شهدت محافظات الضفة الغربية، يوم الأحد 10 أيار/ مايو 2026، موجة واسعة من اعتداءات المستعمرين واقتحامات قوات الاحتلال الإسرائيلي، تخللتها عمليات هدم واستيلاء على أراضٍ، وسرقة مواشٍ، واعتداءات جسدية، ونصب حواجز عسكرية، واعتقالات طالت عدداً من المواطنين، في مشهد يعكس تصعيداً متدرجاً يستهدف الأرض والإنسان ومقومات الصمود الفلسطيني.
وجاء أبرز الاعتداءات في محافظة قلقيلية، حيث هدم مستعمرون مساكن وغرفاً زراعية في تجمع عرب الخولي، شرق بلدة كفر ثلث جنوب المدينة. وقال رئيس بلدية كفر ثلث جهاد عودة إن مستعمرين برفقة جرافة اقتحموا التجمع وشرعوا بهدم 50 غرفة زراعية تعود لعائلتي الخولي ومقبل، مبنية من الحجارة والحديد وصفائح “الزينكو”، ومقامة على نحو 30 دونماً زراعياً ضمن أراضٍ تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 1700 دونم مزروعة بأشجار الزيتون المعمرة ومحاصيل القمح. وقدّرت الخسائر بملايين الشواقل نتيجة تدمير الغرف وإتلاف المحاصيل.
ويكتسب هذا الاعتداء خطورته من كونه يستهدف تجمعاً زراعياً قائماً منذ عقود، يعتمد سكانه على الزراعة وتربية المواشي كمصدر رئيسي للعيش. وبحسب معطيات محلية، فإن عرب الخولي تعرّض خلال الفترة الأخيرة لسلسلة اعتداءات جسدية وتضييقات متكررة دفعت عدداً من الأهالي إلى مغادرة المنطقة والسكن في كفر ثلث المجاورة، مع استمرار توجههم يومياً إلى أراضيهم لرعايتها. وتحيط بالتجمع عدة مستعمرات، ما يجعله محاصراً جغرافياً ومعيشياً، ويحوّل مدخله الغربي باتجاه كفر ثلث إلى المتنفس الوحيد للسكان.
وفي جنين، أخطرت قوات الاحتلال بالاستيلاء على نحو 7 دونمات من أراضي حي الجابريات، وهي منطقة مطلة على مخيم جنين، وذلك لأغراض استعمارية. كما أفادت مصادر محلية بأن جرافات الاحتلال بدأت شق شارع في أراضٍ تقع بين بلدتي عانين والسيلة الحارثية، ويمر من أراضي خربة سروج التي كان الاحتلال قد أخطر بالاستيلاء عليها في نيسان/ أبريل الماضي.
وتدل خطوة الاستيلاء في الجابريات، بالتزامن مع شق الطرق في محيط جنين، على انتقال التصعيد من الاقتحامات العسكرية المباشرة إلى فرض وقائع عمرانية وجغرافية جديدة، عبر السيطرة على نقاط مطلة وحساسة، وربطها بمشاريع طرق تخدم التوسع الاستعماري وتعيد تشكيل حركة الفلسطينيين داخل محيط المدينة والمخيم.
وفي رام الله، سرق مستعمرون نحو 80 رأس غنم من قرية كفر مالك شرق المحافظة، خلال هجوم نفذته مجموعة مسلحة على المنطقة الشرقية من القرية. وقال الناشط جهاد القاق إن القطيع يعود للمواطن مصطفى الدرباني، مشيراً إلى أن هذا الاعتداء ليس الأول بحقه، إذ سبق أن تعرض للضرب وسُرقت أغنامه أثناء رعيها قبل أشهر.
وفي أريحا، اقتحم مستعمرون منطقة عرب الكعابنة شمال بلدة النويعمة شمال غرب المدينة، واعتدوا على السكان وممتلكاتهم. وقالت منظمة البيدر الحقوقية إن المستعمرين احتجزوا عدداً من السكان واعتدوا عليهم، كما خربوا ممتلكات المواطنين وسرقوا مبالغ مالية ومصاغاً ذهبياً، ما تسبب بحالة من الخوف والتوتر بين الأهالي.
وامتدت الاعتداءات إلى الأغوار الشمالية، حيث تسببت مواشي مستعمرين بأضرار واسعة في المحاصيل البعلية في منطقة الحمة، بعدما جرى تسريحها داخل الحقول المزروعة. وتأتي هذه الاعتداءات في توقيت بالغ الحساسية للمزارعين، خاصة خلال موسم الحصاد وجني الثمار، إذ يشكل إتلاف المحاصيل ضربة مباشرة لمصدر رزق الأسر الزراعية.
وفي بيت لحم، أصيب المواطن سلطان جابر جبارين برضوض جراء اعتداء مستعمرين عليه في قرية المنية جنوب شرق المحافظة، بعدما هاجمت مجموعة من المستعمرين عدداً من المواطنين بالضرب. وتأتي الحادثة في سياق تصعيد متكرر بحق سكان المنية، يشمل ملاحقة رعاة الأغنام وطردهم من مناطق الرعي، والهجوم على منازل المواطنين وإحراق ممتلكاتهم.
