تحليل قراءة للمسار السياسي المرتقب في القاهرة وإمكانية انتقال اتفاق غزة إلى مرحلته الثانية

يتفقد فلسطينيون موقع غارة إسرائيلية استهدفت تجمعاً للأفراد في ميناء غزة، غرب مدينة غزة، في 31 مايو/أيار 2026. (صورة: بلال أسامة)

في قراءة تحليلية تابعتها "وكالة قدس نت للأنباء" عبر قناة "الغد" الإخبارية، قدّم الدكتور سفيان أبو زايدة، الوزير الفلسطيني السابق والخبير في الشؤون الإسرائيلية، رؤية موسعة حول المسار السياسي المرتقب في القاهرة، وإمكانية انتقال اتفاق غزة إلى مرحلته الثانية، وسط تساؤلات متزايدة بشأن موقف حركة حماس من ملف السلاح، ومستقبل موظفيها في القطاع، ودور اللجنة الوطنية لإدارة غزة.

وقال أبو زايدة إن التحركات الجارية تأتي في لحظة وصفها بالحاسمة، مشيرا إلى أن وفد حركة حماس لم يتلقَّ، بحسب معلوماته، دعوة رسمية حتى الآن للتوجه إلى القاهرة، كما لم تُحدد بعد مواعيد نهائية للاجتماعات المرتقبة. لكنه رجّح أن تُوجَّه الدعوات خلال الأيام المقبلة، وأن تُعقد لقاءات مهمة قبل نهاية الأسبوع، بمشاركة حماس والوسطاء وأعضاء من مجلس السلام، وربما بمشاركة فصائل فلسطينية أخرى كما حدث في محطات سابقة.

الدكتور سفيان أبو زايدة


اجتماعات القاهرة.. لماذا تبدو مختلفة هذه المرة؟

يرى أبو زايدة أن الاجتماعات المقبلة، إن عُقدت، لن تكون كسابقاتها، لأنها ستناقش عمليا خارطة الطريق التي قدمها نيكولاي ملادينوف إلى مجلس الأمن، والتي اعتبرها آلية تنفيذية للقرار الأممي وخلاصة للنقاط التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة.

وبحسب قراءته، فإن الخطة المطروحة لا تُعد مبادرة منفصلة عن السياق الدولي، بل هي محصنة بقرار من مجلس الأمن، وبدعم من الإدارة الأميركية، وبغطاء من مجلس السلام، الأمر الذي يجعل موقف حركة حماس منها شديد الأهمية في هذه المرحلة.

وأوضح أن جوهر الخطة يقوم على قبول حماس بمبدأ تسليم السلاح أو تعطيله أو نزعه، مع تنفيذ متزامن للخطوات المطلوبة من إسرائيل، لا سيما ما يتعلق بالانسحاب من مناطق داخل قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق.

ما موقف حماس حتى الآن؟

قال أبو زايدة إن موقف حماس، حتى لحظة حديثه، لم يشهد تغييرا واضحا، ويتمثل في مطالبة إسرائيل أولا بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، ثم الانتقال إلى مناقشة المرحلة الثانية.

أما المقترح المطروح، بحسب أبو زايدة، فيطلب من حماس القبول أولا بمبدأ الخطة، خصوصا ما يتعلق بملف السلاح، على أن يجري بعد ذلك إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها بشكل متزامن ومتدرج.

وأشار إلى أن التفاصيل المطروحة تقوم على مبدأ “خطوة مقابل خطوة”، بمعنى ألا تنتقل العملية السياسية أو الأمنية من مرحلة إلى أخرى إلا بعد تنفيذ الطرف المقابل التزاماته. ووفق هذا التصور، لا يبدأ تسليم السلاح أو تفكيك القدرات العسكرية الثقيلة، مثل الصواريخ أو الأنفاق، قبل أن تنفذ إسرائيل بنودا مقابلة، وفي مقدمتها الانسحاب من مناطق احتلتها داخل القطاع.

أطفال ونساء فلسطينيات نازحات يصطففن لتلقي وجبات مجانية من مطبخ خيري خلال عيد الأضحى في مخيم النصيرات للاجئين. (صورة : حسن جدي)


هل وافقت إسرائيل على الخطة؟

أكد أبو زايدة، وفق معلوماته، أن إسرائيل أعطت موافقة مبدئية للرئيس الأميركي ولملادينوف على الالتزام بالخطة في حال وافقت عليها حماس. لكنه شدد على أن ضمان تنفيذ إسرائيل سيكون مسؤولية الولايات المتحدة ومجلس السلام.

ورغم ذلك، أوضح أن الضغط الأساسي في هذه اللحظة ينصب على حركة حماس، معتبرا أن الرفض قد يفتح الباب أمام تصعيد إسرائيلي أكبر في قطاع غزة.

ماذا لو رفضت حماس؟

حذر أبو زايدة من أن رفض حماس للخطة قد يمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضوءا أخضر لتوسيع العمليات العسكرية داخل القطاع. ورجح أن تسعى إسرائيل، في هذه الحالة، إلى السيطرة على مساحات أوسع قد تصل إلى نحو 70% من قطاع غزة، إلى جانب تكثيف الاغتيالات والعمليات العسكرية.

