شهدت الضفة الغربية، الخميس 4 يونيو/حزيران 2026، موجة واسعة من الاقتحامات والاعتداءات الإسرائيلية التي امتدت من رام الله وسلفيت ونابلس وجنين، إلى بيت لحم والخليل والأغوار الشمالية، في يوم ميداني اتسم بتصعيد متزامن لقوات الاحتلال والمستعمرين، وانتهى باستشهاد الشاب هيثم عز الدين عمر حميدة، 18 عاماً، برصاص جيش الاحتلال في قرية بتّين شرق رام الله، واحتجاز جثمانه.
وأفادت وزارة الصحة بأن الهيئة العامة للشؤون المدنية أبلغتها باستشهاد الشاب حميدة برصاص الاحتلال، فيما أشارت مصادر محلية إلى أن قوات الاحتلال اقتحمت قرية بتّين، واندلعت مواجهات في المكان، أطلقت خلالها قنابل الغاز السام والصوت والرصاص الحي، ما أدى إلى احتراق أرض زراعية وسط القرية واستشهاد الشاب واحتجاز جثمانه.
وفي المقابل، أقر جيش الاحتلال بإطلاق النار على فلسطيني، زاعماً أنه ألقى زجاجات حارقة على مركبات إسرائيلية في شارع رئيسي، وقال إن قواته تلاحق فلسطينيين آخرين. وتأتي هذه الرواية في سياق يتكرر فيه استخدام الاحتلال لمزاعم “الخطر الأمني” لتبرير إطلاق النار واحتجاز الجثامين، في وقت تشدد فيه المصادر الفلسطينية على أن الحادثة وقعت خلال اقتحام عسكري للقرية.
رام الله: شهيد في بتّين ومحاولات استيلاء واعتداء على أطفال
لم يكن استشهاد حميدة الحدث الوحيد في محافظة رام الله والبيرة، إذ اقتحم مستعمرون منطقة رأس الفقيه في قرية دير السودان شمال غرب رام الله برفقة جرافات، في خطوة قالت مصادر محلية إنها تأتي تمهيداً للاستيلاء على المنطقة، علماً أن نحو 90% من أراضي القرية تقع فيها.
وفي قرية شقبا غرب رام الله، هاجم مستعمر عشرات الأطفال أثناء تدريبهم في ملعب القرية، ورشقهم بالحجارة والعصي ولاحقهم بمركبته، ما أدى إلى إصابة المدرب يوسف النصري بحجر مباشر، وفق إفادة المسؤول الإعلامي في مجلس قروي شقبا. ووفق المعطيات المحلية، جاء الاعتداء بحماية جنود الاحتلال الذين أطلقوا قنابل الغاز السام بكثافة تجاه الأهالي الذين هرعوا لحماية الأطفال.
كما اعتقلت قوات الاحتلال ثمانية مواطنين من محافظة رام الله والبيرة، بينهم المواطنة فردوس طناطرة من قرية أم صفا، وهي من ذوي الإعاقة الحركية، إلى جانب اعتقالات في بدرس ودير أبو مشعل بعد مداهمة منازل وتفتيشها. وأوردت وكالة “وفا” أسماء عدد من المعتقلين من دير أبو مشعل، بينهم خير سليمان البرغوثي وحمد خير سليمان ورعد خالد سليمان ويوسف البرغوثي ومحمود حريز وخالد المصري.
سلفيت ونابلس: اقتحامات واعتداءات على الطرق والممتلكات
وفي محافظة سلفيت، اقتحمت أعداد كبيرة من المستعمرين، بحماية قوات الاحتلال، بلدة كفل حارس شمال المدينة، وتوجهت إلى المقامات الإسلامية فيها، حيث أدت طقوساً تلمودية. وأغلقت قوات الاحتلال مداخل البلدة وشددت إجراءاتها العسكرية في محيطها، ما أعاق حركة المواطنين وتنقلهم.
وعلى الطريق الواصل بين قرية اللبن الشرقية جنوب نابلس ومدينة سلفيت، هاجم مستعمرون مركبات المواطنين في منطقة واد الشاعر، ما تسبب بأضرار مادية في عدد من المركبات. وتقول مصادر محلية إن مستعمري بؤرتين أقيمتا قبل أشهر في المنطقة يواصلون إغلاق الطريق والاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم ومزروعاتهم بشكل شبه يومي.
