ثلاث عقد سياسية تعرقل التفاهم

حوار القاهرة يصطدم بشروط الرئيس عباس.. وخلافات «فتح» و«حماس» تؤجل المصالحة

وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية).jpeg
وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)

كشفت مصادر فلسطينية مطلعة عن استمرار الخلافات السياسية بين حركتي «فتح» و«حماس» خلال اللقاءات التي استضافتها العاصمة المصرية القاهرة، وسط تباينات بشأن البرنامج السياسي الفلسطيني، ومستقبل منظمة التحرير، وأشكال المقاومة، رغم اتفاق الطرفين على استئناف المشاورات عقب انتخابات الكنيست الإسرائيلي.

ونقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن مصادر في «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى أن اللقاءات التي جمعت وفداً قيادياً من «فتح»، برئاسة جبريل الرجوب وعضوية محمد اشتية، مع وفد من «حماس» ضم زاهر جبارين وغازي حمد وحسام بدران، لم تفضِ إلى تفاهمات نهائية بشأن القضايا الخلافية، لكنها أبقت قنوات الحوار مفتوحة أمام جولة جديدة من المشاورات.

وبحسب المصادر، عُقد لقاءان بين الحركتين، حضر أولهما مسؤول الملف الفلسطيني في المخابرات المصرية اللواء أحمد عبد الخالق، فيما تباينت التقييمات بشأن نتائجه؛ إذ وصفه مصدر من «حماس» بالإيجابي، في حين اعتبرت مصادر من «فتح» وفصائل أخرى أن مخرجاته لم تحقق تقدماً ملموساً، رغم الأجواء التي اتسمت بالاستماع المتبادل وطرح الملفات العالقة.

وتركزت مناقشات اللقاء الأول على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، ومستقبل المشروع الوطني، إلى جانب ملفات المحكمة العليا والوظائف الحكومية ومصير الموظفين في قطاع غزة وجوازات السفر، فضلاً عن اعتراضات «حماس» على ممارسات الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية بحق عناصرها في الضفة الغربية.

أما اللقاء الثاني، الذي وصفته المصادر بأنه الأكثر جدية، فشهد عرض وفد «فتح» ورقة سياسية للرئيس محمود عباس، تضمنت اشتراطات تتعلق بإنهاء تداعيات الانقسام في غزة، والالتزام بوحدة النظام والقانون والسلاح الشرعي، والاعتراف بمنظمة التحرير وبرنامجها باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

كما تضمنت الورقة، وفق ما سبق أن نشرته «الشرق الأوسط»، الالتزام بالمقاومة الشعبية السلمية، وتبني الحل السياسي القائم على الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية، وتشكيل حكومة تكنوقراط بقرار من الرئيس عباس تتولى مسؤولياتها في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، مع حصر صلاحية المفاوضات السياسية بمنظمة التحرير.

ثلاث عقد سياسية تعرقل التفاهم

وكشفت مصادر من «حماس» وفصائل فلسطينية أن الحركة أبدت تحفظات على ثلاثة بنود رئيسية في ورقة الرئيس عباس، يتقدمها الفصل بين الاعتراف بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي من جهة، والالتزام بتعهداتها تجاه إسرائيل من جهة أخرى، ولا سيما ما يتعلق بالاعتراف بإسرائيل والتنسيق الأمني.

وتمحور الخلاف الثاني حول صيغة التسوية السياسية، إذ أبدت «حماس» استعدادها للقبول بدولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967، دون تبني صيغة حل الدولتين التي ترى الحركة أنها تنطوي على اعتراف بإسرائيل.

أما النقطة الثالثة فتعلقت بمفهوم المقاومة، حيث رفض وفد «حماس» حصرها بالمقاومة الشعبية السلمية، مطالباً بصياغة بديلة لا تستبعد أشكال المقاومة الأخرى.

وبحسب المصادر، أبلغ وفد «فتح» نظراءه في «حماس» أنه سينقل هذه التحفظات إلى الأطر القيادية للحركة والرئيس عباس لمناقشتها، في ظل تمسك الرئاسة الفلسطينية، وفق تقديرات المصادر، بالموافقة على مجمل البنود الواردة في الورقة.

اتصالات فصائلية ومطالب بإنهاء الخلافات الداخلية

وامتدت مشاورات القاهرة إلى لقاءات مع حركتي «الجهاد الإسلامي» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، إلى جانب «التيار الإصلاحي الديمقراطي» الذي يتزعمه محمد دحلان، في مسعى لمناقشة القضايا المطروحة وتوسيع دائرة التفاهمات الفلسطينية.

ووفق مصادر من «فتح» و«الجهاد الإسلامي»، اتسم اللقاء بين الحركتين بأجواء إيجابية، مع تأكيد «الجهاد» التزامها بما يتم التوافق عليه وطنياً، وتحفظها على الصيغة التي تحصر المقاومة في الوسائل الشعبية السلمية.

وفي مسار موازٍ، تناول اللقاء بين وفد «فتح» وممثلي تيار دحلان ملف المصالحة الداخلية للحركة، حيث طالب التيار بإعادة المفصولين إلى صفوف «فتح»، واستئناف صرف الرواتب المقطوعة، وإعادة دمج كوادره في الهيئات التنظيمية، بما فيها اللجنة المركزية والمجلس الثوري.

وبحسب المصادر، تعهد الرجوب بنقل هذه المطالب إلى الرئيس عباس دون الإعلان عن تفاهمات نهائية بشأنها.

مصر تشترط التوافق المسبق قبل الحوار الشامل

وفيما يتعلق بالدور المصري، نقلت «الشرق الأوسط» عن أربعة مصادر فلسطينية أن المسؤولين المصريين أبلغوا ممثلي الفصائل بأن الدعوة إلى حوار وطني فلسطيني شامل تقع على عاتق الرئيس محمود عباس، مؤكدين استعداد القاهرة لاستضافة الحوار حال اتخاذ القرار بشأنه.

وشدد الجانب المصري، وفق المصادر، على ضرورة إنجاز تفاهمات سياسية وتنظيمية مسبقة عبر اللقاءات الثنائية، لتجنب تكرار إخفاق جولات المصالحة السابقة، وضمان انتقال الحوار الشامل إلى مرحلة الاتفاقات العملية بدلاً من إعادة طرح الخلافات ذاتها.

وتعكس هذه المقاربة حرص القاهرة، بحسب ما نقلته المصادر عن المسؤولين المصريين، على تهيئة أرضية توافقية تسبق أي اجتماع وطني موسع، في ظل الاهتمام الإقليمي والدولي بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني ومسارات التسوية المحتملة.

وبينما اتفقت الأطراف على استكمال المشاورات بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، بقيت القضايا المتعلقة بالاعتراف بإسرائيل والالتزامات السياسية لمنظمة التحرير وحصرية السلاح وأشكال المقاومة في صدارة الملفات الخلافية.

وتشير حصيلة اللقاءات، وفق روايات المصادر التي أوردتها «الشرق الأوسط»، إلى أن مسار المصالحة لا يزال مرهوناً بقدرة «فتح» و«حماس» على بلورة صيغة سياسية مشتركة، تجمع بين إعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية ومعالجة الخلاف حول البرنامج الوطني، تمهيداً لحوار شامل برعاية مصرية.