بقلم: الدكتور نبيل كوكالي رئيس ومؤسس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)
في معظم دول العالم، تُعتبر قوة العملة مؤشرًا إيجابيًا على الاستقرار الاقتصادي والثقة المالية. لكن في الحالة الفلسطينية، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا؛ فارتفاع قيمة الشاقل الإسرائيلي أمام الدولار الأمريكي والدينار الأردني لم يتحول إلى مصدر طمأنينة، بل إلى عبء يومي يضغط على آلاف الأسر الفلسطينية.
وبالنسبة لكثير من الفلسطينيين، لم تعد الأزمة الاقتصادية تُقاس فقط بارتفاع الأسعار أو تراجع فرص العمل، بل بعدد الشواقل التي يخسرونها كلما انخفض الدولار أو الدينار أمام العملة الإسرائيلية.
تكشف نتائج استطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) خلال عامي 2025–2026 عن تصاعد واضح في مستويات القلق الاقتصادي داخل المجتمع الفلسطيني، حيث تصف نسبة كبيرة من الفلسطينيين أوضاعها الاقتصادية بأنها “صعبة” أو “صعبة جدًا”، في ظل شعور متزايد بعدم الاستقرار وفقدان القدرة على التنبؤ بالمستقبل المعيشي.
لكن ما يجعل أزمة سعر الصرف أكثر خطورة في فلسطين هو طبيعة الاقتصاد الفلسطيني نفسه. فجزء مهم من الرواتب، والتحويلات الخارجية، والمدخرات، والمساعدات، يعتمد على الدولار الأمريكي أو الدينار الأردني، بينما تتم معظم المصاريف اليومية بالشاقل الإسرائيلي.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالأسرة الفلسطينية التي كانت تتلقى ألف دولار أو أقل قبل فترة قصيرة كانت تحصل مقابله على عدد أكبر من الشواقل، أما اليوم فقد تراجعت القيمة الفعلية لهذا الدخل رغم بقاء المبلغ نفسه بالدولار. وهذا ما يفسر الشعور المتزايد لدى كثير من الفلسطينيين بأن:
“الدخل نفسه لم يعد يوفر مستوى الحياة ذاته.”
ورغم التوترات السياسية والحروب الإقليمية، ما زال الاقتصاد الإسرائيلي قادرًا على جذب الاستثمارات الأجنبية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والخدمات المالية، الأمر الذي عزز الطلب على الشاقل ورفع قيمته. كما ساهمت السياسة النقدية الإسرائيلية في الحفاظ على قوة العملة واستقرارها النسبي، في الوقت الذي يواجه فيه الدولار نفسه ضغوطًا وتقلبات عالمية مرتبطة بالاقتصاد الأمريكي والتوترات الدولية.
لكن الفلسطينيين، بخلاف معظم الشعوب، يواجهون هذه التقلبات دون امتلاك أدوات حقيقية للحماية.
ففي غياب عملة وطنية مستقلة أو سياسة نقدية فلسطينية قادرة على التدخل، يبقى الاقتصاد الفلسطيني مرتبطًا بصورة مباشرة بحركة الشاقل والقرارات المالية الإسرائيلية. ولذلك، فإن أي ارتفاع في قيمة الشاقل يتحول سريعًا إلى ضغط إضافي على القدرة الشرائية للأسر الفلسطينية.
ولا تتوقف آثار هذه الأزمة عند الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي أيضًا.
ففي ظل ارتفاع البطالة، وضعف النمو الاقتصادي، وتأخر الرواتب أحيانًا، تتحول خسائر سعر الصرف إلى مصدر دائم للقلق وعدم اليقين. وتجد كثير من العائلات نفسها مضطرة إلى:
- تقليص الإنفاق،
- تأجيل الخطط المستقبلية،
- وإعادة ترتيب أولوياتها المعيشية بصورة مستمرة.
وتشير نتائج استطلاعات الرأي الخاصة بـ PCPO إلى أن الفلسطينيين باتوا يعيشون الضائقة الاقتصادية ليس فقط باعتبارها انخفاضًا في الدخل، بل كتآكل تدريجي في الشعور بالأمان والاستقرار والكرامة.
وبصراحة، لا يبدو أن هذه الأزمة ستنتهي قريبًا. فوفق المعطيات الحالية، من المرجح أن يبقى الشاقل قويًا خلال المرحلة المقبلة، ما لم تحدث أزمة اقتصادية أو أمنية كبيرة داخل إسرائيل، أو تدخل مباشر من بنك إسرائيل لإضعاف العملة، أو ارتفاع عالمي قوي في قيمة الدولار.
وقد يتحسن الدولار قليلًا أو يرتفع مؤقتًا، لكن ذلك لا يعني انتهاء المشكلة، لأن جوهر الأزمة أعمق من مجرد سعر صرف. فالمشكلة الحقيقية ترتبط بضعف الاقتصاد الفلسطيني واعتماده المباشر على الاقتصاد الإسرائيلي، في ظل غياب أدوات نقدية واقتصادية مستقلة قادرة على حماية السوق الفلسطينية من تقلبات العملات.
ولهذا، فإن الطرح الأكثر واقعية اليوم لا يقوم على انتظار نهاية قريبة للأزمة، بل على التكيف معها ومحاولة إدارة الخسائر بأقل قدر ممكن.
وفي النهاية، لا يخسر الفلسطينيون اليوم قيمة الدولار فقط، بل يخسرون أيضًا جزءًا إضافيًا من قدرتهم على الاحتمال داخل اقتصاد لا يملكون السيطرة عليه.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
