أزمة الرواتب والجباية تضاعف الضغوط المعيشية

تقرير غزة على حافة مجاعة جديدة.. المخابز تتوقف والمطاعم تغلق أبوابها وآلاف الأسر تواجه أزمة معيشية خانقة

تجويع سكان غزة.
تجويع سكان غزة.

تتسارع مؤشرات أزمة غذائية ومعيشية جديدة في قطاع غزة، مع توقف غالبية المخابز عن العمل، وإغلاق عشرات المطاعم أبوابها جراء نفاد اللحوم والمواد الغذائية، وسط تحذيرات من اتساع نطاق الجوع وسوء التغذية، وتفاقم معاناة مئات الآلاف من الأسر النازحة والفقيرة، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال الإمدادات الأساسية إلى القطاع.

وتتجاوز تداعيات الأزمة النقص المتزايد في الغذاء لتطال مصادر رزق مئات العمال الذين فقدوا وظائفهم بعد توقف المطاعم والمرافق الغذائية عن العمل، بينما تواجه آلاف العائلات صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها اليومية من الخبز والغذاء والمياه والدواء، وسط تراجع فرص العمل وغياب البدائل الاقتصادية.

وحذرت وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة من كارثة إنسانية وشيكة جراء توقف غالبية المخابز قسرًا، نتيجة منع قوات الاحتلال الإسرائيلي إدخال شحنات الطحين والمواد الأساسية اللازمة لتشغيلها، مؤكدة أن استمرار هذه الإجراءات يهدد الأمن الغذائي لمئات الآلاف من العائلات النازحة والمنكوبة.

وقالت الوزارة، في بيان صحفي، إن احتجاز شحنات الطحين ومنع دخول المستلزمات التشغيلية للمخابز يهددان بانهيار إحدى أهم وسائل توفير الغذاء للأسر الفقيرة، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى الذين يعتمدون بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية.

واعتبرت أن استمرار منع دخول المواد الغذائية يمثل امتدادًا لما وصفته بسياسة التجويع الممنهجة واستخدام الغذاء سلاحًا ضد السكان، محذرة من اتساع رقعة المجاعة وارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد، خصوصًا بين الفئات الأكثر هشاشة.

وطالبت الوزارة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بالتدخل العاجل للضغط على الاحتلال من أجل فتح المعابر وضمان تدفق شحنات الطحين والمواد الغذائية دون قيود، إلى جانب توفير الحماية للمنظومة الإغاثية وتمكين المؤسسات الدولية من إيصال المساعدات إلى جميع مناطق القطاع.

المطاعم تغلق أبوابها والعمال يفقدون مصادر رزقهم

بالتزامن مع أزمة المخابز، امتدت تداعيات القيود المفروضة على دخول السلع إلى قطاع المطاعم والخدمات الغذائية، بعدما أجبر نفاد اللحوم من الأسواق عشرات المطاعم على إغلاق أبوابها وتسريح مئات العاملين، فيما تواجه منشآت أخرى المصير ذاته مع اقتراب مخزونها من النفاد.

وبحسب مصادر ميدانية، فإن الاحتلال أوقف قبل نحو أسبوعين إدخال السلع المخصصة للقطاع التجاري، قبل السماح لاحقًا بدخول كميات محدودة من مواد غير أساسية، مع استمرار منع إدخال أصناف غذائية رئيسية، خصوصًا اللحوم والخضراوات والفواكه.

وأدى هذا الوضع إلى تراجع سريع في المعروض الغذائي، في ظل صعوبة تخزين اللحوم والخضراوات لفترات طويلة بسبب نقص مرافق التبريد والتخزين، وما تعرضت له البنية التحتية التجارية والخدمية من أضرار واسعة خلال الحرب.

ولم تسمح سلطات الاحتلال حتى الآن للتجار الثمانية الحاصلين على تراخيص استيراد بإدخال المواد الغذائية المطلوبة، رغم التحذيرات المتزايدة من التداعيات الإنسانية لاستمرار إغلاق المعابر وتقييد الإمدادات.

ولم تقتصر الأزمة على أصحاب المنشآت التجارية، بل امتدت إلى العمال والموظفين والعاملين في خدمات التوصيل والتوريد، الذين وجدوا أنفسهم مجددًا بلا دخل في اقتصاد يعاني أصلًا من شلل واسع وتراجع حاد في فرص التشغيل.

