مهرجان الجونة 2026.. السينما الفلسطينية تحصد الجوائز وغزة تتصدر المشهد

المواطن اسامة
المواطن اسامة

لم تكن غزة مجرد قضية حاضرة في أفلام مهرجان الجونة السينمائي 2026، بل تحولت إلى صوت سينمائي بارز على منصة التتويج، بعدما حققت الأفلام الفلسطينية سلسلة من الجوائز والتكريمات في ختام الدورة التاسعة، مؤكدة قدرة السينمائيين الفلسطينيين على نقل حكاياتهم إلى العالم رغم الحرب والدمار والظروف الاستثنائية التي تواجه صناعة الأفلام في قطاع غزة.

وتصدر الفيلم الوثائقي الفلسطيني «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة قائمة الإنجازات الفلسطينية، بفوزه بجائزتين بلغت قيمتهما الإجمالية 40 ألف دولار، فيما حصد الفيلم الروائي «البارح العين ما نامت» جائزتين أخريين، ونال «كنتاكي غزة» تنويهاً خاصاً، بينما ذهبت جائزة الجمهور «سينما من أجل الإنسانية» إلى فيلم «طبيب أميركي»، الذي يوثق جانباً من المأساة الإنسانية في القطاع.

وجاءت هذه التتويجات خلال الحفل الختامي للمهرجان، الذي أقيم مساء الجمعة 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد تسعة أيام من العروض السينمائية والفعاليات الفنية، شهدت مشاركة أعمال عربية ودولية تناولت قضايا إنسانية واجتماعية وسياسية متعددة.

«المواطن أسامة».. من قلب الحرب في غزة إلى ذهبية الجونة

كان الإنجاز الأبرز من نصيب فيلم «المواطن أسامة»، الذي انتزع نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم وثائقي طويل، وقيمتها 30 ألف دولار، إلى جانب جائزة أفضل فيلم وثائقي عربي البالغة 10 آلاف دولار، ليخرج من المهرجان بجائزتين في واحدة من أهم مسابقاته.

والفيلم من إخراج الفلسطيني أحمد حسونة، وإنتاج مشترك بين فلسطين وفرنسا، تولاه المخرج والمنتج الفلسطيني رشيد مشهراوي والمنتجة لاورا نيكولوف.

ويقدم العمل شهادة سينمائية من داخل قطاع غزة، من خلال تجربة المصور أسامة عشري، الذي يوثق واقع الحرب والدمار وما يواجهه الفلسطينيون من ظروف إنسانية قاسية، في معالجة تجمع بين التوثيق المباشر والحكاية الشخصية.

واعتبرت لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية أن الفيلم يتميز بشجاعته وعمقه الإنساني، وقدرته على تقديم صورة قريبة من حياة الفلسطينيين تحت الحرب، من خلال لغة سينمائية تتجاوز التسجيل التقليدي للأحداث إلى استكشاف التجربة الإنسانية لمن يعيشونها.

وتسلم الجائزتين رشيد مشهراوي، بصفته منتج الفيلم والمشرف الفني عليه، في مشهد حمل دلالة خاصة، إذ كان صناع العمل الأساسيون يتابعون لحظة التتويج من داخل قطاع غزة، غير قادرين على المشاركة المباشرة في الاحتفال.

ووجه مشهراوي التحية إلى المخرج أحمد حسونة، وبطل الفيلم أسامة عشري، والمصور يوسف مشهراوي، ومهندس الصوت حاتم سلمي، مشيداً بإصرارهم على مواصلة العمل السينمائي رغم الحرب.

رشيد مشهراوي: لسنا مجرد ضحايا.. نحن نصنع السينما

وفي كلمة عكست رؤية السينمائيين الفلسطينيين لدور الفن في زمن الحرب، شدد مشهراوي على أن حضور الأفلام الفلسطينية في المهرجانات الدولية لا يقتصر على عرض المعاناة، بل يعبر أيضاً عن قدرة الفلسطينيين على إنتاج أعمال سينمائية تمتلك هويتها الفنية ولغتها الخاصة.

وقال: «نحن سينمائيون نحب السينما، ولسنا مجرد ضحايا»، مؤكداً استمرار صناعة الأفلام في غزة رغم الصعوبات التي تواجه العاملين في القطاع السينمائي.

وأشار إلى أن مشاركته في مهرجان الجونة تأتي للعام الرابع على التوالي عبر مبادرة «نافذة على فلسطين»، التي تسعى إلى إبقاء الرواية الفلسطينية حاضرة في المشهد الثقافي والسينمائي العربي والدولي.

وأهدى مشهراوي جانباً من هذا التتويج إلى الصحافيين الذين فقدوا حياتهم، وإلى السينمائيين المحاصرين في غزة، والذين يواصلون إنتاج أعمالهم دون أن تتاح لكثير منهم فرصة السفر لمشاهدتها مع الجمهور في المهرجانات.

وأكد أن السينمائيين الفلسطينيين سيواصلون تطوير أدواتهم الفنية وصناعة الأفلام من داخل غزة، رغم الظروف التي فرضتها الحرب.

«البارح العين ما نامت».. تتويج فلسطيني جديد في السينما الروائية

ولم يقتصر الحضور الفلسطيني على الأفلام الوثائقية، إذ حقق فيلم «البارح العين ما نامت»، للمخرج الفلسطيني ركان مياسي، إنجازاً آخر بفوزه بجائزة نجمة الجونة لأفضل فيلم روائي عربي طويل، وقيمتها 20 ألف دولار.

