في لحظة سياسية وميدانية شديدة التعقيد، تزامن خطاب جديد للناطق العسكري باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، مع تحركات دبلوماسية متسارعة تقودها مصر وقطر وتركيا لمحاولة إنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتهامات فلسطينية لإسرائيل بالتنصل من التزاماتها، وتمسك إسرائيلي بملف نزع سلاح الفصائل بوصفه بوابة الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.
وحمّل أبو عبيدة، في كلمة مصورة بثت مساء الثلاثاء 02 يونيو/حزيران 2026، الوسطاء والضامنين مسؤولية ما وصفه بـ«لحظة الحقيقة»، داعياً إياهم إلى الوقوف مع أبناء قطاع غزة في مواجهة إسرائيل التي قال إنها «لا تحترم العهود ولا تقر بحرمة الاتفاقات». وجاء الخطاب بعد تأكيده استشهاد القياديين في كتائب القسام عز الدين الحداد ومحمد عودة، اللذين قال إنهما كانا من أبرز القادة المشاركين في التخطيط والإشراف على عمليات القسام، بما في ذلك أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما تبعها من إدارة ميدانية للحرب.
وقال أبو عبيدة إن المقاومة لا تخاطب الولايات المتحدة، بل تخاطب «أبناء الأمة» كي لا يساووا، بحسب تعبيره، بين «الضحية والجلاد»، داعياً إلى توحيد الجهود لإلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها بدلاً من مطالبة الفلسطينيين بتقديم مزيد من التنازلات. وأضاف أن إسرائيل «أساءت قراءة المشهد وأخطأت التقدير»، معتبراً أن اغتيال القادة لن يؤدي إلى إضعاف المقاومة، بل سيزيدها تمسكاً بخيارها.
وشدد الناطق باسم القسام على أن استشهاد القادة لا يعني نهاية التنظيم أو توقف مساره العسكري، قائلاً إن هناك جيلاً جديداً من القادة الميدانيين «تربوا في ميادين القتال وصقلتهم الحروب»، وإن غياب القيادات السابقة لم يفتّ في عضد المقاومة. كما وجه رسالة إلى سكان قطاع غزة، مؤكداً أن القسام ستبقى، وفق قوله، وفية لتضحياتهم ولمن احتضنوا أبناءها المقاتلين.
الوسطاء أمام اختبار جديد
خطاب أبو عبيدة جاء بينما تكثف «حماس» لقاءاتها مع الوسطاء في أنقرة والقاهرة والدوحة، في محاولة لبلورة مقاربات جديدة بشأن القضايا العالقة في اتفاق وقف إطلاق النار. فقد التقى وفد من المجلس القيادي للحركة، برئاسة محمد درويش وعضوية خالد مشعل وخليل الحية وزاهر جبارين، رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في أنقرة، حيث جرى بحث مسار الاتفاق والخروقات الميدانية والتعثر في الانتقال إلى المراحل التالية.
وتنتظر القاهرة وصول وفود من «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى، من بينها «الجهاد الإسلامي» و«الجبهة الشعبية» و«لجان المقاومة الشعبية» و«المبادرة الفلسطينية»، إضافة إلى ممثلين عن تيار محمد دحلان، للمشاركة في لقاءات مع الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك. ومن المتوقع أن تركز هذه الاجتماعات على صياغة مقترح مطور يعالج الخلافات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي، إدخال المساعدات والبضائع، عمل لجنة إدارة غزة، ومستقبل السلاح في القطاع.
وبحسب مصادر فلسطينية مطلعة، فإن «حماس» ستقدم أفكاراً تقريبية جرى التشاور بشأنها مع فصائل ووسطاء، على أن يقدم الوسطاء بدورهم مقاربات أخرى بهدف الوصول إلى صياغة موحدة يمكن نقلها إلى إسرائيل و«مجلس السلام» والإدارة الأميركية. وتسعى هذه الجهود، وفق المصادر، إلى منع أي خطوات أحادية الجانب في المرحلة المقبلة، سواء من إسرائيل أو من الأطراف الدولية الراعية للخطة.

عقدة السلاح والمرحلة الثانية
تتمحور الأزمة الحالية حول الانتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. ففي حين تقول «حماس» إن الأولوية يجب أن تكون لاستكمال استحقاقات المرحلة الأولى، بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي لا تزال تحتلها داخل قطاع غزة، وفتح المعابر وإدخال المساعدات، تصر إسرائيل و«مجلس السلام» على جعل نزع سلاح الفصائل بنداً مركزياً قبل المضي في أي ترتيبات لاحقة.
وتقول فصائل المقاومة إن ملف السلاح يجري استخدامه «ذريعة لتعطيل الاتفاق»، مؤكدة أنها منفتحة على حل شامل ضمن توافق وطني فلسطيني، شريطة أن يكون ذلك مرتبطاً بمسار سياسي يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وترى هذه الفصائل أن الطروحات الحالية تقفز، بحسب وصفها، فوق جوهر المبادرة التي على أساسها تم وقف إطلاق النار، لأنها تركز على نزع السلاح دون ضمانات سياسية أو انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع.
في المقابل، تنقل مصادر قريبة من «مجلس السلام» أن الممثل الأعلى لغزة، نيكولاي ملادينوف، يتمسك بخطة تقوم على حصر السلاح بالكامل داخل القطاع، سواء كان فصائلياً أو عشائرياً أو فردياً، ومنح لجنة إدارة غزة الصلاحية الكاملة لترتيب الوضع الأمني والقانوني. وتشير هذه المصادر إلى أن «مجلس السلام» يرى أن أي إعادة إعمار أو استقرار إداري وأمني في غزة يجب أن يرتبط بتسلم اللجنة مهامها عملياً.