من العمل إلى البطالة.. معاناة تتجدد

بالنسبة إلى الشاب محمود منير، لم يكن إغلاق المطعم الذي يعمل فيه مجرد توقف مؤقت عن العمل، بل بداية أزمة معيشية جديدة لعائلته التي تعتمد على راتبه لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وقال منير إن صاحب المطعم اضطر إلى إغلاقه بعد نفاد اللحوم المستخدمة في إعداد الشاورما، ما أفقده مصدر دخله الوحيد.

وأوضح أن راتبه كان بالكاد يغطي احتياجات أسرته، وأن عودته إلى البطالة ستضاعف الأعباء المعيشية، خصوصًا في ظل غياب فرص العمل البديلة، معربًا عن خشيته من استمرار القيود المفروضة على إدخال المواد الغذائية لفترة أطول.

ولا تختلف معاناة الشاب رأفت العلي كثيرًا، إذ لم يمضِ سوى شهرين على التحاقه بالعمل في أحد مطاعم الشاورما بمدينة غزة، قبل أن يبلغه صاحب المطعم بقرار الاستغناء عنه مؤقتًا بسبب نفاد اللحوم اللازمة لاستمرار النشاط.

وقال العلي إنه حصل على الوظيفة بعد شهور طويلة من البحث عن فرصة عمل، قبل أن يفقدها مجددًا نتيجة الأزمة، مشيرًا إلى أن العمال الشباب يشكلون إحدى أكثر الفئات تضررًا من توقف المطاعم ومحال الشواء والمرافق المرتبطة بها.

وتكتسب خسارة هذه الوظائف خطورة إضافية في ظل محدودية القطاعات الاقتصادية القادرة على استيعاب العمال، بعد تعطل قطاعات البناء والبنية التحتية والإنتاج بفعل الدمار والقيود المفروضة على إدخال المواد الأولية.

الأسواق تفقد مخزونها والطلب يتجاوز المعروض

ومع استمرار نقص الإمدادات، تواجه الأسواق المحلية صعوبات متزايدة في توفير اللحوم والمنتجات الغذائية، وسط ارتفاع الطلب على الكميات المحدودة المتبقية لدى التجار.

وقال رائد الدان، صاحب أحد المطاعم في غزة، إنه لم يتمكن من العثور على اللحوم اللازمة لإعداد الشاورما بعدما نفدت من الشركات والمحال التجارية الكبرى.

وأضاف، أن الكميات المتبقية من اللحوم الحمراء محدودة للغاية، وقد لا تكفي احتياجات السوق لأكثر من يوم أو يومين، محذرًا من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى إغلاق مزيد من المطاعم وفقدان المزيد من فرص العمل.

وشدد على أن الأضرار لا تقتصر على أصحاب المطاعم، وإنما تشمل سلسلة واسعة من العاملين في قطاعات التوريد والتجهيز والتوصيل والخدمات المرتبطة بالنشاط الغذائي.

وفي انعكاس لحالة القلق السائدة، شهدت محال بيع اللحوم المجمدة إقبالًا كثيفًا من الفلسطينيين الساعين إلى شراء ما تبقى من المعروض، قبل أن تنفد كميات كبيرة منه خلال وقت قصير.

ويعكس هذا المشهد هشاشة الوضع الغذائي في القطاع، حيث بات توفر بعض السلع مرتبطًا بالكميات المحدودة الموجودة في الأسواق، بدلًا من انتظام عمليات الاستيراد والتوريد، ما يترك الأسر أمام حالة مستمرة من عدم اليقين بشأن قدرتها على تأمين احتياجاتها.

أزمة الرواتب والجباية تضاعف الضغوط المعيشية

ولا تنفصل أزمة الغذاء والبطالة عن الاختلالات الاقتصادية والإدارية الداخلية التي تزيد من تعقيد الظروف المعيشية للفلسطينيين في قطاع غزة، وفق انتقادات وجهها الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم إلى سياسات حركة حماس في إدارة الموارد والرواتب والجباية.
 


وقال إبراهيم، في منشور عبر صفحته على موقع "إكس"، إن حركة حماس تواصل، بحسب رأيه، إعادة إنتاج الأزمات من خلال سياسات وصفها بالخاطئة، في وقت تستغل فيه سلطات الاحتلال هذه الأوضاع لتعميق الأزمة وتشديد الحصار، وتحميل الحركة مسؤولية ما يجري في القطاع، بما في ذلك بوادر المجاعة، والتنصل من مسؤولياتها تجاه السكان.

وانتقد إبراهيم ما وصفه باستمرار فرض أعباء مالية على التجار، مشيرًا إلى محاولات إلزام بعضهم بدفع مبالغ تصل إلى عشرة آلاف شيكل، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وتراجع النشاط التجاري.

