بعد فوز دلال عريقات بأعلى الأصوات في «ثوري فتح»: شرعية الصندوق تفتح اختبار تجديد الحركة بين غزة والضفة والشارع الفلسطيني

دلال عريقات

في لحظة سياسية فلسطينية شديدة الحساسية، وضعت نتائج المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» اسم الدكتورة دلال عريقات في صدارة المشهد التنظيمي، بعدما نالت أعلى الأصوات في انتخابات المجلس الثوري للحركة، في نتيجة قرأتها عريقات بوصفها تعبيرًا عن ثقة واسعة من قواعد فتح، ورسالة سياسية تتجاوز شخصها إلى رغبة داخلية في التجديد واستعادة الحضور الشعبي للحركة.

وخلال مقابلة موسعة ضمن برنامج «تفاصيل» عبر تلفزيون فلسطين الرسمي تابعتها «وكالة قدس نت للأنباء»، قالت عريقات إن فوزها لم يكن مجرد «مباركة» أو إنجاز شخصي، بل «تكليف ومسؤولية» في مرحلة تصفها بأنها من أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية، في ظل حرب غزة وتداعياتها، وتصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية، واستمرار ملف الأسرى، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، واتساع الفجوة بين القيادة والشارع.

وأكدت عريقات أن حصولها على أعلى الأصوات شكّل «مفاجأة سعيدة»، لكنه في الوقت نفسه يعكس، برأيها، أن حركة فتح «حركة أحرار وأوفياء»، مشيرة إلى أن الثقة التي حصلت عليها جاءت من قطاعات متعددة، بينها الشباب والمرأة واللاجئون والشتات وأهالي قطاع غزة والأسرى المحررون.

ولم تفصل عريقات بين النتيجة الانتخابية وإرث عائلتها السياسي، إذ أقرت بأن حمل اسم الدكتور صائب عريقات يضعها أمام مسؤولية إضافية، لكنها شددت في المقابل على أن ما راكمته خلال السنوات الماضية من عمل أكاديمي وإعلامي ودبلوماسي كان حاضرًا في وعي الناخبين، خاصة بعد دورها في الدفاع عن الرواية الفلسطينية خلال الحرب على غزة.

وقالت إن أرقامها في مصر وغزة ولبنان كانت ذات دلالة خاصة بالنسبة لها، لأن هذه الساحات تعكس، كما أوضحت، حضور غزة والأسرى المحررين واللاجئين والشتات في العملية التنظيمية، معتبرة أن ثقة هذه الفئات تمثل «شهادة شرف» ومسؤولية مضاعفة.

وترى عريقات أن المؤتمر العام الثامن لم يكن مجرد محطة انتخابية داخلية، بل مساحة أعادت فتح النقاش السياسي داخل الحركة، ووفرت، بحسب تعبيرها، ما يشبه «الحوار الوطني» الذي كان الشارع الفلسطيني يتطلع إليه منذ سنوات. وأشارت إلى أن مخرجات المؤتمر حملت نسبة تغيير مهمة، خصوصًا في اللجنة المركزية، ورأت أن ذلك لا يجوز التقليل من قيمته، لأنه يعبر عن رغبة في التجدد وإدخال دماء وأدوات جديدة إلى بنية الحركة.

وفي حديثها عن المجلس الثوري، شددت عريقات على أن المجلس هو «برلمان حركة فتح»، وأن أعضاءه الجدد مطالبون ليس فقط بالعمل، بل بقبول المحاسبة والمساءلة، وبمراقبة أداء اللجنة المركزية وتعزيز من يعمل ومحاسبة من لا يعمل. وذهبت أبعد من ذلك حين قالت إن رصيد المنتخبين «يبدأ من الصفر»، وإن الثقة التي منحتها القواعد لا تعني امتيازًا أو تشريفًا، بل اختبارًا مفتوحًا أمام الشارع الفلسطيني.

وتوقفت عريقات طويلًا عند فكرة استنهاض حركة فتح واستعادة الثقة الشعبية، معتبرة أن الحركة لم تفقد دورها التاريخي، لكنها بحاجة إلى رفع مستوى حضورها وفاعليتها، والعودة إلى القاعدة الشعبية، لا عبر المناسبات والاحتفالات فقط، بل من خلال التواصل اليومي والانخراط الحقيقي مع الناس ومعاناتهم.

