توفيق أبو شومر
أعترف أولا بأنني اقتبست عنوان هذا المقال من عنوان مقال كتبه الصحفي الإسرائيلي، متشل ديفيد إيفانز في صحيفة، يديعوت أحرونوت، يوم 20-5-2026م، وهو صحفي إسرائيلي ولد في أمريكا عام 1947م، هو مؤسس متحف أصدقاء صهيون في القدس، ومدير منظمة الكنائس المتحدة في إسرائيل، وهي منظمة مسيحانية صهيونية، عدد متابعيها في الصفحات الرقمية أكثر من ثلاثين مليون مُتابع! هذا الصحفي أصدر 120 كتابا في موضوعات سياسية عديدة!
اقتبستُ جملا عديدة من المقال لغرض لفت نظر كثيرين من المحللين والباحثين العرب والفلسطينيين إلى ضرورة قراءة تاريخ الأمم، كتبتُ هذه الأسطر لألفت نظر هؤلاء الذين يبنون معظم تحليلاتهم على مبادئ إعلامية شعبية غير محكمة وغير موثَّقة علميا، فهم يعتبون على أمريكا الديموقراطية، لأنها تدعم إسرائيل دعما بلا حساب، دعما غير مشروط، ويعزون سبب ذلك إلى أنه يعود لنفوذ اللوبي اليهودي الثري والذكي والاستخباري فقط!
هؤلاء الباحثون السطحيون لا يعرفون بأن أمريكا في الحقيقة في عهد مؤسسيها الأوائل من طائفة البيورتان في القرن السابع عشر الميلادي كانت عندهم هي (أورشليم) الجديدة، كانوا يؤمنون بأنهم هم اليهود الذين سيمهدون لعودة المسيح عودة ثانية، عندما وفد هؤلاء على أمريكا أسمَوا المدن بأسماء مدن فلسطين، مثل، بيت لحم، الخليل، الناصرة،، صهيون، وأسموا مستوطناتهم الأولى بأسماء؛ حبرون، سالم، كنعان، وفرضوا على أبنائهم تعلم اللغة العبرية، كما أن أول شهادة دكتوراة منحتها جامعة هارفرد عام 1642م كانت بعنوان (اللغة العبرية هي الأم)!
كما أن طائفة المرمون الأمريكية المتزمتة اعتبرت هجرتها لأمريكا تشبه بالضبط هجرة اليهود، لذلك فإنهم آمنوا بأن أمريكا نفسها هي (أرض الميعاد)، وهم يهودها تمهيدا لقدوم المسيح!
قال، متشل إيفانز كاتب المقال: "إن دعم المسيحانيين الصهاينة لإسرائيل ليس موقفا سياسيا، بل هو جذر ديني عميق، هناك سبعمائة مليون مسيحاني صهيوني في العالم لا يجب أن نغض الطرف عنهم، فهم سلاح إسرائيل السري! الغريب أن إسرائيل اعتادت أن تدعم الصهاينة اليهود أولا، ولكن الأهم هو دعم الصهاينة المسيحانيين، لأنهم يؤمنون بأن عودة اليهود لإسرائيل وإعلان تأسيسها عام 1948 كان نبوءة توراتية، كما جاء في سفر التكوين، رقم 12 في التوراة: (قال الربُ لإبرام: اذهب من أرضك ومن عشيرتك، ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك فأجعلك أمةً عظيمة، وأبارك مباركيك، وألعن لاعنيك)"!
لم يكتفِ الكاتب، متشل إيفانز بذلك، بل إنه أسهب في وصف جذور التعاون بين المسيحانية الصهيونية، وبين الصهيونية اليهودية، وهو يُقرُّ بأن قصة المسيحانية الصهيونية الحقيقية ما تزال مجهولة لأجيالنا حتى اليوم، فنتنياهو قال: "مهَّدّ الصهاينة المسيحانيون الطريق للصهيونية اليهودية، بحيث يصعب تصور ولادة إسرائيل بدون هذا الدعم من المسيحانيين الصهاينة في أمريكا وبريطانيا، وكان الدعم الرئيس من المسيحانية الصهيونية الأمريكية في القرن التاسع عشر، لذا فقد سهلت المسيحانية الصهيونية نجاح وصعود الصهيونية اليهودية"
كما أن الكاتب، متشل إيفانز أشار إلى ملفٍ مهمٍ جدا وهو أن عائلة، تين المسيحانية الصهيونية الهولندية، هذه العائلة كانت تؤمن بضرورة عودة اليهود إلى أرضهم في فلسطين! أقامت هذه العائلةُ عام 1844، قبل إعلان مؤتمر هرتسل صلاةُ أسبوعية تقول: "صلوا من أجل أورشليم حتى يفوز محبوك"!
كما أن الكاتب أشار إلى أصول عائلة، جورج بوش، الأب والإبن، وأن الجد الأول للعائلة كان قسيسا بروتستانتيا، هذا الجد كتب كتابا بعنوان (تراث إسرائيل) عام 1844م كان مؤمنا بأن اللغة العبرية ستُبعث من جديد، وأن الشعب اليهودي سيعود إلى أرض الميعاد! أشار الكاتب أيضا إلى انتقال الصهيونية المسيحانية قبل اثني عشر عاما من تأسيس الصهيونية أي عام 1878م، انتقلت من اللاهوت إلى السياسة، بدأ، لورنس أوليفانت يبشر بوطن قومي لليهود في فلسطين، وكان الشاعر، نفتالي نيوز وهو سكرتير شخصي لأوليفانت هذا الشاعر كتب نشيد (هاتكفا) وهو اليوم السلام الوطني الإسرائيلي الحالي، قبل هرتسل وقبل تأسيس إسرائيل!
