بقلم: علاء كنعان صحافي وكاتب فلسطيني
في ذروة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، أُتيحت لي زيارة دولة الإمارات العربية المتحدة، وقبل أن تشتعل جولة أخرى من الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، كنت في زيارة للمملكة المغربية. وهناك، لم يكن إعجابي مقصوراً على ما وصلت إليه هذه الدول من بنية تحتية متطورة أو ثقافة حاضرة، وإنما كان انبهاراً بما حققته هذه الدول، وخاصة دول الخليج، من تجسيد فعلي لمعنى "الدولة".
إن إعجابي الحقيقي بهذه الدول، وخاصة دول الخليج، لم يكن بجمال العمران، بل بالقرار الذي يقف خلف هذا العمران، فالتاريخ منح هذه الدول الحياة، وكان شريان حياة يمنحها الاستقرار والأمان. فالسياحة التي نراها هناك كانت جزءاً أساسياً من زيارة هذه الدول التي صنعت لنفسها مكاناً بين الدول، وحجزت لنفسها مقعداً في الصفوف الأولى، ولست هنا في هذا المقال لمديح هذه الدول، وإنما هو محاولة لاستلهام التجربة العربية.
كيف استطاعت دول الخليج أن تستخلص العبر من أتون الحروب كحرب الخليج وغزو الكويت عام 1990، وكيف استمروا في بناء الإنسان؟ لقد أعادوا تعريف "النصر" بمعناه الحقيقي، وأعادوا صياغة مفهوم "الدولة"؛ فلم يغرقوا في وحل الثأر، بل انشغلوا بالسؤال الاستراتيجي الأهم: "كيف نمنع تكرار المأساة؟".
لقد ترسخت لديهم قناعة بأن الأمن لا يتسيّج بالحدود فقط، وإنما يُحصَّن من الداخل؛ فلا مدرسة تُغلق، ولا مستشفى ينهار، ولا اقتصاد يُباغَت بالهزات. لقد أسسوا لاستقرار دائم وشبكة أمان سياسية واقتصادية وإعلامية، واضعين نصب أعينهم أن الدولة التي لا تملك مناعتها الذاتية لن يقيها عجز الخارج.
أكتب هذه السطور وأنا أستحضر الواقع الفلسطيني؛ نحن الذين نمتلك في جغرافيتنا تاريخاً وثقافة وتعدداً دينياً فريداً؛ من رحاب المسجد الأقصى، إلى قداسة كنيستي القيامة والمهد، وصولاً إلى جبل جرزيم المقدس لدى السامريين. إننا نملك من المواقع التاريخية والدينية ما يملأنا فخراً، ولكن الفخر والقداسة وحدهما لا يبنيان وطناً.
إن الاستقرار الداخلي الفلسطيني هو الغاية المنشودة لترسيخ أركان دولتنا وإنهاء الاحتلال وفق الشرعية الدولية. ولكي نواكب إيقاع العالم في تطوره، علينا أن ندرك يقيناً أنه لا مشروع وطني يمكن أن يُكتب له التقدم والنجاح دون قاعدة صلبة من الاستقرار.
لقد قرأت الدول العربية دروس الحروب، وتعلمت كيف تبني دولها، وحولت التاريخ من عبء يُروى إلى قوة يُبنى عليها، وأصبح مورداً، والسياحة جزءاً من تعريف الدولة لنفسها في العالم، فاستقطبت الاستثمارات الكبرى، وشيّدت صروحاً متقدمة تكنولوجياً ورقمياً، ودخلت العالم من أبواب التكنولوجيا والاقتصاد.
وعلينا نحن الفلسطينيين أن نتعلم أن " الصمود" ليس أن نبقى فقط، وإنما هو وسيلة وأداة فعالة لتحقيق الوجود على هذه الأرض التي تستحق الحياة. وليكن العرب وحكامهم شركاء أصيلين في الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة، وبناء الإنسان الفلسطيني الذي هو الثروة الحقيقية والأبقى.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
