كشفت وكالة «بلومبرغ» الأميركية أن «مجلس السلام» التابع للرئيس دونالد ترامب طلب رسميًا من إيطاليا المساعدة في تأسيس جهاز أمني جديد بقطاع غزة، من خلال تقديم خبراء ومستشارين من الشرطة وقوات الإطفاء وسلاح الدرك الإيطالي «الكارابينييري»، في خطوة تستهدف توسيع المشاركة الدولية في الترتيبات الأمنية والإدارية المقترحة للقطاع.
وبحسب التقرير المنشور السبت 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، استند الطلب الأميركي إلى مراسلات رسمية أُرسلت خلال سبتمبر/أيلول الماضي إلى حكومة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، تضمنت دعوة روما إلى تحديد طبيعة مساهمتها في المبادرة وتعيين مسؤول للتنسيق مع مجلس السلام.
كما طلب المجلس ترشيح ضابط رفيع المستوى من قوات «الكارابينييري» لتولي منصب نائب مدير برنامج الشرطة التابع له، في إطار الجهود الرامية إلى بناء قوة أمنية فلسطينية جديدة تتولى مهام حفظ الأمن ضمن ترتيبات الحكم المقترحة لمرحلة ما بعد الحرب.
غير أن الحكومة الإيطالية لم تتخذ قرارًا نهائيًا بشأن المشاركة، وسط مخاوف مرتبطة بالوضع الأمني في غزة، والتساؤلات بشأن طبيعة مهمة الخبراء الإيطاليين والضمانات اللازمة لحمايتهم.
ما طبيعة الدور الأمني الذي طلبته واشنطن من إيطاليا؟
وفق المراسلات التي اطلعت عليها «بلومبرغ»، يسعى مجلس السلام إلى الاستفادة من الخبرات الإيطالية في بناء المؤسسات الشرطية وتدريب العناصر الأمنية، بدلًا من الاقتصار على المساهمات المالية والسياسية في خطط إعادة إعمار غزة.
ويتضمن الطلب ثلاثة جوانب رئيسية، هي توفير مستشارين من الشرطة الإيطالية، والاستعانة بخبرات قوات الإطفاء في المجالات الفنية والطارئة، وإشراك ضباط من سلاح «الكارابينييري» في تنظيم برنامج الشرطة والإشراف عليه.
وتكتسب مطالبة إيطاليا بترشيح ضابط لشغل منصب نائب مدير البرنامج أهمية خاصة، إذ تشير إلى رغبة مجلس السلام في منح روما دورًا إداريًا وفنيًا في إعداد الترتيبات الأمنية، وليس مجرد المساهمة في تدريب العناصر الشرطية.
لكن التقرير لم يكشف عن العدد المطلوب من الخبراء أو أماكن انتشارهم المحتملة، كما لم يحدد موعدًا لبدء المهمة أو الجهة التي ستتولى المسؤولية المباشرة عن الجهاز الأمني الجديد داخل غزة.
ميلوني تدرس الطلب دون قرار نهائي
نقلت «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة على توجهات الحكومة الإيطالية أن روما تدرس إمكانية تعيين ضابط كبير من «الكارابينييري» في المنصب المقترح، لكنها لم تحسم موقفها بعد.
وأوضحت المصادر أن المخاوف الأمنية المتعلقة بالعمل في غزة تمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام اتخاذ القرار، خصوصًا في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار، وعدم اكتمال الترتيبات المتعلقة بالقوة الدولية المقترحة.
وتخشى روما، وفق تقارير إيطالية سابقة، الانخراط في مهمة لا تتوافر لها قواعد عمل واضحة أو ضمانات كافية لسلامة المشاركين.
وكانت صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية قد كشفت في سبتمبر الماضي عن ضغوط أميركية لتسريع مساهمة قوات «الكارابينييري» في تدريب الشرطة الفلسطينية، لكن الحكومة الإيطالية فضّلت التريث لحين اتضاح الظروف الأمنية والتنظيمية للمهمة.
كما تحدثت مصادر لـ«بلومبرغ» عن تأثير خلاف سياسي سابق بين ترامب وميلوني في تعقيد المباحثات بين الجانبين، بعدما تسبب في توتر مؤقت بالعلاقات بين روما وواشنطن.
ولم تصدر الحكومة الإيطالية تعليقًا رسميًا على الطلب الأخير، بينما أحالت وزارة الخارجية الأميركية استفسارات الوكالة إلى مجلس السلام.
لماذا رفضت إيطاليا الانضمام إلى مجلس السلام؟
تعود التحفظات الإيطالية على المبادرة الأميركية إلى يناير/كانون الثاني 2026، عندما أعلنت ميلوني عدم استعداد بلادها للتوقيع على ميثاق مجلس السلام بصيغته المطروحة، بسبب إشكالات تتعلق بالدستور الإيطالي.
وتتمحور الاعتراضات حول المادة الحادية عشرة من الدستور، التي تسمح بمشاركة إيطاليا في المنظمات الدولية ضمن شروط تقوم على المساواة بين الدول.
وترى الحكومة الإيطالية أن بعض الصلاحيات الممنوحة لرئاسة مجلس السلام قد لا تتوافق مع هذه الضوابط، ما يفرض البحث عن صيغة قانونية مختلفة إذا تقررت مشاركة روما.
وفي المقابل، أكدت الحكومة استعدادها للمساهمة في تدريب الشرطة الفلسطينية ودعم الجهود الإنسانية والأمنية المرتبطة بإعادة الاستقرار إلى غزة.
ويبرز هنا الفرق بين الانضمام الرسمي إلى مجلس السلام والمشاركة الفنية في أحد برامجه؛ إذ يمكن لإيطاليا دراسة تقديم خبرات تدريبية دون أن يعني ذلك بالضرورة انضمامها إلى المجلس أو إرسال قوات قتالية إلى القطاع.
«الكارابينييري».. خبرة إيطالية سابقة في تدريب الشرطة الفلسطينية
لا تمثل الاستعانة بقوات «الكارابينييري» تطورًا منفصلًا عن الدور الذي تؤديه إيطاليا منذ سنوات في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية والمشاركة في البعثات الأوروبية.
فقد شارك ضباط إيطاليون في مهام أمنية وتدريبية ضمن بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية في معبر رفح «EUBAM Rafah»، التي تتولى دعم ومراقبة عمل الطواقم الفلسطينية المختصة بإدارة المعبر.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، عين الاتحاد الأوروبي العقيد الإيطالي فيتوريو ستينغو، وهو ضابط من قوات «الكارابينييري»، رئيسًا لبعثة المساعدة الحدودية في رفح، على أن يبدأ مهامه في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وتتولى هذه البعثة تقديم المشورة الفنية ومراقبة الإجراءات الحدودية، دون امتلاك صلاحيات تنفيذية مباشرة لإدارة المعبر، التي تبقى من مسؤولية السلطات الفلسطينية المختصة.
وتمنح هذه الخبرة إيطاليا موقعًا مهمًا في المناقشات المتعلقة بتدريب قوات الشرطة الفلسطينية، لكنها لا تعني أن الدور الأوروبي الحالي في معبر رفح هو نفسه برنامج الشرطة الجديد الذي يطرحه مجلس السلام الأميركي.
مجلس السلام يواجه عقبات في تنفيذ ترتيبات غزة
يأتي الطلب الأميركي بعد نحو تسعة أشهر من إطلاق مجلس السلام رسميًا، دون تحقيق تقدم ميداني ملموس في أبرز الترتيبات المعلنة لإدارة قطاع غزة.
وبحسب «بلومبرغ»، لم تُنشر حتى الآن قوة الاستقرار الدولية المقترحة داخل القطاع، ولم تتولَّ اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية إدارة شؤونه فعليًا على الأرض، كما لم تنطلق عملية إعادة الإعمار الشاملة.
وتعكس هذه التطورات اتساع الفجوة بين الخطط السياسية والأمنية التي أعلنتها الإدارة الأميركية ومتطلبات تنفيذها، ولا سيما مع استمرار الخلافات بين إسرائيل وحركة حماس حول نزع السلاح وانسحاب قوات الاحتلال وترتيبات إدارة القطاع.
ويُعد إنشاء جهاز شرطة فلسطيني جديد إحدى القضايا الرئيسية في هذه الترتيبات، نظرًا إلى ارتباطه بملفات الأمن الداخلي وإدارة المؤسسات العامة وتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار.
لكن غياب الاتفاق النهائي بشأن الصلاحيات والقيادة والانتشار يجعل الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ مسألة معقدة، خصوصًا في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل أجزاء واسعة من القطاع.
2.45 مليار دولار لإعادة الإعمار.. والخطة تحتاج إلى 71 مليارًا
في سبتمبر/أيلول الماضي، كشف مجلس السلام عن خطة أولية بقيمة 2.45 مليار دولار، تضم 66 مشروعًا لتنفيذ المرحلة الأولى من التعافي وإعادة الإعمار خلال ستة أشهر.
وتشمل المشاريع المقترحة توفير مساكن مؤقتة للنازحين، وإزالة الركام والذخائر غير المنفجرة، وإصلاح الطرق والمستشفيات والبنية التحتية، إلى جانب دعم الخدمات الأساسية وإعادة تنشيط الاقتصاد.
وتتضمن الخطة كذلك مخصصات لتدريب الشرطة الفلسطينية وإعداد الترتيبات المتعلقة بالقوة الدولية المقترحة.