استعدتُ مرة أخرى كتابا نشرته الكاتبة، ريجينا الشريف، ونشرته سلسلة عالم المعرفة الكويتية في الأول من يناير 1983م، اسم الكتاب هو (الصهيونية غير اليهودية) ترجمه، أحمد عبد العزيز إلى اللغة العربية.
كشفت، روجينا الشريف لي كثيرا من الحقائق التي كنت أجهلها في هذا الموضوع، فقد كنت أعتقد بما درسناه حشوا في مدارسنا التقليدية؛ بأن اللورد بلفور هو أول مؤسس لدولة إسرائيل، وأن الصهيوني، هرتسل هو المؤسس الأول للحركة الصهيونية، غير أنني عندما قرأت الكتاب أدركتُ أن المعلومات السابقة كانت معلومات سطحية لا تعتمد على البحث العلمي الدقيق الكاشف للحقيقة، وأن الحقيقة هي أن المؤسس الفعلي لإسرائيل هو سلاحُها السري (الصهيونية غير اليهودية) أو هو الصهيونية المسيحانية، المنتمية للمذهب البروتستانتي، وليس الكاثوليكي!
ومن النصوص المنشورة في الكتاب: "أرسل، جوانا دايبنزر، وكارترايت وهما انجليزيان من طائفة البيوريتان المسيحانية الصهيونية، وهما مقيمان في أمستردام عام 1649م، أرسلا طلبا للحكومة الإنجليزية يطلبان منها الطلب التالي: ليحملْ شعب إنجلترا، وسكان الأرض المنخفضة أبناءَ وبناتِ إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وُعد بها أجدادُهم، إبراهيم، اسحق، يعقوب، لتكون أرضهم للأبد" (صفحة 39)
ومن الأحداث المشابهة أن، وليم بلاكستون أرسل عام 1891 أي قبل حركة هرتسل الصهيونية بست سنوات رسالة للرئيس الأمريكي، بنيامين هاريسون يطالبه فيها بإعادة اليهود إلى فلسطين، جمع بلاكستون 413 توقيعا على الرسالة وكان الموقعون هم من أبرز رؤساء الطوائف الدينية في أمريكا!
اكتشفتُ أيضا أنَّ حقيقة تأسيس إسرائيل ليست من نواتج العبقرية والذكاء والنفوذ اليهودي، ولا لعبقرية هرتسل ووايزمان، وناحوم سوكولوف وغيرهم، بل إن حقيقة وجودهم لها جذور عميقة في التراث المسيحاني الإنجليكاني على وجه الخصوص، لأن الصهيونية غير اليهودية كانت هي بداية تأسيس إسرائيل، هذه الصهيونية غير اليهودية هي حركة تغلغلت في ثقافة الغربيين، وأن الحركة الصهيونية هي أحد الوجوه للاستعمار الغربي، نشأت الحركة وسط التيار الديني في الدول الإنجلوسكسونية البروتستانتية!
كما أن الباحثة، ريجينا الشريف برَّأَتْ الكاثوليكية من فكرة تأسيس إسرائيل، لأن الكاثوليك كانوا يؤمنون بأن نصوص التوراة التي تنص على عودة اليهود لفلسطين لا تنطبق على يهود اليوم، بل تنطبق على أعضاء الكنيسة المسيحية، لأن فلسطين هي وطن المسيح فقط، أما اليهود فهم وفق عقيدة الكاثوليك اقترفوا ذنوبا إثمة، فطردهم الله من فلسطين إلى منافيهم في بابل وإلى كثير من دول العالم، بهذا انتهي عهد عودة اليهود إلى فلسطين للأبد!
أشارت، روجينا إلى كيفية تبني العقيدة البروتستانتية لعودة اليهود إلى فلسطين، قالت: "اكتشف البروتستانت أن العهد القديم (التوراة) هو ركن رئيس في العقيدة البروتستانتية فهو المقدس وكتاب التاريخ الرئيسي عندهم، كما أنهم آمنوا بالعصر المسيحاني، وعودة المسيح المنتظر، آمنوا كذلك بأن إقامة دولة إسرائيل في فلسطين أصبحت قضية تخضع للفهم الشخصي عندهم، لأن البروتستانتي حر في فهم نصوص الكتاب المقدس" (صفحة 24 -28)
أشارت الكاتبة كذلك إلى، مارتن لوثر مؤسس المذهب البروتستانتي أوردت ما كتبه في كتابه (عيسى ولد يهوديا) المنشور عام 1523م: "شاءت الروح القدس أن تنزل أسفار الكتاب المقدس أي العهد القديم عن طريق اليهود وحدهم، لذلك فنحن الضيوف الغرباء، علينا أن نرضى بأن نأكل ما يتساقط من فتات مائدة الأسياد اليهود" (صفحة 33).
تذكرت من ملفاتي الشخصية ما نشرته صحيفة، يديعوت أحرونوت يوم 5-5-2018م الخبر التالي: "عُقد في القدس مؤتمر (الرومانيون يهود) نظَّمه الباحث الصهيوني، شموئيل أفيوكا، أثبت هذا الباحث أن الجنس الروماني هم من قبيلة، شمعون الضائعة، حضر المؤتمر مئات من الرومانيين من روسيا وأمريكا وفنلندا وأسبانيا وفرنسا"!
تذكروا أخيرا، أن هناك عشرة قبائل يهودية ما تزال ضائعة حتى اليوم، يجري البحث عنها وهي، قبيلة، لاوي، وشمعون، وزفولون، ويساكر، ودان، ونفتالي وجاد، وأشير، ومنسي، وإفرايم!
مع العلم أن يهود إسرائيل اليوم هما قبيلتان فقط، هما يهودا، وبنيامين!!
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
