؤسسات الثلاث الاتحاد الأوروبي والدول الأطراف في نظام روما الأساسي باتخاذ تدابير عاجلة لحماية المحكمة، وفي مقدمتها الضغط لإلغاء الأمر التنفيذي الأميركي رقم 14203، وتفعيل وتعديل «قانون الحجب الأوروبي» للحد من آثار العقوبات الأميركية على المحكمة والعاملين فيها والمؤسسات الحقوقية المتعاونة معها.
كما دعت إلى فرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية على إسرائيل، وحظر صادرات وواردات الأسلحة معها، وتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، باعتبارها إجراءات ضرورية، وفق موقف المؤسسات، للضغط من أجل وقف الجرائم الدولية وضمان المساءلة عنها.
وحثت المؤسسات الجهات المصرفية والمالية على تطوير آليات تضمن استمرار المعاملات والخدمات الأساسية للمحكمة وموظفيها، إلى جانب حماية خبراء الأمم المتحدة والمدافعين عن حقوق الإنسان من التداعيات الحالية والمستقبلية للعقوبات.
واشنطن تدرج المحكمة رسميًا على قائمة العقوبات
وفي أحدث التطورات، أكدت وزارة الخزانة الأميركية إدراج المحكمة الجنائية الدولية، ومقرها لاهاي، على قائمة الأشخاص والكيانات الخاضعة للعقوبات في 9 أكتوبر 2026، بموجب الأمر التنفيذي رقم 14203.
وأصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي بالتزامن أربعة تراخيص عامة تسمح ببعض المعاملات المتعلقة بالمحكمة، بينها خدمات الاتصالات والبرمجيات ومدفوعات التقاعد وبعض الأنشطة المتصلة بالمحتجزين لديها. ولا تلغي هذه الاستثناءات إدراج المحكمة نفسها على قائمة العقوبات.
واعتبرت المؤسسات الفلسطينية أن استمرار الإجراءات الأميركية دون رد دولي فعال يهدد استقلال القضاء الجنائي الدولي ويقوض قدرة الضحايا على المطالبة بحقوقهم، مطالبة الدول الأطراف بالانتقال من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية تحمي المحكمة وتضمن استمرار تحقيقاتها.
