بقلم الكاتبة نيفين الشاعر
بينما تنشغل شاشات التلفزة بإحصاء الخسائر البشرية والمادية في قطاع غزة، هناك حرب صامتة تدور رحاها ضد التاريخ نفسه، حرب لا تستهدف الحاضر فقط، بل تمتد مخالبها إلى عمق الماضي لتجريف الجذور، ومحو الشواهد التي تثبت حكاية الأرض والإنسان منذ آلاف السنين.
فلم تكن غزة يوماً مجرد بقعة جغرافية عابرة، بل كانت حلقة الوصل بين قارات العالم القديم، وممراً إلزامياً للقوافل والتجارة بين مصر والشام، تعاقبت عليها الحضارات من الكنعانيين والفلستيين، وصولاً إلى العهود البيزنطية والإسلامية بمختلف عصورها، هذا المزيج الحضاري الفريد تجسد في أزقة بلدتها القديمة، التي تحولت اليوم إلى مساحات من الغبار والركام.
الدمار الذي طال الآثار في غزة لم يكن هامشياً، بل أصاب في مقتل معالم كانت تعد بمثابة "البطاقة الشخصية" للمدينة:المسجد العمري الكبير: ذاكرة غزة الدينية والثقافية، الذي تدرج عبر العصور من معبد وثني إلى كنيسة بيزنطية ثم مسجد إسلامي، انهار مئذنته وجدرانه التي صمدت لقرون.كنيسة القديس برفيريوس: التي احتمى أهل غزة بظلها عبر مئات السنين باعتبارها ثالث أقدم كنيسة في العالم، نالت نصيبها من القصف لتمتزج دماء النازحين داخلها بحجارتها البيزنطية العريقة.المتاحف والمكتبات: مثل متحف قصر الباشا ومكتبة ناشيونال، التي كانت تضم مخطوطات نادرة وعملات أثرية تعود للعصور اليونانية والرومانية، نُهبت أو تحولت إلى ركام تحت الأنقاض.
فلسفة الإبادة الثقافية: لماذا يُستهدف التاريخ؟إن تدمير المعالم التاريخية في غزة ليس مجرد "أضرار جانبية" للحرب، بل هو جزء من إستراتيجية تُعرف في القانون الدولي بـ "الإبادة الثقافية" (Cultural Genocide). الهدف منها هو:قطع الصلة بالأرض: تجريد الفلسطيني من أدلته المادية التي تربطه جغرافياً وتاريخياً بالمكان.
تدمير الذاكرة الجماعية: تحويل المدينة إلى مساحة بلا هوية أو معالم، مما يسهل عملية الكي والوعي وإحباط الأجيال القادمة.اغتيال السياق الحضاري: تصوير غزة للعالم كبقعة معزولة من البؤس، وتجريدها من عمقها الإنساني والثقافي الذي ساهم في صياغة تاريخ البشرية.
صمود الذاكرة الرقمية والترميم المؤجل رغم أن المعالم الأثرية قد دُمرت مادياً، إلا أن هناك حراكاً فلسطينياً ودولياً خجولاً يحاول توثيق هذه الخسائر.
الدمار لم يكن عشوائياً، بل صاحَبته استراتيجيات ممنهجة لسلب الهوية حيث يرى خبراء الآثار الدوليون أن حجم الدمار في غزة فاق أي صراع آخر جرى توثيقه في العصر الحديث، إذ لم يتبقَ من شواهد الحضارات البيزنطية، والإسلامية، والرومانية سوى الغبار والأعمدة المحطمة.
* - نيفين الشاعر - كاتبة وصحفية فلسطينية - غزة
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
