من الاعتراف إلى بناء القدرة: هل بدأ العالم الاستثمار في الدولة الفلسطينية قبل اكتمال سيادتها؟

بقلم: نبيل كوكالي

الدكتور نبيل كوكالي

بقلم : د. نبيل كوكالي
رئيس ومؤسس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)

تشهد القضية الفلسطينية في المرحلة الراهنة تحولاً ملحوظاً في طبيعة التعاطي الدولي معها، يتمثل في تزايد الترابط بين مساري الاعتراف السياسي والتنمية الاقتصادية. فبالتزامن مع اتساع دائرة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، أطلق الاتحاد الأوروبي والبنك الأوروبي للاستثمار مبادرات تمويلية غير مسبوقة لدعم الاقتصاد الفلسطيني والقطاع الخاص والمؤسسات الوطنية. وتكمن أهمية هذا التحول ليس فقط في حجمه المالي أو السياسي، بل في دلالته الأعمق، إذ يعكس توجهاً دولياً متنامياً ينظر إلى الشرعية السياسية والقدرة الاقتصادية باعتبارهما عنصرين متكاملين في دعم الدولة الفلسطينية وتعزيز مقومات صمودها واستمرارها.

وتستند النتائج الواردة في هذا المقال إلى استطلاع رأي عام أجراه المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025 لقياس اتجاهات الفلسطينيين نحو الاعتراف الدولي والأوروبي بالدولة الفلسطينية وتداعياته السياسية والاقتصادية. وقد نُفذ الاستطلاع باستخدام أسلوب المقابلات الهاتفية بمساعدة الحاسوب (CATI) وتقنية الاتصال العشوائي بالأرقام (RDD) لضمان تمثيل مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني. وشملت العينة 313 مستجيباً من الضفة الغربية وقطاع غزة، بواقع 60.4% من الضفة الغربية و39.6% من قطاع غزة، فيما بلغت نسبة الذكور 51.1% مقابل 48.9% للإناث. وقد بلغ معدل الاستجابة 68%، بهامش خطأ ±5.5% عند مستوى ثقة 95%.

 

كما يستند التحليل الوارد في هذا المقال إلى نتائج عدد من استطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) خلال عام 2026 حول الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والهجرة والصمود المجتمعي وغيرها، إضافة إلى بيانات واستطلاعات دولية ذات صلة، من بينها استطلاع رويترز/إبسوس لعام 2025 حول مواقف الرأي العام الأمريكي تجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وذلك بهدف وضع نتائج الدراسة في سياقها الوطني والدولي الأوسع.

الاعتراف الدولي: من الرمزية السياسية إلى تعزيز الشرعية

شهد عاما 2024 و2025 تطوراً غير مسبوق في مسار الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية. فقد صوتت 143 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح توسيع حقوق فلسطين داخل المنظمة الدولية، كما ارتفع عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى أكثر من 150 دولة حول العالم. كما شهدت هذه الفترة اعتراف إسبانيا وأيرلندا والنرويج بالدولة الفلسطينية في مايو/أيار 2024، قبل أن تنضم خلال عام 2025 دول غربية مؤثرة مثل البرتغال وفرنسا والمملكة المتحدة وكندا وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا.

ولا تكمن أهمية هذه الاعترافات في بعدها الرمزي فقط، بل في كونها تعكس تحولاً تدريجياً في رؤية المجتمع الدولي للقضية الفلسطينية، من اعتبارها أزمة سياسية أو إنسانية طويلة الأمد إلى اعتبارها قضية تتعلق بحق شعب في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. كما أن اتساع دائرة الاعترافات الغربية يمنح الفلسطينيين زخماً سياسياً وقانونياً إضافياً في المحافل الدولية ويعزز قدرتهم على الاستفادة من الأدوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة.