وقال إن السؤال الأهم الذي يجب طرحه ليس فقط ما إذا كانت الخطة مناسبة أو غير مناسبة، بل: ما البديل في حال الرفض؟ وأضاف أن الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن الأكبر عند استمرار التصعيد، سواء من خلال القتل أو الحصار أو الدمار أو تدهور الأوضاع الإنسانية.

اللجنة الوطنية وملف السلاح

وفي معرض حديثه عن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، دافع أبو زايدة عن الدور الذي يمكن أن تقوم به، موضحا أنها ليست الجهة الأصلية المعنية بملف السلاح، إذ إن هذا الملف، وفق الخطة، مرتبط بمجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية.

لكنه أشار إلى أن اللجنة الوطنية قبلت أن تكون الجهة الفلسطينية التي تتسلم السلاح، وذلك لتسهيل الأمر على حماس والفصائل المسلحة، بحيث تستطيع القول إنها سلمت السلاح إلى جهة فلسطينية، لا إلى إسرائيل أو إلى جهة أجنبية.

واعتبر أبو زايدة أن هذه النقطة مهمة سياسيا ورمزيا، لأنها تمنح حماس مخرجا أقل إحراجا في حال قررت القبول بالخطة.

في  ورشة عمل بدير البلح، وسط قطاع غزة، بتاريخ 31 مايو/أيار 2026، قام عمال فلسطينيون بتصنيع مقاعد مدرسية من منصات خشبية معاد تدويرها كانت تُستخدم في المساعدات. (صورة: يوسف أبو وطفة)


كيف ستتعامل اللجنة مع موظفي حماس؟

أما في الملف الأكثر حساسية، وهو ملف موظفي حماس في غزة، فقال أبو زايدة إن هذه القضية كانت من أبرز أسباب فشل مشاريع المصالحة السابقة بين حماس والسلطة الفلسطينية أو بين حماس وفتح.

وكشف، نقلا عن معلومات قال إنها ليست تحليلا أو تقديرا، أن اللجنة الوطنية حصلت على موافقة تضمن عدم إرسال أي موظف من الموظفين الحاليين إلى منزله من دون راتب.

وأوضح أن الموظفين سينقسمون إلى فئتين: الأولى سيتم استيعابها وستبقى على رأس عملها، والثانية قد تشمل من توجد عليهم تحفظات أمنية، وغالبا من الجانب الإسرائيلي، وهؤلاء سيحالون إلى بيوتهم مع تقاضي راتب تقاعدي.

وشدد أبو زايدة على أن “كل من يتقاضى راتبا الآن من حماس لن يُترك دون راتب”، معتبرا أن هذا الشرط حصلت عليه اللجنة الوطنية من مجلس السلام قبل دخولها إلى غزة وبدء عملها.

يحمل المشيعون جثمان الفلسطيني سالم قريقع خلال جنازته في مدينة غزة، قطاع غزة، في 30 مايو/أيار 2026. قُتل قريقع في غارة جوية إسرائيلية استهدفت حي الرمال في مدينة غزة أمس. صورة: عمر أشتوي


هل تمارس الدول الوسيطة ضغطا على حماس؟

رأى أبو زايدة أن الولايات المتحدة لم تمارس حتى الآن ضغطا كافيا على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، سواء فيما يتعلق بوقف الاغتيالات أو إدخال المساعدات أو منع التمدد العسكري داخل القطاع.

لكنه أضاف أن إسرائيل والولايات المتحدة هما الطرف الأقوى في المعادلة، بينما تدفع غزة الثمن عند تعثر المسار السياسي. ومن هنا، توقع أن يطلب مجلس السلام من الدول التي تربطها علاقات جيدة بحماس، مثل مصر وقطر وتركيا، ألا تكتفي بدور الوسيط، بل أن تمارس تأثيرا مباشرا على قرار الحركة.

دعوة إلى التفكير خارج الصندوق

في ختام تحليله، دعا أبو زايدة إلى مراجعة جدية للواقع في غزة، معتبرا أن القطاع يعيش وضعا كارثيا، وأن إسرائيل تسيطر عمليا على القطاع كله من خلال القصف والقتل والحصار والعمليات العسكرية.

وقال إن الحديث عن الصمود والمقاومة لا يجب أن ينفصل عن معاناة الناس اليومية، مؤكدا أن مقاومة الاحتلال حق مشروع للشعب الفلسطيني، لكنها لا تعني، على حد تعبيره، “ضرب الرأس في الحائط طوال اليوم والاعتقاد بأن الحائط سينهار”.

وختم أبو زايدة بالتشديد على ضرورة أخذ معاناة سكان غزة بعين الاعتبار، والبحث عن مقاربات مختلفة تجنب الفلسطينيين مزيدا من الخسائر، في ظل استمرار الدمار والقتل والحصار وتدهور الأوضاع الإنسانية داخل القطاع.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة