اتفاق واشنطن وطهران يدخل مرحلة الحسم: توقيع في جنيف الجمعة ومحادثات نووية لـ60 يوماً

صورة تعبيرية لمصافحة بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية علمي الدولتين.

دخلت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب مرحلة الحسم، فجر الإثنين 15 يونيو/حزيران 2026، بعد إعلان طهران إنجاز الصيغة النهائية للنص، وتأكيد واشنطن أن الاتفاق بات مكتملاً ويمهد لإعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري ووقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.

وبحسب أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فإن الحرب والعمليات العسكرية ستتوقف “فوراً وبشكل دائم” اعتباراً من الليلة، على أن يبدأ رفع الحصار البحري المفروض على إيران بصورة كاملة، تمهيداً للتوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم يوم الجمعة 19 يونيو/حزيران في سويسرا، وسط تأكيدات إيرانية بأن مراسم التوقيع ستجري في جنيف.

وجاء الإعلان الإيراني بعد وساطات مكثفة قادتها باكستان، بدعم قطري ومشاركة أطراف إقليمية ودولية، عقب أشهر من المواجهة العسكرية والسياسية بين واشنطن وطهران. وكان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد أعلن التوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين، مؤكداً أن الوسطاء سيعملون، مع دخول الاتفاق حيز التنفيذ، على تسهيل سلسلة اجتماعات هذا الأسبوع.

وفي تطور لافت، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين إيرانيين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي سيتوجهان إلى جنيف للمشاركة في مراسم توقيع الاتفاق. وبحسب المسؤولين، فإن طهران انتظرت تجاوز منتصف الليل بالتوقيت المحلي لإتمام الإعلان، لأنها لم ترغب في أن تتزامن المناسبة مع عيد ميلاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويعكس هذا التفصيل، إذا صح، حساسية رمزية وسياسية في طريقة إخراج الاتفاق، إذ تسعى إيران إلى تقديم التفاهم بوصفه نتيجة صمودها العسكري والسياسي، لا هدية دبلوماسية لترامب أو إنجازاً شخصياً له، في حين يسوقه الرئيس الأميركي باعتباره أحد أكبر إنجازاته في الشرق الأوسط.

وأكد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن نص مذكرة تفاهم إسلام آباد أصبح نهائياً، وأن التوقيع الرسمي سيتم يوم الجمعة في جنيف، موضحاً أن طهران خاضت محادثات طويلة مع باكستان وقطر، وأن وفداً قطرياً أجرى مشاورات مطولة في طهران بشأن الملاحظات الأخيرة على النص.

وقال غريب آبادي إن محادثات الستين يوماً، التي ستبدأ بعد التحقق من تنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها الأولية، ستناقش الملف النووي الإيراني، ورفع العقوبات، وقرارات مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى ملف إعادة الإعمار، وتحديد آلية لمراقبة التزامات الطرفين وضمان حسن تنفيذها.

وشدد المسؤول الإيراني على أن دخول طهران في المفاوضات النهائية مشروط بتنفيذ واشنطن ما تعهدت به في مذكرة التفاهم، وفي مقدمة ذلك إنهاء الحرب، رفع الحصار، والإفراج عن الأموال الإيرانية. كما أكد أن نص المذكرة لا يقوم على الثقة بالجانب الأميركي، بل على آليات رقابة ومتابعة، في ظل استمرار حالة عدم الثقة بين الطرفين.

أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقال لصحيفة “نيويورك تايمز” إن الاتفاق مع إيران سيضمن في نهاية المطاف بقاء مضيق هرمز مفتوحاً من دون رسوم بصورة دائمة. وأضاف أن قراره مهاجمة إيران أواخر فبراير، ثم فرض حصار بحري لاحقاً، أعاد تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم مصالح الولايات المتحدة.

وقال ترامب إن الاتفاق سيضمن تقييد إيران “إلى الأبد” عند مستويات تخصيب منخفضة لا يمكن استخدامها لأغراض عسكرية، مؤكداً أن طهران لن تتمكن من امتلاك سلاح نووي تحت أي ظرف. لكنه هدد باستئناف الهجمات العسكرية في حال فشل التوصل إلى اتفاق نووي نهائي، أو جعل الولايات المتحدة “حارسة للمنطقة” مقابل 20% من إيراداتها، وفق تعبيره.

