غزة وإيران… بين استنزاف الإقليم وضيق الخيارات: هل آن أوان القرار الفلسطيني الاستراتيجي؟

عادل عيسى، 63 عامًا، يُصلح مواقد الكيروسين القديمة في ورشته بمخيم الشاطئ، في مدينة غزة، صورة فوتوغرافية لهادي داود

 طرح المحلل السياسي الفلسطيني عصمت منصور

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتداخل ساحات الصراع من غزة إلى إيران، يطرح المحلل السياسي الفلسطيني عصمت منصور سؤالاً جوهرياً: هل حان الوقت لانتقال القيادة الفلسطينية من إدارة الأزمة إلى التفكير الاستراتيجي بعيد المدى؟

ينطلق منصور، في قراءته التي بثها عبر تسجيل مصوّر على «فيسبوك» رصدته "وكالة قدس نت للأنباء"، من نقد مباشر لطبيعة القرار الفلسطيني، داعياً إلى إعادة تعريف القيادة بوصفها معبّرة عن المصلحة الوطنية الشاملة، لا المصالح الفصائلية أو الحسابات الضيقة. فالقائد، وفق هذا الطرح، هو من ينطلق من مصلحة «أصغر طفل في شعبه»، لا من رهانات خارجية أو تحالفات ظرفية.

إيران: صراع بلا حسم وانعكاسات مفتوحة

يضع منصور التطورات في إيران ضمن إطار «الاستنزاف طويل الأمد»، مستبعداً الحسم العسكري المباشر. فالصراع هناك، كما يراه، يتجه نحو نموذج شبيه بجبهات أخرى في المنطقة، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل استنزاف متبادل، وضغوط اقتصادية وعسكرية متراكمة، قد تمتد لسنوات.

هذا الواقع، برأيه، ينعكس مباشرة على الساحة الفلسطينية، خصوصاً أن إيران تمثل داعماً رئيسياً لفصائل المقاومة. ومع دخول طهران في حالة ضغط أو انشغال استراتيجي، فإن هامش المناورة لدى هذه الفصائل يتقلص، ما يفرض إعادة تقييم عميقة للخيارات.

غزة: مأزق مركّب يتفاقم

قبل التطورات الإقليمية، كانت غزة وحركة حماس بالفعل في حالة مأزق، وفق توصيف منصور: حرب مدمرة، أوضاع إنسانية كارثية، وانسداد سياسي. لكن المستجدات الأخيرة، خاصة ما يتعلق بإيران، أضافت طبقة جديدة من التعقيد.

فالرهان على دعم خارجي لم يعد مضموناً، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإسرائيلية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات السياسية لدى بنيامين نتنياهو، الذي قد يسعى لتوظيف التصعيد في غزة ولبنان ضمن حساباته الانتخابية خلال الأشهر الخمسة القادمة.

وهنا يبرز ما يسميه منصور «تضييق هامش الخيارات»، حيث تجد الفصائل نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ: الاستمرار في الوضع القائم بكل كلفته الإنسانية، أو الدخول في مواجهات قد تكون أكثر كلفة وخطورة.

سؤال السلاح والحكم: جوهر التحول المطلوب

في صلب الطرح، يدعو منصور إلى كسر «المحظورات السياسية» وفتح ملفات جوهرية طال تأجيلها، وعلى رأسها:

  • مستقبل سلاح الفصائل
  • شكل الحكم في قطاع غزة
  • طبيعة الشراكة الوطنية الفلسطينية

ويؤكد أن التعامل مع هذه القضايا يجب أن يكون ضمن رؤية استراتيجية وطنية جامعة، لا كردود فعل تكتيكية أو استجابة لضغوط آنية. فالإبقاء على الوضع الحالي، برأيه، لا يقدم حلولاً، بل يكرّس «إدارة الأزمة» دون أفق.

تحذير من كلفة الصمود السلبي

من أخطر ما يطرحه منصور هو التحذير من تحول الكلفة اليومية التي يتحملها الفلسطينيون—في غزة والضفة—إلى كلفة استراتيجية بعيدة المدى. فاستمرار الأوضاع الإنسانية المتدهورة قد يدفع نحو خيارات قسرية مثل الهجرة أو التهجير، ما يشكل تهديداً وجودياً للقضية الفلسطينية.

نقد شامل للفاعلين الفلسطينيين

لا يقتصر النقد على فصيل بعينه، بل يمتد ليشمل مختلف مكونات النظام السياسي الفلسطيني، بما في ذلك السلطة الفلسطينية وحركة «فتح». إذ يدعو منصور إلى تجاوز حالة الانقسام، ووقف «تسجيل النقاط» بين الأطراف، والعمل على بلورة رؤية وطنية موحدة قادرة على إخراج الفلسطينيين من «عنق الزجاجة».

بين الواقعية والضرورة

يرجّح منصور أن خيار الحرب الشاملة على غزة قد لا يكون وشيكاً، رغم بقائه احتمالاً قائماً، مشيراً إلى أن التوجه الدولي—خصوصاً الأميركي—قد يسعى إلى احتواء التصعيد ضمن ترتيبات سياسية.

لكن هذا «الاستقرار الهش» لا يمثل حلاً، بل يكرّس وضعاً يتدهور تدريجياً، ما يعيد طرح السؤال المركزي: هل يمكن للفلسطينيين الاستمرار في هذا المسار دون اتخاذ قرارات حاسمة؟

خلاصة: لحظة قرار لا تحتمل التأجيل

ما يقدمه عصمت منصور ليس مجرد قراءة للواقع، بل دعوة صريحة إلى التحول من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي. فالمتغيرات الإقليمية، من إيران إلى إسرائيل، تعيد رسم المشهد بسرعة، وفي ظل ذلك، يصبح التأخر في اتخاذ القرار مكلفاً بقدر الخطأ في اتخاذه.

إنها لحظة تتطلب—كما يراها—شجاعة سياسية، واستعداداً لدفع أثمان آنية مقابل إنقاذ المستقبل، وإعادة توجيه البوصلة نحو مشروع وطني جامع، قادر على الصمود والتقدم في آن واحد.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله