إسرائيل بين حكومة الائتلاف ومأزق اليمين.. والفلسطينيون معادلة لا يمكن تجاوزها

علي أبو حبلة.jpg
علي أبو حبلة

بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي –

تكشف نتائج الانتخابات الإسرائيلية وما أعقبها من مشاورات واتصالات لتشكيل الحكومة عن أزمة سياسية تتجاوز التنافس الحزبي التقليدي، لتلامس طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، وحدود التوافق بين معسكراته، ومستقبل العلاقة بين التيارات اليمينية والقوى التي تطرح نفسها بديلاً سياسياً. فالمسألة لم تعد محصورة في هوية رئيس الحكومة المقبلة، بل تتصل بطبيعة السياسات التي ستعتمدها الحكومة، وقدرتها على الاستمرار في ظل الانقسامات الداخلية والتباينات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
في هذا السياق، يبرز احتمال استبعاد بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير من بعض صيغ تشكيل الحكومة بوصفه أحد السيناريوهات المطروحة، وليس نتيجة محسومة. فالرجلان يمثلان تياراً يمينياً يمتلك حضوراً برلمانياً وسياسياً، واستبعادهما من الائتلاف، إن تحقق، لن يعني بالضرورة انتهاء تأثيرهما؛ إذ يمكن أن يستمرا في ممارسة الضغط من خلال الكنيست والشارع، أو معارضة أي توجه حكومي لا يتوافق مع مواقفهما السياسية.
مأزق اليمين وحدود المناورة السياسية
يواجه معسكر بنيامين نتنياهو معادلة معقدة؛ فالحفاظ على تماسك الائتلاف يتطلب مراعاة مطالب الأحزاب اليمينية والدينية، بينما يفرض السعي إلى تشكيل حكومة أوسع وأكثر استقراراً تقديم تنازلات قد تثير خلافات داخل المعسكر نفسه. وفي المقابل، تواجه قوى المعارضة تحدي بناء أغلبية برلمانية متماسكة، لا يكفي أن تجمعها الرغبة في تغيير الحكومة، بل تحتاج إلى برنامج مشترك وتفاهمات واضحة بشأن القضايا الخلافية.
وتبقى احتمالات تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو حكومة برئاسة أحد أقطاب المعارضة، أو العودة إلى انتخابات جديدة، خيارات مرتبطة بمسار المفاوضات ومواقف الكتل البرلمانية. لكن تغيير الوجوه السياسية لا يعني بالضرورة تغيير السياسات، ما لم تقترن التحولات الحكومية بمراجعة حقيقية للنهج المتبع تجاه الفلسطينيين وقضايا الاحتلال والاستيطان.
الفلسطينيون.. معادلة لا يمكن تجاوزها
في قلب هذه الحسابات تبرز أهمية الصوت العربي الفلسطيني داخل إسرائيل. فحصول القوائم العربية على 19 مقعداً يمنحها ثقلاً برلمانياً مؤثراً في معادلات تشكيل الحكومة، ويكشف أهمية المشاركة السياسية والتنظيم والتماسك. فالأرقام تتيح، من الناحية الحسابية، إمكانية بناء أغلبية برلمانية من المعارضة والقوائم العربية، غير أن الخلافات السياسية ومواقف بعض أحزاب المعارضة تجعل تحويل هذه الإمكانية إلى ائتلاف حكومي أمراً معقداً.
وهنا تتجلى المفارقة؛ فالفلسطينيون داخل إسرائيل يمتلكون حضوراً انتخابياً مؤثراً، لكن الاعتراف بدورهم كشريك سياسي كامل لا يزال موضع خلاف داخل الأحزاب الإسرائيلية. ولذلك فإن مسؤولية القوائم العربية لا تقتصر على توظيف المقاعد في مفاوضات تشكيل الحكومة، بل تمتد إلى الدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية، ومواجهة التمييز، وحماية الأرض والهوية، وترسيخ المساواة في المواطنة.
أما على المستوى الوطني الفلسطيني الأشمل، فإن الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة وأراضي عام 1948 والشتات يشكلون أجزاء من شعب واحد، تجمعه الهوية الوطنية والحقوق التاريخية والقانونية. ولا بد من التمييز بين دور المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ضمن النظام السياسي الإسرائيلي، وبين الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
الوحدة الوطنية واستراتيجية المستقبل
إن التحولات في المشهد الإسرائيلي تفرض على القيادة الفلسطينية قراءة سياسية استراتيجية تتجاوز الرهان على تبدل الحكومات. فالحكومات تتغير، لكن السياسات قد تستمر ما لم تتغير المعادلات التي تحكمها. ومن هنا تبرز ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام، وتفعيل المؤسسات التمثيلية، وبناء استراتيجية سياسية وقانونية ودبلوماسية موحدة تستند إلى القانون الدولي والشرعية الدولية، وتحشد المواقف العربية والدولية لحماية الحقوق الفلسطينية ومواجهة الاستيطان والضم والتهجير.
إن تماسك الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم وجذورهم وهويتهم يمثلان ركيزة أساسية في معادلة المستقبل. فالقوة لا تكمن في الشعارات وحدها، بل في وحدة الموقف، وصمود المجتمع، وحماية المؤسسات، والتمسك بالحقوق الوطنية بعيداً عن التجاذبات والانقسامات.
خلاصة القول، إن إسرائيل قد تدخل مرحلة جديدة من المساومات الائتلافية، وقد يُستبعد سموتريتش وبن غفير من الحكومة أو يبقيان خارجها مع استمرار تأثيرهما السياسي، وقد تتجه الأحزاب إلى حكومة وحدة أو انتخابات جديدة. لكن أياً كانت الصيغة الحكومية، ستبقى القضية الفلسطينية حاضرة في صلب معادلات الأمن والسياسة والاستقرار في المنطقة.
فالفلسطينيون ليسوا مجرد ورقة انتخابية في حسابات الأحزاب الإسرائيلية، ولا تفصيلاً يمكن تجاوزه عند تشكيل الحكومات، بل أصحاب أرض وحقوق وتاريخ وهوية وطنية. قد تتبدل الحكومات وتتغير التحالفات، لكن الشعب الفلسطيني باقٍ على أرضه، متمسكاً بحقوقه وحريته وتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
المحامي علي أبو حبلة