وبالتوازي مع اعتداءات المستعمرين، نفذت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واقتحامات في عدة محافظات. ففي طولكرم، اعتقلت قوات الاحتلال ستة مواطنين شمال المحافظة، بينهم خمسة من عائلة واحدة في بلدة عتيل، وهم المواطن زياد عودة الله وأبناؤه قصي ومعاذ وعدي وأحمد، إضافة إلى الشاب خالد سروجي من ضاحية شويكة، وهو من نازحي مخيم طولكرم.
وفي القدس، اعتقلت قوات الاحتلال المواطن محمد أبو غالية، صاحب إحدى المنشآت المهددة بالهدم في منطقة المشتل ببلدة العيزرية شرق القدس المحتلة، واعتدت على شقيقه يحيى خلال الاقتحام. وتندرج هذه الحادثة ضمن سياسة تضييق متواصلة على بلدات القدس، من خلال أوامر الهدم والاقتحامات والاعتقالات واستهداف المنشآت الفلسطينية.
كما شهدت القدس إجراءات أخرى، بينها استدعاء الشاب المقدسي إبراهيم محمود العباسي للتحقيق وإبلاغه بقرار منعه من السفر لمدة ستة أشهر، رغم استعداده للسفر إلى السعودية لأداء مناسك الحج. وفي العيساوية، اعتقلت قوات الاحتلال شاباً لم تُعرف هويته بعد، فيما أُفرج عن فتيين بشرط الحبس المنزلي لخمسة أيام.
وفي الخليل، اعتقلت قوات الاحتلال أربعة مواطنين من بلدتي سعير والظاهرية، بينهم نزار بليغ جرادات، ومحمد يسري جرادات، وعبد الحي يسري جرادات من سعير، ورؤوف شريتح من الظاهرية. وفي بيت لحم، اعتقلت قوات الاحتلال المواطن نسيم عادل دخل الله من تقوع بعد دهم منزله، ونصبت حاجزاً عسكرياً في منطقة الشولي، ما تسبب بأزمة مرورية بعد توقيف المركبات وتفتيشها والتدقيق في هويات المواطنين.
كما اقتحمت قوات الاحتلال مدينة نابلس ومخيم بلاطة وقرية كفر قليل، وداهمت عدداً من المنازل ومحلاً تجارياً وعبثت بمحتوياتها، دون أن يبلغ عن اعتقالات. وفي قلقيلية، اقتحمت قوات الاحتلال قرى حجة وباقة الحطب وحبلة، ونصبت حاجزاً عسكرياً عند مدخل قرية إماتين، ما أعاق تنقل المواطنين. وفي طولكرم، اقتحمت قوات الاحتلال بلدات علار وعتيل وصيدا، وداهمت محال تجارية واحتجزت أصحابها والعاملين فيها للاستجواب الميداني.
وفي بيت لحم أيضاً، أغلقت قوات الاحتلال بالسواتر الترابية الطريق الرئيس الرابط بين بلدة جناته وحرملة، في إطار إجراءات تصعيدية شملت خلال الأيام الماضية إغلاق طرق ومداخل عدد من بلدات وقرى الريف الشرقي، خاصة بين تقوع وجناته. كما اقتحمت قوات الاحتلال بلدة الدوحة غرب بيت لحم، وتمركزت في محيط قاعة بلقيس للأفراح وأغلقت الشارع الرئيسي في المنطقة، بعد يوم من اقتحام القاعة والاعتداء على أحد المواطنين واحتجاز آخرين.
وفي رام الله، اقتحمت قوات الاحتلال قرية دير ابزيع غرب المدينة واستولت على جرافة أثناء عملها في القرية، كما اقتحمت مساءً قرية كفر مالك شمال شرق رام الله، واحتجزت عدداً من المواطنين واستولت على تسجيلات كاميرات لأحد المحال التجارية، دون أن يبلغ عن اعتقالات.
وتأتي هذه التطورات في سياق تصاعد موثق لاعتداءات الاحتلال والمستعمرين في الضفة الغربية. ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذت قوات الاحتلال والمستعمرون 1819 اعتداء خلال شهر آذار/ مارس الماضي، منها 1322 اعتداء نفذتها قوات الاحتلال و497 اعتداء نفذها المستعمرون، وتركزت الاعتداءات في محافظات الخليل ونابلس ورام الله والبيرة والقدس. كما وثقت الهيئة عمليات تخريب وسرقة ممتلكات فلسطينية، واعتداءات طالت مساحات واسعة من الأراضي والأشجار، بينها آلاف أشجار الزيتون.
وتكشف وقائع اليوم عن تصعيد متعدد الأدوات: فالهدم في قلقيلية يستهدف البنية الزراعية، والاستيلاء في جنين يفرض وقائع استعمارية جديدة، وسرقة المواشي في رام الله وأريحا تضرب مصادر الرزق، فيما تكمل الاقتحامات والاعتقالات والحواجز مشهد الضغط اليومي على الفلسطينيين. وبذلك، لا تبدو الاعتداءات أحداثاً منفصلة، بل جزءاً من سياسة ميدانية تهدف إلى تفريغ المناطق الزراعية والرعوية، وتقييد الحركة، وإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية تحت وطأة القوة والتهديد.