وأضاف الفيلم إلى رصيده جائزة شبكة ترويج السينما الآسيوية «نيتباك» لأفضل فيلم آسيوي، التي تقاسمها مع الفيلم الهندي «دمية العجل»، في تأكيد على حضور العمل لدى لجنتين تحكيميتين مختلفتين.

ويمثل الفيلم التجربة الروائية الطويلة الأولى لمياسي، وهو إنتاج مشترك يجمع فلسطين ولبنان وبلجيكا وقطر والسعودية.

وتدور أحداثه في بيئة عشائرية بدوية بمنطقة سهل البقاع في لبنان، حيث يتناول تأثير الأعراف والتقاليد الاجتماعية في حياة النساء، ولا سيما ما يتعلق بالزواج القسري والصراعات العائلية والقيود المفروضة على خياراتهن.

واستلهم المخرج حكايته من تجربة واقعية عاشتها جدته، قبل أن يعيد صياغتها سينمائياً في عمل يتناول قضايا السلطة الاجتماعية والحرية الفردية ومكانة المرأة داخل المجتمع.

وأشادت لجنة التحكيم بمعالجة الفيلم الإنسانية والبصرية، وقدرته على تقديم شخصياته وصراعاتها دون أحكام مسبقة، بينما جاء إنجازه في ظل تحديات إنتاجية وأمنية تزامنت مع القصف الإسرائيلي قرب مواقع التصوير.

«كنتاكي غزة».. تنويه خاص لفيلم فلسطيني قصير

وفي مسابقة الأفلام القصيرة، حصل الفيلم الفلسطيني «كنتاكي غزة»، للمخرج عمر رمال، على تنويه خاص من لجنة التحكيم، بعدما نجح في تقديم معالجة سينمائية تمزج المأساة الإنسانية بالحس الساخر.

ورأت لجنة التحكيم أن الفيلم استطاع تحويل مأساة واقعية إلى حكاية تحمل قدراً من الرقة والفكاهة، دون أن تفقد عمقها الإنساني.

وخلال كلمته في المهرجان، تحدث رمال عن علاقته بالسينما المصرية وتأثيرها في وجدان الفلسطينيين، مشيراً إلى أن الأفلام المصرية ولهجتها كانتا جزءاً من ذاكرة أجيال فلسطينية نشأت على متابعتها.

وأوضح أن اختيار اسم «كنتاكي غزة» جاء انطلاقاً من رغبته في إبقاء اسم القطاع حاضراً، مؤكداً أن ما يحققه الفيلم من نجاحات يمثل وفاءً لأهالي غزة وذكرى الشهداء.

«طبيب أميركي».. غزة تفوز بجائزة سينما من أجل الإنسانية

وامتد حضور غزة إلى جائزة «سينما من أجل الإنسانية»، التي يمنحها جمهور مهرجان الجونة، وفاز بها الفيلم الوثائقي «طبيب أميركي» للمخرجة بوه سي تينج، في تتويج جديد لعمل سينمائي يتناول الأوضاع الإنسانية والطبية في قطاع غزة.

ويتناول الفيلم تجارب أطباء عملوا في القطاع خلال الحرب، وما واجهوه من ظروف استثنائية في التعامل مع الإصابات والاحتياجات الطبية المتزايدة، وسط الضغوط التي تعرض لها النظام الصحي.

وتسلمت الجائزة مؤلفة الموسيقى التصويرية للفيلم سارة غانيون، خلال الحفل الذي شهد عرض العمل للمرة الأولى في العالم العربي والشرق الأوسط.

وأكدت غانيون أن التكريم لا يخص صناع الفيلم وحدهم، بل يشمل أيضاً الأطباء الذين عملوا في غزة والفلسطينيين الذين وثّق العمل جانباً من معاناتهم.

وشددت على ضرورة استمرار تسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون، بما في ذلك استهداف الطواقم الطبية والصحافيين والأطفال، معتبرة أن السينما تستطيع المساهمة في إبقاء هذه القضايا حاضرة أمام الجمهور الدولي.

السينما الفلسطينية تتجاوز حدود الحرب

وتعكس نتائج الدورة التاسعة لمهرجان الجونة اتساع حضور السينما الفلسطينية عبر أشكال فنية متعددة، من الوثائقي الذي يسجل الحياة اليومية تحت الحرب، إلى الفيلم الروائي الذي يستكشف البنى الاجتماعية وقضايا المرأة، وصولاً إلى الأفلام القصيرة التي تستخدم السخرية والرمزية لمقاربة المأساة الإنسانية.

كما أبرزت الجوائز قدرة السينمائيين الفلسطينيين على مواصلة الإنتاج والتنافس في مهرجانات دولية، رغم التحديات المرتبطة بالحرب وصعوبة التنقل ونقص الإمكانات وتعقيدات العمل داخل غزة.

وفي الوقت الذي شهد فيه المهرجان تتويج الفيلم المصري «خروج آمن»، للمخرج محمد حماد، بنجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل، رسخت الأعمال الفلسطينية حضورها في قائمة الفائزين، سواء من خلال الجوائز الرسمية أو التكريمات الخاصة.

واختتم المهرجان دورته التاسعة، التي امتدت من 15 إلى 23 تشرين الأول/أكتوبر، بحصيلة فلسطينية لافتة، أعادت التأكيد على دور السينما بوصفها وسيلة للتوثيق والتعبير الفني وحفظ الذاكرة، وعلى أن الحكايات الخارجة من غزة ما زالت تجد طريقها إلى الشاشات ومنصات التتويج الدولية.