وكشف ترامب أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة، ولا سيما الضربة على بيروت، كادت أن تعرقل الاتفاق النهائي مع طهران، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “صعب المراس للغاية”. وقال إن على نتنياهو أن يكون “ممتناً جداً” للولايات المتحدة، لأن إسرائيل، بحسب ترامب، لم تكن لتبقى موجودة لو امتلكت إيران سلاحاً نووياً.

وتعزز هذه التصريحات الانطباع بأن واشنطن عملت في الساعات الأخيرة على ضبط السلوك الإسرائيلي، خشية أن يؤدي أي تصعيد جديد في لبنان أو ضد إيران إلى نسف التفاهم قبل توقيعه. كما تظهر أن لبنان بات جزءاً مركزياً من معادلة الاتفاق، لا مجرد ساحة جانبية في المواجهة.

من جانبه، وصف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الاتفاق بأنه “لحظة كبرى” للولايات المتحدة، قائلاً إن قيادة ترامب وجهود فريقه حولت مسار الشرق الأوسط من عقود من الحروب والفوضى إلى فرصة للتعاون الإقليمي. وأضاف أن الاتفاق يقضي بالفتح الفوري لمضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأميركي عن إيران بالتزامن، كما يمنع إيران بشكل كامل من امتلاك أو السعي لامتلاك سلاح نووي.

وقال فانس إن الالتزام بالاتفاق قد يفتح مرحلة جديدة من التعاون في الشرق الأوسط، معرباً عن أمله في “عصر جديد” مع الإيرانيين. لكنه أقر بأن واشنطن كانت قلقة للغاية من احتمال رد إيراني واسع على إسرائيل بعد غارة بيروت، مشيراً إلى أن طهران أكدت عبر قنوات تواصل أنها لن ترد على إسرائيل وستلتزم بتوقيع الاتفاق.

وأضاف فانس أن أطرافاً في الشرق الأوسط، بينها حزب الله، لا تريد لهذا الاتفاق أن ينجح، لكنه اعتبر أن ما تحقق الليلة يمثل خطوة كبيرة وتاريخية. وقال إن السلام لن يترسخ بين ليلة وضحاها، لكن الاتفاق يقلب صفحة جديدة في منطقة اعتادت الصراع.

وتشير بنود المسودة المتداولة إلى أن الاتفاق يفتح مرحلة تفاوضية جديدة مدتها 60 يوماً، تشمل أربعة ملفات رئيسية: الملف النووي، رفع العقوبات الأميركية والدولية، إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، وآلية مراقبة تنفيذ الالتزامات. وتقول مصادر إيرانية إن طهران ستتمسك بإلغاء العقوبات الأولية والثانوية، وإنهاء القرارات الصادرة عن مجلس الأمن ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في حال التوصل إلى اتفاق نهائي.

وبحسب ما نقلته وكالة “مهر” عن مسودة مذكرة التفاهم، فإن النص ينص على أن تقدم واشنطن وحلفاؤها خططاً لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، إلى جانب محادثات تمتد 60 يوماً بشأن القضايا النووية والرفع الكامل للعقوبات. كما تشير المسودة إلى استثناء برنامج إيران الصاروخي ودعمها لما تسميه “جماعات المقاومة” من محادثات الاتفاق النهائي.

وتبقى هذه البنود، خصوصاً رقم 300 مليار دولار واستثناء البرنامج الصاروخي والملفات الإقليمية، من أكثر النقاط حساسية، لأنها لم تُنشر بعد في نص رسمي. ومن المتوقع أن تثير اعتراضات داخل إسرائيل وبعض العواصم الغربية، التي ترى أن أي اتفاق مع طهران يجب ألا يقتصر على الملف النووي ومضيق هرمز، بل ينبغي أن يشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي.

إقليمياً، رحبت قطر بالتوصل إلى مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، معتبرة أنها خطوة مهمة نحو توطيد السلام وتعزيز النمو الاقتصادي في المنطقة. كما أثنت الدوحة على جهود باكستان والأطراف الإقليمية والدولية التي ساهمت في خفض التصعيد وتهيئة الظروف للتوصل إلى الاتفاق.