ويقدر المجلس أن إعادة إعمار قطاع غزة على مدى عشر سنوات قد تتطلب نحو 71.4 مليار دولار، في ظل الدمار الواسع الذي خلفته الحرب الإسرائيلية.
غير أن مبلغ 2.45 مليار دولار يمثل قيمة الخطة الأولية المقترحة، ولا يعني أن كامل التمويل أصبح متاحًا أو أن المشروعات دخلت مرحلة التنفيذ.
وتبقى تعبئة الأموال وإزالة القيود على إدخال مواد البناء وتوفير الظروف الأمنية والسياسية الملائمة من أبرز التحديات التي تواجه بدء إعادة الإعمار.
نزع سلاح حماس يعطل الترتيبات الأمنية
تحتل قضية نزع سلاح حركة حماس موقعًا مركزيًا في المباحثات المتعلقة بتنفيذ خطة ترامب الخاصة بغزة.
وتربط الترتيبات الأميركية المعلنة بين إحراز تقدم في نزع السلاح، وانتشار قوة الاستقرار الدولية، ونقل المسؤوليات الأمنية والإدارية إلى المؤسسات الفلسطينية المقترحة، وصولًا إلى استكمال انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي.
لكن هذه الملفات لا تزال موضع خلاف، مع عدم التوصل إلى آلية تنفيذية متفق عليها تنهي الإشكالات المتعلقة بالسلاح والانتشار العسكري وإدارة القطاع.
وبحسب تقرير «بلومبرغ»، لم يُنفذ حتى الآن بند نزع سلاح حماس المنصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بوساطة أميركية عام 2025.
وتنعكس هذه الخلافات مباشرة على الدول التي يُطلب منها المشاركة في المهمات الأمنية، إذ يتعين عليها تحديد مستوى المخاطر التي قد تواجه أفرادها، وطبيعة الصلاحيات المتاحة لهم، والجهة المسؤولة عن توفير الحماية خلال تنفيذ المهمة.
مجلس السلام: لا نتحدث عن إرسال قوات قتالية إيطالية
في محاولة لتوضيح طبيعة الطلب، أكد مسؤول في مجلس السلام لـ«بلومبرغ» أن المناقشات مع إيطاليا ودول أخرى تركز على بناء القدرات ودعم المؤسسات، ولا تتعلق بنشر قوات تكتيكية داخل مناطق تشهد عمليات قتالية.
وأشاد المسؤول بالمساهمة الإيطالية السابقة في تطوير قدرات الشرطة الفلسطينية، مشيرًا إلى وجود مباحثات إيجابية مع السلطات الإيطالية بشأن إمكانية دعم اللجنة الوطنية الفلسطينية التكنوقراطية المكلفة بإدارة غزة.
وأكد أن القرار النهائي بشأن طبيعة المشاركة يعود إلى الحكومة الإيطالية، وأن المجلس يسعى إلى تسهيل مساهمتها في دعم سكان القطاع.
وتشير هذه التصريحات إلى أن واشنطن تحاول استقطاب الدول المترددة من خلال تقديم أدوار تدريبية وفنية، بدلًا من مطالبتها بالانخراط المباشر في عمليات أمنية ميدانية.
ومع ذلك، فإن تحديد طبيعة الانتشار ومكان التدريب والتبعية الإدارية للبرنامج لا يزال من القضايا التي تحتاج إلى ترتيبات نهائية.
مستقبل القوة الأمنية الجديدة في غزة
يفتح الطلب الموجه إلى إيطاليا تساؤلات بشأن مستقبل تشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية في قطاع غزة، وحدود الدور الذي ستؤديه الجهات الدولية في تدريب هذه الأجهزة والإشراف على عملها.
وفي حين يسعى مجلس السلام إلى استكمال الهيكل الأمني والإداري الذي تتضمنه خطة ترامب، لا تزال هناك تحديات تتعلق بالسيادة الفلسطينية والصلاحيات الأمنية وآليات التنسيق مع الأطراف المحلية والدولية.
ويظل نجاح المشروع مرهونًا بتوفر ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للتنفيذ، إلى جانب توفير التمويل وضمان وصول الدعم إلى سكان القطاع.
ومع استمرار المباحثات بين روما وواشنطن، لم يتحول الطلب الأميركي إلى التزام إيطالي نهائي، ولم يُعلن عن جدول زمني لتشكيل جهاز الشرطة الجديد.
وبذلك، يعكس توجه مجلس السلام نحو إيطاليا محاولة للاستفادة من الخبرات الأوروبية في بناء المنظومة الأمنية المقترحة لغزة، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن استمرار العقبات التي تعترض الانتقال من التصورات الأميركية إلى ترتيبات فعلية على الأرض.