لبنان بين إعلان واشنطن ورسالة نتنياهو: مفاوضات معلّقة وإسرائيل «لا تبدي رغبة بالتفاوض»

غارة جوية إسرائيلية على مدينة النبطية في جنوب لبنان (غيتي).webp

مصدر دبلوماسي لبناني للجزيرة: جولة 22 الشهر غير محسومة... ونتنياهو يربط السلام بتفكيك حزب الله

تتزايد الشكوك في بيروت بشأن مصير جولة المفاوضات المرتقبة في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، في ظل تقديرات دبلوماسية لبنانية تفيد بأن إسرائيل لا تبدي رغبة حقيقية في التفاوض، وتتعامل مع المسار القائم باعتباره مساراً مفروضاً عليها بفعل الضغوط الأميركية وموازين القوى الميدانية.

وقال مصدر دبلوماسي لبناني لقناة الجزيرة إن مصير جولة المفاوضات المقررة لم يُحسم بعد، مشيراً إلى أن «موازين القوى في الميدان هي التي أوصلتنا إلى إعلان واشنطن»، وأن أي طرف لا يملك حالياً القدرة على تقديم مكاسب تفوق ما تحقق في مفاوضات واشنطن.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يحاول فيه المسار الأميركي احتواء الانزلاق المتواصل على الجبهة اللبنانية، عبر صيغة تقوم على وقف التدهور الميداني، وعودة الجيش اللبناني والسكان إلى المناطق الحدودية، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار، لكن من دون أن تتضح بعد فرص تحويل هذا الإعلان إلى اتفاق قابل للتنفيذ.

وبحسب المصدر الدبلوماسي اللبناني، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يريد الاستمرار في حربه في لبنان حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية، معتبراً أن إسرائيل لا تتعامل مع التفاوض بوصفه خياراً سياسياً جدياً، بل بوصفه مساراً اضطرت إليه تحت ضغط الواقع والوساطة الأميركية.

وأوضح المصدر أن واشنطن تملك أدوات تأثير على إسرائيل، لكن هامش حركتها يبقى مرتبطاً بطبيعة التحالف القائم بين الجانبين، ما يجعل الضغوط الأميركية محدودة أو انتقائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقرارات الحرب والأمن التي يربطها نتنياهو بحساباته الداخلية والإقليمية.

ويتمحور «إعلان واشنطن»، وفق المصدر، حول هدف أساسي يتمثل في وقف التدهور، وتهيئة الظروف لعودة الجيش اللبناني إلى مناطق جنوبية حساسة، وعودة السكان إلى قراهم، والشروع في مسار إعادة الإعمار. غير أن تنفيذ هذه الأهداف يصطدم بعقبات ميدانية وسياسية، أبرزها استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وموقف «حزب الله»، وحجم الضمانات التي يمكن أن تقدمها واشنطن للطرفين.

وتبرز في هذا السياق فكرة «المناطق التجريبية» بوصفها مدخلاً وحيداً، وفق المصدر الدبلوماسي، لوقف التدهور عبر انتشار الجيش اللبناني وسحب المسلحين منها. وتقوم الفكرة على اختبار ترتيبات أمنية موضعية في مناطق محددة، قبل تعميمها على نطاق أوسع، بما يسمح بإعادة السكان تدريجياً ووقف الانهيار الأمني والإنساني في الجنوب.

غير أن هذه المقاربة تواجه اختباراً صعباً، إذ ترى بيروت أن أي ترتيبات أمنية لا يمكن أن تنجح من دون وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب القوات من المناطق التي دخلتها أو تسيطر عليها، بينما تصر إسرائيل على ربط أي تهدئة بتفكيك البنية العسكرية لـ«حزب الله» وإبعاده عن الجنوب.

نتنياهو في رسالة إلى لبنان


وفي رسالة مباشرة إلى اللبنانيين، قال نتنياهو إن إسرائيل «تتوق إلى السلام» مع لبنان، مؤكداً أن بلاده ليست في حالة حرب مع الشعب اللبناني. لكنه ربط هذا السلام بتفكيك «حزب الله»، متهماً الحزب وإيران بأنهما يريدان جر إسرائيل إلى الحرب مراراً وتكراراً.

وأضاف نتنياهو أن «حزب الله أضعف من أي وقت مضى»، زاعماً أن إسرائيل قتلت نحو 10 آلاف عنصر من الحزب، ومشدداً على أن الاحتمالات ستكون «بلا حدود» بمجرد تفكيك الحزب. وتعكس هذه الرسالة محاولة إسرائيلية للفصل خطابياً بين الدولة اللبنانية و«حزب الله»، لكنها في الوقت نفسه تضع شرطاً عالياً لأي تسوية سياسية أو أمنية.

وتقرأ مصادر لبنانية خطاب نتنياهو باعتباره رسالة ضغط أكثر من كونه مبادرة سلام، إذ يطرح رئيس الوزراء الإسرائيلي السلام من بوابة نزع سلاح «حزب الله» وتفكيك بنيته العسكرية، من دون تقديم ضمانات موازية تتعلق بوقف العمليات الإسرائيلية أو الانسحاب أو إعادة الإعمار أو معالجة ملفات الحدود والنزوح.

ويزيد هذا التباين من غموض جولة الثاني والعشرين من الشهر، إذ تبدو واشنطن أمام مهمة معقدة: منع توسع الحرب من جهة، وإقناع إسرائيل بالانخراط في مسار تفاوضي فعلي من جهة أخرى، مع مراعاة هشاشة الوضع اللبناني الداخلي وحساسية أي ترتيبات تتصل بسلاح «حزب الله» وانتشار الجيش في الجنوب.

وتخشى أوساط لبنانية أن تتحول المفاوضات إلى غطاء لإدارة الحرب لا لإنهائها، خصوصاً إذا استمرت إسرائيل في تنفيذ ضربات وعمليات ميدانية بالتوازي مع الحديث عن السلام. كما تخشى أن تُستخدم «المناطق التجريبية» كاختبار أمني طويل المدى من دون ضمانات واضحة لعودة السكان أو وقف الخروقات أو إطلاق الإعمار.

في المقابل، يراهن المسار الأميركي على أن تثبيت ترتيبات محدودة في الجنوب قد يفتح الباب أمام خفض التصعيد، ومن ثم الانتقال إلى تفاهم أوسع يشمل عودة الدولة اللبنانية إلى المناطق الحدودية، وتقليص حضور المسلحين، وضبط الحدود، وبدء إعادة الإعمار.

لكن العقدة الأساسية تبقى في سؤال الإرادة السياسية الإسرائيلية. فبينما يقول نتنياهو إن إسرائيل تريد السلام مع لبنان، يرى المصدر الدبلوماسي اللبناني أن تل أبيب لا تبدي رغبة فعلية في التفاوض، وأنها تفضل إدارة المعركة حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية، بما يجعل أي مسار سياسي رهينة للحسابات الداخلية في إسرائيل ولحجم الضغط الأميركي الممكن.

وبذلك، يقف لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد: إعلان واشنطن يطرح طريقاً لوقف التدهور وعودة الجيش والسكان والإعمار، لكن إسرائيل ترفع سقف شروطها إلى تفكيك «حزب الله»، و«حزب الله» يرفض أي صيغة تبدو أقرب إلى الإذعان، فيما تحاول بيروت انتزاع مكاسب تحفظ الحد الأدنى من السيادة والاستقرار وتمنع الجنوب من التحول إلى ساحة مفتوحة لحرب طويلة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس/بيروت