خلاف حول لجنة إدارة غزة
وفي ظل هذا الانسداد، برزت لجنة إدارة غزة كواحدة من أبرز نقاط الخلاف. فقد أعلنت «حماس»، على لسان متحدثها حازم قاسم، أنها جاهزة لتسليم جميع ملفات الحكم في القطاع، بما في ذلك الملف الأمني، إلى اللجنة الوطنية التي تم التوافق عليها، لكنها اتهمت إسرائيل بمنع دخول اللجنة عبر المعابر، كما اتهمت ملادينوف بعرقلة مسارات المرحلة الثانية من خلال ربط دخول اللجنة بملفات لا علاقة لها ببنود وقف إطلاق النار.
وترى فصائل فلسطينية أن خريطة ملادينوف لإدارة غزة تمثل «ابتزازاً سياسياً وإنسانياً»، لأنها تربط المساعدات والوقود والإعمار بنزع السلاح، وتحاول وضع لجنة التكنوقراط في مواجهة الشارع الفلسطيني، بما قد يفتح الباب أمام توترات داخلية تخدم إسرائيل. ودعت هذه الفصائل اللجنة إلى الانحياز لمصالح الفلسطينيين ورفض أي ترتيبات لا تضمن انسحاباً إسرائيلياً واضحاً ووقفاً فعلياً للهجمات.
وتفيد مصادر مقربة من لجنة إدارة غزة بأن اجتماعات مرتقبة قد تعقد بعد منتصف الشهر الجاري في قبرص مع مسؤولين في «مجلس السلام» لبحث الخطوات المقبلة، بما فيها احتمالات اتخاذ إجراءات أحادية الجانب إذا لم يتحقق تقدم في مسار التفاوض.

انتقادات فلسطينية للوسطاء والضامنين
في خطابه، ركز أبو عبيدة على مسؤولية الوسطاء والضامنين، متسائلاً: «أين أنتم؟ وأين ضمانتكم؟ وأين التزامكم؟»، في إشارة إلى استمرار الهجمات الإسرائيلية وعمليات الاغتيال وما تصفه الفصائل الفلسطينية بانتهاكات متكررة لاتفاق وقف إطلاق النار.
كما دعا الشعوب العربية والإسلامية إلى عدم الوقوف على الحياد، معتبراً أن المرحلة الحالية تتطلب موقفاً أكثر فاعلية من القوى السياسية ومكونات الأمة. واستشهد بعمليات ومواجهات في الضفة الغربية وعلى حدود فلسطين ولبنان، في سياق حديثه عن امتداد جبهات الدعم لفلسطين، موجهاً التحية لكل من وقف مع غزة وساندها.
وتقول مصادر فلسطينية إن «حماس» طلبت من الوسطاء خلال الأيام الماضية التدخل بحزم أكبر لوقف التصعيد الإسرائيلي، معتبرة أن استمرار الهجمات يهدد مستقبل التهدئة ويفرغ جهود الوساطة من مضمونها. كما أكدت الحركة، خلال لقائها المسؤولين الأتراك، التزامها باتفاق وقف إطلاق النار، لكنها طالبت بموقف دولي واضح تجاه ما تصفه بتنصل إسرائيل من الاتفاق الذي رعاه وضمنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
مشهد مفتوح على التصعيد أو التسوية
تضع هذه التطورات اتفاق وقف إطلاق النار أمام مفترق حساس. فإسرائيل تضغط باتجاه نزع السلاح قبل أي تقدم سياسي أو ميداني، فيما تصر «حماس» والفصائل على تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى أولاً، وتربط أي نقاش حول السلاح بحل سياسي شامل لا يعزل غزة عن القضية الفلسطينية الأوسع.
وبين خطاب أبو عبيدة التصعيدي وتحركات الوسطاء الدبلوماسية، تبدو القاهرة مرشحة لأن تكون محطة اختبار جديدة لقدرة الأطراف على منع انهيار الاتفاق. فالوسطاء يسعون إلى إنتاج صيغة مشتركة قابلة للعرض على إسرائيل و«مجلس السلام» والإدارة الأميركية، بينما تحذر الفصائل من أن استمرار الضغط الميداني الإسرائيلي سيجعل أي جولة تفاوضية بلا جدوى.
وفي المحصلة، يتقاطع المساران العسكري والسياسي في غزة عند سؤال واحد: هل تنجح الوساطة في تحويل وقف إطلاق النار من هدنة هشة إلى مسار سياسي وأمني واضح، أم أن الخلاف حول السلاح والانسحاب وإدارة القطاع سيدفع المشهد مجدداً نحو التصعيد؟