وفي هذا السياق، ربطت عريقات بين تجديد فتح وبين إعادة الاعتبار لأدوات العصر، وفي مقدمتها الخطاب السياسي والإعلامي والدبلوماسي، مؤكدة أن المعارك الحديثة لا تُحسم فقط في الميدان، بل أيضًا في القدرة على فرض الرواية، ومخاطبة عقول وقلوب العالم بلغة سياسية وقانونية وإنسانية مؤثرة.

وأوضحت أن حضور المرأة والشباب لا يجب أن يكون رمزيًا أو شكليًا، بل قائمًا على الكفاءة والخبرة والقدرة، مشيرة إلى أن المطلوب هو وضع «الرجل المناسب والمرأة المناسبة في المكان المناسب»، بما يخدم المشروع الوطني الفلسطيني لا الحسابات الشخصية أو التنظيمية الضيقة.

وعلى مستوى الملفات الوطنية، وضعت عريقات غزة والأسرى والضفة والقدس والاقتصاد في صدارة الأولويات، مؤكدة أن قطاع غزة حاضر في وجدانها السياسي والإنساني، وأن معاناة النساء والأطفال والنازحين في الخيام تفرض على كل قيادي فلسطيني أن يكون صوتًا لهم وصورة لمعاناتهم.

كما أشارت إلى أن الضفة الغربية تعيش تحت ضغط الاعتقالات اليومية، والإعدامات الميدانية، والحواجز العسكرية، فيما لا يزال آلاف الأسرى خلف القضبان، وهو ما يتطلب، من وجهة نظرها، إعادة ترتيب الخطاب الوطني بحيث تبقى هذه الملفات حاضرة في كل محفل سياسي وإعلامي ودبلوماسي.

وفي ما يتعلق بالقانون الدولي والدبلوماسية، أقرت عريقات بأنهما خذلا الفلسطينيين والإنسانية خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا في ظل الحرب على غزة، لكنها رفضت الاستنتاج بأن الحل هو التخلي عنهما. وقالت إن فلسطين تحتاج إلى مزيد من المتخصصين في القانون الدولي والدبلوماسية، وإلى كفاءات قادرة على تحويل الاعترافات الدولية والقرارات الأممية من مواقف رمزية إلى خطوات عملية يشعر بها المواطن الفلسطيني على الأرض.

واعتبرت أن العمل الدبلوماسي الفلسطيني يجب أن يكون تراكميًا ومنظمًا، وأن الاعتراف الدولي بفلسطين يجب ألا يبقى في حدود الإعلان السياسي، بل يجب أن يُترجم إلى ضغوط عملية على الاحتلال، وإلى مسارات ترفع كلفة استمرار السيطرة الإسرائيلية على حياة الفلسطينيين.

وبينما لم تخف عريقات وجود حالة من الإحباط في الشارع الفلسطيني، خصوصًا بين الشباب، قالت إن المؤتمر كشف أيضًا عن طاقات شبابية ونسائية وتنظيمية قادرة على إعادة الأمل، مؤكدة أن حركة فتح بحاجة إلى انتظام مؤتمراتها وتجديد أطرها بصورة دورية، بما يضمن دورانًا صحيًا في القيادة وإتاحة المجال أمام وجوه وأفكار جديدة.

وفي رسالة إلى من لم يحالفهم الحظ في الانتخابات، دعت عريقات إلى تجاوز ردود الفعل الغاضبة، والتمسك بالحركة وقيمها، مؤكدة أنها بحاجة إلى خبرات وتجارب كل من شارك ولم يفز، لأن المرحلة، كما قالت، أكبر من الحسابات الفردية وأصعب من أن تُدار بمنطق الخسارة والربح الشخصي.

وتخلص المقابلة إلى أن فوز دلال عريقات بأعلى الأصوات في المجلس الثوري لا يمكن قراءته كحدث انتخابي منفصل، بل كإشارة إلى تحولات داخل حركة فتح: جيل جديد يريد أن يربط الإرث التاريخي بأدوات العصر، وأن يعيد بناء العلاقة مع الشارع، وأن يحوّل الشرعية التنظيمية إلى أداء سياسي قابل للمساءلة.

وبذلك، تقف عريقات وزملاؤها في المجلس الثوري أمام اختبار سياسي وتنظيمي واسع: هل تكون نتائج المؤتمر بداية فعلية لاستنهاض فتح وتجديد مشروعها الوطني، أم تبقى محطة انتخابية عابرة في زمن فلسطيني مثقل بالحرب والانقسام والاحتلال؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله