نتنياهو بلا أغلبية وآيزنكوت يبحث عن حكومة.. الحريديم والعرب أمام اختبار التحالفات
دخلت المشاورات السياسية الإسرائيلية مرحلة جديدة من التعقيد، السبت 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مع تكثيف رئيس حزب "ياشار" غادي آيزنكوت اتصالاته لتشكيل حكومة بديلة برئاسة غير بنيامين نتنياهو، في أعقاب انتخابات الكنيست التي أُجريت الثلاثاء الماضي، وأسفرت عن فقدان الائتلاف الحاكم أغلبيته البرلمانية، دون أن تمنح معسكر المعارضة أغلبية مستقلة تؤهله لتشكيل حكومة.
وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن آيزنكوت التقى زعيم المعارضة يائير لابيد، أحد أبرز قيادات قائمة "بيحاد" (معًا) برئاسة نفتالي بينيت، لبحث نتائج الانتخابات وتنسيق الخطوات السياسية والبرلمانية المقبلة، في وقت بدأت فيه الأحزاب الحريدية دراسة خياراتها، بما فيها احتمال التعاون مع معسكر التغيير، وسط خلافات بشأن تجنيد المتدينين اليهود ومشاركة الأحزاب العربية في دعم الحكومة المقبلة.
وأكد لابيد، في تصريح عقب الاجتماع، أن اللقاء تناول نتائج الانتخابات وتنسيق التحركات المشتركة لتنفيذ ما وصفه بإرادة الناخب الإسرائيلي، دون الإعلان عن اتفاق نهائي بشأن هوية رئيس الحكومة المقبلة أو تركيبة الائتلاف المرتقب.
نتائج الانتخابات تضع نتنياهو وآيزنكوت أمام مأزق الأغلبية
وأظهرت نتائج فرز الأصوات، التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية في 30 أكتوبر، حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر المعارضة بقيادة آيزنكوت، فيما حصلت القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة على 19 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في الكنيست.
وحصل حزب الليكود بزعامة نتنياهو على 27 مقعدًا، متقدمًا على حزب "ياشار" بقيادة آيزنكوت الذي حصد 21 مقعدًا، فيما نالت قائمة "بيحاد" برئاسة بينيت 12 مقعدًا، وحزب الديمقراطيين ثمانية مقاعد، وحزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان سبعة مقاعد.
وتكشف هذه النتائج عن غياب أغلبية الـ61 مقعدًا اللازمة لتشكيل ائتلاف يتمتع بأغلبية مستقرة، ما يجعل مشاورات التحالفات الجديدة والتفاهمات البرلمانية، خصوصًا مع الأحزاب العربية والحريدية، عاملًا مؤثرًا في تحديد هوية الحكومة المقبلة.

آيزنكوت يتحرك لتغيير موازين القوى قبل تشكيل الحكومة
وفي بيان أصدره عقب اجتماعه مع لابيد، أعلن آيزنكوت عزمه استثمار الأغلبية البرلمانية المناهضة لاستمرار حكومة نتنياهو، للدفع نحو سلسلة من التشريعات والإجراءات، دون انتظار الانتهاء من مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة.
وقال إن أولوياته تشمل تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإقرار تشريعات تفرض الخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية، وزيادة أعداد المجندين وتحسين الامتيازات الممنوحة لهم، إلى جانب إلغاء التشريعات المرتبطة بخطة التعديلات القضائية التي دفعت بها حكومة نتنياهو.
واتهم آيزنكوت رئيس الوزراء الإسرائيلي بقيادة ما وصفها بـ"ثقافة الأكاذيب" التي عمّقت الانقسام الداخلي، مؤكدًا أن الكنيست هو الذي يمنح الثقة للحكومة، وليس العكس.