وفي نابلس، اقتحمت قوات الاحتلال حي التعاون ومنطقة نابلس الجديدة، وداهمت أحد المنازل وأجرت تحقيقاً ميدانياً مع قاطنيه. كما سلمت سلطات الاحتلال إخطارات بهدم عدد من المحلات التجارية على مفترق بلدة بزاريا شمال غرب نابلس، بذريعة شق طريق استعماري بين مستعمرتي “حومش” و”صانور”، يمر عبر أراضي برقة وسيلة الظهر وجبع والفندقمية.
وفي بلدة بورين جنوب نابلس، أتلف مستعمرون عمود كهرباء يغذي منزل المواطن أيمن عطا الله صوفان، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن المنزل. كما أصيب مواطن في بيتا جنوب نابلس بعد اعتداء مستعمرين عليه بالضرب المبرح، في وقت اقتحموا فيه بركساً زراعياً وحطموا محتوياته.

جنين والأغوار: خيم استيطانية وبركة مياه مهدومة
وفي جنين، نصب مستعمرون خيمتين في أراضي المواطنين في قرية بير الباشا جنوب المدينة، قرب خزان المياه المغذي للقرية، في مؤشر على محاولة فرض أمر واقع استيطاني جديد. وتزامن ذلك مع إغلاق قوات الاحتلال مداخل وشوارع في قرية زبوبا شمال غرب جنين، ما أعاق حركة المواطنين.
كما هاجمت قوات الاحتلال بيت عزاء في قرية عنزا جنوب جنين، وأطلقت قنابل الغاز السام المسيل للدموع، ما أجبر الموجودين على مغادرة المكان. وفي المدينة، اعتقلت قوات الاحتلال الشابين ضرغام زكارنة من حي واد عز الدين، وقصي خير الله من مخيم جنين والمقيم في بلدة اليامون، بعد اقتحامات طالت أحياء الزهراء وخروبة.
وفي الأغوار الشمالية، هدمت قوات الاحتلال بركة مياه للاستخدام الزراعي في منطقة الحمة، تبلغ سعتها 250 متراً مكعباً، وتعود للمواطن زياد شحادة. ويكتسب هذا النوع من الاستهداف أهمية خاصة في الأغوار، حيث تشكل المياه أحد عناصر الصمود الأساسية للمزارعين والرعاة في مواجهة الضغوط المتواصلة للتهجير والسيطرة على الأرض.
بيت لحم: اقتحامات واعتقالات وإغلاق طرق وهدم منشأة
في محافظة بيت لحم، أصيب خمسة مواطنين برضوض بعد اعتداء جنود الاحتلال عليهم خلال اقتحام بلدة الدوحة غرب المدينة ومداهمة منزل لعائلة مسالمة. ونقل المصابون إلى مستشفى بيت جالا الحكومي، وهم: أمين محمد عبد الهادي مسالمة، والشقيقان معتز وعماد رزق مسالمة، والشقيقان أيمن ومعتز أدهم مسالمة.
واقتحمت قوات الاحتلال منطقة برك سليمان السياحية الواقعة بين بلدة الخضر وقرية أرطاس، وتمركزت على امتداد البرك الثلاث، في استمرار لاقتحامات متكررة تستهدف المنطقة أثناء وجود المتنزهين. كما اعتقلت قوات الاحتلال الشابين أدهم رزق حمامرة ورشيد سميح حمامرة من قرية حوسان غرب بيت لحم، بعد دهم منزليهما وتفتيشهما.
وأغلقت قوات الاحتلال مدخل الريف الغربي لمحافظة بيت لحم عبر البوابة الحديدية أسفل الجسر القريب من ستاد الخضر الدولي، ما تسبب بتكدس المركبات وحرمان المواطنين من حرية التنقل. وترافق ذلك مع تشديد الإجراءات العسكرية في محيط حوسان ونصب حواجز وإغلاق طرق رئيسية وفرعية.