كما أثار قضية رواتب موظفي حكومة حماس في غزة، موضحًا أن الموظفين يتلقون مستحقاتهم، وفق ما أورده، مرة كل نحو مئة يوم، وبسقف يبلغ 800 شيكل، فيما طُرحت خطة لصرف مبالغ شهرية متفاوتة بحسب الفئات الوظيفية.

وبحسب إبراهيم، تنص الخطة على صرف 700 شيكل لكبار الموظفين مقابل 300 شيكل لصغار الموظفين، معتبرًا أن هذا التفاوت يكرس التمييز بين العاملين في ظل ظروف معيشية قاسية تطال الجميع.

وتساءل عن قدرة هذه المبالغ المحدودة على تغطية احتياجات الأسر من الغذاء والمياه والدواء والإيجارات والرسوم المدرسية، مشيرًا إلى أن مبلغ 700 شيكل لا يكفي حتى لتغطية رسوم مدرسة لطفلين في المرحلة الابتدائية.

واعتبر أن استمرار هذه السياسات لا يوفر حلولًا حقيقية لأزمة الرواتب، بل يعمق الشعور بالظلم وغياب العدالة، داعيًا إلى مزيد من الشفافية في إدارة الموارد وتوزيع الأموال، وإعطاء الأولوية للاحتياجات الأساسية للسكان.

وتسلط هذه الانتقادات الضوء على جانب آخر من الأزمة المعيشية في غزة، حيث تتداخل القيود الإسرائيلية على حركة السلع مع تراجع الدخل وتوقف الأنشطة الاقتصادية والخلافات بشأن إدارة الموارد المحدودة.

حماس تحذر من تجدد التجويع في غزة
 

من جهتها حذرت حركة حماس اليوم، السبت، من تداعيات استمرار القيود المفروضة على دخول المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، معتبرة أن ذلك يهدد بتجدد أزمة التجويع التي عانى منها السكان خلال الحرب.

وقال الناطق باسم الحركة، حازم قاسم، إن المساعي الرامية إلى إعادة فرض الحصار والتجويع على سكان القطاع تنذر بتكرار الجريمة الجسيمة بحق المدنيين، داعيا المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع ذلك، وضمان وصول الإمدادات الإنسانية دون عوائق.

وانتقد قاسم ما اعتبره غيابا للمحاسبة على جرائم التجويع السابقة، قائلا إن عدم اتخاذ خطوات لمساءلة المسؤولين عنها شجع على استمرار الانتهاكات، وعزز الشعور بالإفلات من العقاب.

كذلك أثار تساؤلات بشأن دور "مجلس السلام"، والمؤسسات التابعة له في ضمان توفير الغذاء والمساعدات الإنسانية لسكان القطاع، ومنع استخدام الاحتياجات الأساسية وسيلة للضغط على المدنيين.

ودعا الناطق باسم حماس الدول العربية والإسلامية، إلى جانب المؤسسات الرسمية والقوى الشعبية فيها إلى اتخاذ خطوات عملية للحيلولة دون تجدد الحصار والتجويع، والعمل على حماية المدنيين وضمان تدفق المساعدات إلى قطاع غزة.

تحذيرات من اتساع الجوع وانهيار ما تبقى من سبل العيش

وتثير التطورات الأخيرة مخاوف من انتقال أزمة نقص الإمدادات إلى مرحلة أشد خطورة، خصوصًا إذا استمر توقف المخابز وتقلصت قدرة المطاعم والأسواق على توفير الغذاء، بالتزامن مع فقدان مزيد من العمال مصادر دخلهم.

وتبدو الأسر النازحة والأشد فقرًا الأكثر تعرضًا لتداعيات هذه الأزمة، في ظل اعتماد الكثير منها على المساعدات الإنسانية والدخل اليومي المحدود، وعدم امتلاكها مدخرات أو مخزونًا غذائيًا يمكّنها من مواجهة انقطاع الإمدادات لفترات طويلة.

كما أن استمرار تراجع النشاط التجاري يهدد بتوسيع دائرة البطالة، ويحد من قدرة العائلات على شراء السلع حتى في حال توفرها، ما يجعل الأزمة مرتبطة ليس فقط بندرة الغذاء، وإنما أيضًا بتآكل القدرة الشرائية وانهيار مصادر الرزق.

وفي ظل هذه التطورات، جددت وزارة التنمية الاجتماعية مطالبتها بتحرك دولي عاجل لمنع تفاقم الكارثة الإنسانية، وضمان دخول الطحين والمواد الغذائية والمستلزمات التشغيلية، محذرة من أن استمرار الوضع الراهن ينذر باتساع دائرة الجوع وسوء التغذية.