يواصل الواقع الميداني في قطاع غزة التدهور لليوم الـ176 على التوالي من خروقات اتفاق وقف إطلاق النار، في ظل تصعيد عسكري متواصل وحصار خانق يطال أكثر من مليوني فلسطيني، بالتوازي مع تعقيدات سياسية تعرقل الانتقال إلى المرحلة الثانية من التهدئة.
واقع ميداني متفجر
على الأرض، تتواصل الهجمات الإسرائيلية في مناطق متفرقة من القطاع، مخلفة شهداء وجرحى بشكل شبه يومي. فقد استشهد عدد من الفلسطينيين وأصيب آخرون، يوم الأحد 5 أبريل/نيسان 2026، جراء غارات بطائرات مسيّرة استهدفت تجمعات مدنية في مدينة غزة، بما في ذلك محيط ملعب اليرموك وحي الشجاعية.
وأفاد مصادر طبية بأن طائرات مُسيرة استهدفت مجموعة من المواطنين قرب ملعب اليرموك بمدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد مواطن وإصابة آخرين، جروح بعضهم وصفت بالخطيرة. كما استهدفت طائرة مسيرة مجموعة من السكان في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، ما أدى لاستشهاد مواطن وإصابة عدد آخر.
وفي جنوب القطاع، استشهد شاب من ذوي الإعاقة برصاص الجيش الإسرائيلي قرب مدينة خان يونس، كما تم انتشال جثمان الشهيد موسى أبو عامر من شرق المدينة بعد إصابته في وقت سابق، فيما سُجلت إصابات عدة في مناطق المواصي ورفح. كما سقط جرحى في شمال القطاع، بينهم سيدة من عائلة العطار أصيبت أثناء وجودها داخل نقطة طبية.
وفجر الأحد، أسفر قصف استهدف حي التفاح شرقي غزة عن استشهاد أربعة فلسطينيين (أحمد أبو شاويش، ومحمد السويركي، ورمزي الشوا، ومصطفى السكني) وإصابة آخرين، في حين تواصل القصف المدفعي وإطلاق النار في مناطق شرقي القطاع، إضافة إلى استهدافات بحرية قبالة سواحل رفح.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الخروقات المستمرة منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أسفرت عن مئات الشهداء وآلاف الجرحى، في ظل تدهور إنساني واسع ودمار طال معظم البنية التحتية.
أزمة إنسانية متفاقمة
يتزامن التصعيد مع استمرار إغلاق المعابر وتشديد الحصار، ما يعيق إدخال المساعدات الإنسانية ويزيد من معاناة السكان، خاصة في ظل انهيار القطاع الصحي ونقص الإمدادات الأساسية.
وتؤكد تقديرات فلسطينية أن الحرب المستمرة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 خلّفت عشرات آلاف الضحايا، إلى جانب دمار واسع طال نحو 90% من البنية التحتية في القطاع، ما يجعل أي تهدئة جزئية غير كافية لمعالجة الكارثة الإنسانية.
وأعلنت مصادر طبية ارتفاع حصيلة العدوان الإسرائيلي على القطاع إلى 72.292 شهيدا، و172,073 مصابا، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مشيرة إلى أن إجمالي الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي قد ارتفع إلى 716 شهيدا، وإجمالي الإصابات إلى 1,968، فيما جرى انتشال 759 جثمانا.
تعقيدات سياسية ومأزق “المرحلة الثانية”
سياسيًا، تتصاعد الخلافات حول مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، خصوصًا ما يتعلق بالمرحلة الثانية. فقد أعلنت كتائب القسام رفضها مناقشة ملف نزع السلاح قبل استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق.
وقال الناطق باسم القسام، أبو عبيدة، إن طرح هذا الملف في الوقت الراهن يمثل "ضغطًا خطيرًا" على المقاومة، مطالبًا الوسطاء بإلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها أولًا، خاصة ما يتعلق بوقف الاستهدافات وفتح المعابر.
في المقابل، تتواصل التحركات السياسية، حيث أجرت قيادة حركة حماس لقاءات في كل من القاهرة وإسطنبول، شملت اجتماعًا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لبحث سبل تثبيت التهدئة وإدخال المساعدات.
كما ناقش وفد الحركة مقترح "مجلس السلام" الذي يتضمن ترتيبات للمرحلة الثانية، من بينها انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل نزع سلاح الفصائل، وهو ما ترفضه الحركة والفصائل الفلسطينية، مطالبة بضمانات واضحة وجدول زمني ملزم للانسحاب.
فجوة ثقة وتعثر المفاوضات
وتعكس هذه التطورات فجوة ثقة عميقة بين الأطراف، إذ تشير مصادر مطلعة إلى أن الفصائل الفلسطينية طلبت إيضاحات من المبعوث الدولي نيكولاي ملادينوف بشأن آليات تنفيذ الخطة، خاصة ما يتعلق بالضمانات الدولية وجدول الانسحاب.
ويرى مراقبون أن استمرار الخروقات الميدانية، إلى جانب غياب التزام واضح ببنود المرحلة الأولى، يضعف فرص الانتقال إلى المرحلة الثانية، ويُبقي القطاع في دائرة التصعيد المفتوح.
خلاصة المشهد
بين التصعيد العسكري المستمر والتعقيدات السياسية، يعيش قطاع غزة حالة من الجمود الخطير، حيث تتقاطع الضغوط الميدانية مع حسابات التفاوض، في ظل غياب أفق واضح لإنهاء الأزمة أو التوصل إلى تهدئة مستدامة.