وفي منطقة “قبر حلوة” قرب بلدة دار صلاح شرق بيت لحم، هدمت قوات الاحتلال منشأة صناعية “مخرطة” تعود لعائلة دبش، بحجة عدم الترخيص، كما استولت على جرافة في بلدة الخضر تعود للمواطن مراد محمد المحسيري. وفي وقت لاحق، اقتحمت قوات الاحتلال بلدة بيت فجار جنوب بيت لحم وتمركزت في منطقة المثلث.

وفي قرية كيسان شرق بيت لحم، رعى مستعمرون أغنامهم في أراضي المواطنين قرب الشارع الرئيسي وبمحاذاة المنازل، ما أدى إلى إتلاف عدد من أشجار الزيتون. وتقول مصادر محلية إن القرية تتعرض في الفترة الأخيرة لتصعيد متزايد يشمل رعي الأغنام في الأراضي الخاصة، ومحاولات دهس، وملاحقة طلبة مدارس، وسرقة رؤوس أغنام.
الخليل: حراثة أراض وسرقة أغنام واعتقالات
وفي محافظة الخليل، حرث مستعمرون مساحات واسعة من أراضي المواطنين في منطقة الجلاطية شرق بلدة إذنا، تمهيداً لزراعتها والاستيلاء عليها، وهي أراض تعود ملكيتها لعدد من العائلات. كما هاجموا بركساً لتربية الأغنام يعود للمواطن رزق النطاح، وسرقوا عدداً منها، بعد أن منعوا الأهالي، بحماية قوات الاحتلال، من الوصول إلى المنطقة وأجبروهم على المغادرة.
وتأتي هذه الاعتداءات بعد يوم واحد من إحراق المستعمرين مساحات واسعة من الحقول الزراعية في الجلاطية، ضمن سلسلة اعتداءات يومية على المنازل والممتلكات تهدف إلى التضييق على المواطنين ودفعهم لترك أراضيهم.
كما اعتقلت قوات الاحتلال المواطن عز الدين عمر منسية من بلدة الظاهرية جنوب الخليل، بعد اقتحام منزله وتفتيشه والعبث بمحتوياته. وفي مخيم الفوار جنوب الخليل، اعتقلت قوات الاحتلال أربعة مواطنين بينهم شقيقان، هم: أحمد وخالد جابر نصار، وأسعد شاهر الشوابكة، وأشرف محمد البلاصي، خلال اقتحام واسع للمخيم تخلله انتشار في الطرق الرئيسية ومداهمة منازل واعتلاء أسطح بعضها.
مشهد واحد: السيطرة على الأرض وتقييد الحياة اليومية
تظهر مجمل الأحداث أن التصعيد لم يكن معزولاً في موقع واحد، بل توزع على أكثر من محافظة، وجمع بين القتل والاعتقال والهدم والإغلاق ومهاجمة الأطفال والمزارعين والرعاة ومركبات المواطنين. كما تكشف طبيعة الاعتداءات، من نصب الخيام وحراثة الأراضي ورعي الأغنام في ممتلكات المواطنين إلى هدم منشآت وبرك مياه وإخطارات الهدم، عن نمط ميداني يستهدف الأرض والموارد ومساحات الحركة اليومية.
ويقرأ الفلسطينيون هذا التصعيد باعتباره جزءاً من سياسة أوسع لفرض وقائع استيطانية جديدة، خصوصاً في المناطق الزراعية والريفية والمناطق المصنفة هدفاً للتوسع الاستعماري، حيث تتحول الاعتداءات المتكررة إلى ضغط مباشر على السكان، وتدفعهم إلى مواجهة يومية لحماية أراضيهم ومنازلهم وطرقهم ومصادر رزقهم.
وبين استشهاد الشاب هيثم حميدة في بتّين واحتجاز جثمانه، واتساع اعتداءات المستعمرين من رام الله إلى الخليل وبيت لحم وجنين ونابلس وسلفيت والأغوار، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة أكثر توتراً، عنوانها الأبرز أن الاحتلال لا يستهدف الإنسان وحده، بل يستهدف المجال الحيوي الكامل للفلسطينيين: الأرض، والماء، والزراعة، والطرق، والممتلكات، وحتى أماكن العزاء وملاعب الأطفال.