وقال رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إن قطر ترحب بالاتفاق، وتتطلع إلى انخراط جميع الأطراف في المفاوضات المقبلة بروح إيجابية وبناءة، مؤكداً أن الدوحة ستبقى داعمة لكل ما يعزز الأمن والاستقرار عبر الحوار.

أوروبياً، رحب قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا بإعلان مذكرة التفاهم، مؤكدين أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً أبداً، ومبدين استعدادهم لرفع العقوبات ذات الصلة إذا اتخذت طهران خطوات واضحة وقابلة للتحقق بشأن برنامجها النووي.

وقال المستشار الألماني إن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يمثل إنجازاً دبلوماسياً مهماً، معتبراً أنه قد يمهد الطريق نحو اقتصاد عالمي أكثر حيوية وشرق أوسط أكثر أمناً، شرط تنفيذه بعزم وإصرار.

كما رحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالاتفاق، داعياً إلى تنفيذه بشكل سريع وكامل من جميع الأطراف، ومؤكداً أن إعادة فتح مضيق هرمز بصورة عاجلة ودون شروط تمثل مسألة جوهرية للاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. وأبدت فرنسا، إلى جانب بريطانيا، استعدادها لدعم جهود إزالة الألغام وتأمين الملاحة.

أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر فعدّ الاتفاق خطوة بالغة الأهمية نحو إنهاء الحرب وضمان الاستقرار الإقليمي، مشدداً على أن مضيق هرمز يجب أن يبقى مفتوحاً بصورة كاملة ودائمة، وأن التنفيذ الكامل لمذكرة التفاهم سيكون الاختبار الحقيقي لنجاحها.

وتحمل التفاهمات انعكاسات مباشرة على لبنان، بعدما نصت التصريحات الإيرانية والباكستانية على وقف العمليات العسكرية في جميع الجبهات، بما في ذلك الجبهة اللبنانية. وتأتي هذه النقطة بعد تصعيد خطير أعقب غارات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، وما تبعها من تهديدات إيرانية وردود فعل من حزب الله.

وبذلك، لا يقتصر الاتفاق على وقف مواجهة أميركية ـ إيرانية مباشرة، بل يسعى إلى تثبيت خفض تصعيد إقليمي واسع يشمل الخليج ولبنان والجبهات المرتبطة بطهران. غير أن نجاح هذا المسار سيبقى مرهوناً بقدرة واشنطن على إلزام إسرائيل بوقف التصعيد، وبقدرة طهران على منع ردود من حلفائها قد تعيد إشعال المواجهة.

وتبدو الأيام الفاصلة حتى الجمعة حاسمة. فالاتفاق أُنجز سياسياً، لكن التوقيع الرسمي لم يتم بعد، والنص الكامل لم يُنشر، وآليات التنفيذ لا تزال قيد الترتيب. وسيعمل الوسطاء خلال هذا الأسبوع على تثبيت وقف العمليات، متابعة رفع الحصار، تنظيم خطوات فتح هرمز، وترتيب جدول مفاوضات الستين يوماً.

ورغم موجة الترحيب الدولي، تبقى التحديات كبيرة: مصير المواد النووية الإيرانية، حدود التخصيب، آليات التفتيش، رفع العقوبات، إعادة الإعمار، وضمان عدم عودة العمليات العسكرية. كما أن أي خرق في لبنان أو الخليج قد يهدد المسار قبل أن يتحول إلى اتفاق نهائي.

ومع ذلك، فإن إعلان طهران وواشنطن، وتوجه كبار المسؤولين الإيرانيين إلى جنيف، وترحيب الوسطاء والعواصم الأوروبية، كلها مؤشرات على أن المنطقة تقف أمام لحظة سياسية مفصلية. فإذا صمد وقف العمليات، ونجح توقيع الجمعة، فقد يكون اتفاق جنيف بداية مرحلة جديدة من خفض التصعيد وفتح هرمز وإعادة ترتيب العلاقة الأميركية ـ الإيرانية. أما إذا تعثرت الضمانات أو انفجر أحد الملفات المؤجلة، فقد يعود الشرق الأوسط سريعاً إلى حافة المواجهة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - طهران/ واشنطن- عواصم