وجدد رفضه الانضمام إلى حكومة يقودها نتنياهو، مع إبداء الاستعداد لإقامة حكومة واسعة على أساس أربعة مبادئ سياسية، تشمل الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية، والالتزام بوثيقة الاستقلال، وفرض الخدمة على الجميع، ومواصلة العمل على إنهاء القدرات العسكرية والحكمية لحركة حماس في قطاع غزة.
وتعكس تصريحات آيزنكوت سعيه إلى الجمع بين مسارين متوازيين: استخدام التحالفات البرلمانية لتمرير إجراءات قبل تشكيل الحكومة، ومواصلة المفاوضات مع القوى السياسية لتأمين ائتلاف حكومي بديل.
الحريديم يعيدون حساباتهم.. واحتمال التخلي عن نتنياهو
وفي تطور قد يعيد رسم خريطة التحالفات، كشفت القناة 12 الإسرائيلية عن اتصالات داخل حزب "يهدوت هتوراه" الحريدي لبحث إمكانية دعم حكومة يقودها آيزنكوت، ولو من خارج الائتلاف، في مؤشر إلى تراجع التزام بعض قيادات الحزب بالتحالف التقليدي مع نتنياهو.
ونقلت القناة عن مصادر في الحزب أن خيار دعم حكومة أقلية يتضمن الامتناع عن التصويت ضدها، مقابل تفاهمات بشأن قانون تجنيد طلبة المعاهد الدينية والميزانيات المخصصة للمؤسسات التعليمية الحريدية.
وأفادت تقارير عبرية، الجمعة، بأن الحاخام دوف لاندو وجّه نواب تيار "ديغل هتوراه"، أحد مكونات القائمة، إلى فتح قنوات اتصال مع معسكر التغيير لبحث تسوية قضية التجنيد، رغم نفي رئيس القائمة صدور تعليمات بهذا المعنى.
وتتجه قيادات التيار إلى إجراء مشاورات مع مرجعياتها الدينية مساء السبت، لتحديد موقفها من المفاوضات الائتلافية، دون إعلان قرار نهائي بشأن الانضمام إلى حكومة آيزنكوت أو دعمها من الخارج.
الأحزاب العربية أمام معادلة إسقاط نتنياهو دون المشاركة في الحكومة
وفي موازاة الحراك الحريدي، تبرز الأحزاب العربية التي حصلت على 19 مقعدًا طرفًا محوريًا في الحسابات البرلمانية، رغم استمرار رفض عدد من قادة الأحزاب الإسرائيلية المشاركة معها في ائتلاف حكومي.
وقال النائب أحمد الطيبي، في تصريحات صحفية، إن القائمة المشتركة ستدعم استبدال رئيس الكنيست الحالي أمير أوحانا، وتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، لكنها لن تكون جزءًا من الحكومة المقبلة.
وأوضح الطيبي أن القائمة لن تدعم أي مقترح يقدمه الليكود لحجب الثقة عن حكومة آيزنكوت إذا تشكلت، ولن تبادر إلى طرح تشريعات لحل الكنيست وإسقاط الحكومة.
ويفتح هذا الموقف المجال أمام تفاهمات برلمانية محدودة تسمح بتمرير قرارات أو الحفاظ على حكومة أقلية، دون أن تعني مشاركة الأحزاب العربية رسميًا في الائتلاف.
غير أن هذه الصيغة تصطدم بمواقف ليبرمان وبينيت الرافضة للاعتماد على الأحزاب العربية، وهو ما يجعل الانتقال من الأغلبية المناهضة لنتنياهو إلى ائتلاف حكومي متماسك أكثر تعقيدًا.
رئاسة الكنيست تتحول إلى أول اختبار لمعسكر التغيير
وتبحث أحزاب المعارضة، بحسب القناة 12 وصحيفة "يديعوت أحرونوت"، إمكانية استبدال رئيس الكنيست أمير أوحانا، المنتمي إلى الليكود، فور انعقاد الكنيست الجديد في 10 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وتشير التقارير إلى أن هذا التحرك قد يشكل أول اختبار لقدرة المعارضة على توحيد مواقفها مع الأحزاب العربية، قبل الانتقال إلى خطوات تشريعية أوسع.
وفي هذا السياق، تداولت وسائل إعلام إسرائيلية احتمال طرح اسم آيزنكوت أو لابيد لرئاسة الكنيست، دون تأكيد التوصل إلى اتفاق بشأن المرشح.
من جانبه، نفى رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان رغبته في تولي المنصب، مؤكدًا أنه تلقى عدة عروض بهذا الشأن، لكنه لا ينوي قبولها.
الليكود يتمسك بنتنياهو ويرفض التناوب على رئاسة الحكومة
وفي المقابل، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن وزير رفيع في الليكود تأكيده رفض أي اتفاق على التناوب في رئاسة حكومة وحدة محتملة، وتمسك الحزب ببقاء نتنياهو رئيسًا للوزراء طوال ولايتها.
ويعكس هذا الموقف استمرار الخلاف بين الليكود ومعسكر آيزنكوت بشأن هوية رئيس الحكومة، في ظل رفض الأخير الانضمام إلى حكومة يقودها نتنياهو.
وتزداد صعوبة التوصل إلى اتفاق مع تباين مطالب الأحزاب الحريدية بشأن التجنيد، ورفض بعض أحزاب المعارضة الاعتماد على الأصوات العربية، إلى جانب التنافس على رئاسة الكنيست والحقائب الوزارية.
سيناريو حكومة الـ63 مقعدًا.. هل ينجح آيزنكوت؟
وفي قراءة للسيناريوهات المطروحة، تناولت تحليلات سياسية إسرائيلية احتمال حصول آيزنكوت على دعم أو امتناع عن المعارضة من حزب "يهدوت هتوراه" ذي المقاعد السبعة، إلى جانب حزب "راعَم" الذي يملك ثمانية مقاعد.
وتصل القوة البرلمانية لهذه الأطراف مجتمعة مع معسكر آيزنكوت إلى 63 مقعدًا، غير أن الرقم لا يمثل ائتلافًا متفقًا عليه، إذ لا تزال الخلافات بشأن التجنيد والشراكة مع الأحزاب العربية قائمة.
وكانت القناة 12 قد كشفت عن طرح داخل أوساط حريدية يقضي ببقاء "يهدوت هتوراه" خارج الحكومة مقابل الامتناع عن التصويت ضدها، لكن الاتصالات لم تتجاوز، بحسب التقرير، مستويات سياسية أولية.
الأربعاء بداية المشاورات الرسمية لتشكيل الحكومة
ومن المقرر أن تُعرض نتائج الانتخابات رسميًا على الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الأربعاء 4 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تمهيدًا لبدء مشاوراته مع الكتل البرلمانية بشأن تكليف أحد المرشحين بتشكيل الحكومة.
ومع اقتراب موعد أداء أعضاء الكنيست الجديد اليمين الدستورية في 10 نوفمبر، تتجه الأنظار إلى قدرة آيزنكوت على تحويل الاتصالات السياسية إلى تفاهمات فعلية، مقابل سعي نتنياهو للحفاظ على تحالفاته ومنع انتقال السلطة إلى معسكر المعارضة.
وتكشف التطورات أن خسارة نتنياهو الأغلبية لا تعني بالضرورة خروجه من رئاسة الحكومة، كما أن امتلاك معارضيه 67 مقعدًا مع الأحزاب العربية لا يضمن قدرتهم على تشكيل ائتلاف موحد.
وبين رهانات آيزنكوت على تفاهمات مع الأحزاب الحريدية والعربية، وتمسك الليكود بنتنياهو، تدخل إسرائيل مرحلة مفاوضات مفتوحة على تشكيل حكومة أقلية أو وحدة أو استمرار الجمود السياسي، من دون اتفاق معلن حتى الآن على صيغة تحظى بالأغلبية اللازمة.