وتظهر نتائج الاستطلاع أن الفلسطينيين يدركون أهمية هذا التحول. فقد رأى 62.9% من المستجيبين أن الاعتراف الدولي يعزز الحقوق الوطنية الفلسطينية، بينما اعتبر 73.5% أنه يقوي المكانة القانونية والدبلوماسية لفلسطين. كما رأى 41.2% أن أهم أثر للاعتراف يتمثل في زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية على إسرائيل.

ومع ذلك، تكشف النتائج عن مستوى مرتفع من الواقعية السياسية لدى الفلسطينيين. فبينما ينظرون بإيجابية إلى الاعترافات الدولية، يرى 37.4% أن الاعتراف وحده لن يؤدي إلى تغيير ملموس على الأرض في المستقبل القريب. كما يعتقد 40.6% أن هذه الاعترافات قد تزيد الضغوط والتوترات السياسية قبل أي حوار سياسي جديد، بينما يرى 27.2% أنها لن تؤثر بصورة جوهرية على عملية السلام. وفي المقابل، يعتقد 29.7% أنها قد تساهم في إعادة إحياء المفاوضات، بينما يرى 38.7% أن الهدف الرئيسي منها هو زيادة الضغوط على إسرائيل للعودة إلى المسار التفاوضي.

وتشير هذه النتائج إلى أن الفلسطينيين يميزون بوضوح بين الشرعية القانونية والقدرة الفعلية على تجسيد الدولة. فالاعتراف الدولي يُنظر إليه باعتباره خطوة مهمة لتعزيز المكانة السياسية والقانونية لفلسطين، لكنه لا يُنظر إليه باعتباره بديلاً عن بناء المؤسسات أو تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. ومن هنا تبرز أهمية التزامن بين اتساع الاعتراف الدولي من جهة، وتزايد الاستثمارات والجهود الرامية إلى تعزيز قدرة الاقتصاد والمؤسسات الفلسطينية على الصمود والاستمرار من جهة أخرى.

 

الاستثمار الأوروبي: من إدارة الأزمة إلى بناء القدرة

لكن التحول الأهم ربما لا يتمثل في الاعتراف السياسي وحده، بل في ما يرافقه من توجه متزايد نحو الاستثمار في مقومات الاقتصاد الفلسطيني ومؤسساته. فبعد عقود تركز خلالها الجزء الأكبر من الدعم الدولي على المساعدات الإنسانية وإدارة الأزمات، بدأت تظهر مؤشرات على انتقال تدريجي نحو مقاربة تستهدف تعزيز القدرة الاقتصادية والمؤسسية الفلسطينية على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، أعلن الاتحاد الأوروبي في أبريل/نيسان 2025 برنامجاً متعدد السنوات لفلسطين بقيمة 1.6 مليار يورو للفترة 2025–2027، يتضمن 620 مليون يورو لدعم السلطة الفلسطينية والإصلاح المؤسسي، و576 مليون يورو لمشاريع التعافي والتنمية والصمود، إضافة إلى ما يصل إلى 400 مليون يورو من التمويل المخصص للقطاع الخاص الفلسطيني عبر البنك الأوروبي للاستثمار.

كما أطلقت منصة الاستثمار الفلسطينية–الأوروبية برنامجاً تمويلياً بقيمة 395 مليون دولار لدعم المشاريع الفلسطينية الصغيرة والمتوسطة من خلال خمسة بنوك فلسطينية رئيسية، حيث حصل بنك فلسطين على 150 مليون دولار، وبنك القدس على 100 مليون دولار، وبنك الاستثمار الفلسطيني على 70 مليون دولار، والبنك الوطني على 50 مليون دولار، وبنك القاهرة عمان على 25 مليون دولار. كذلك خُصصت 3.5 مليون يورو للمساعدة الفنية وبناء القدرات المؤسسية، تم تنفيذ 2.1 مليون يورو منها حتى الآن، فيما تبقى 1.4 مليون يورو لاستكمال البرامج المقررة.

وتتجاوز أهمية هذه المبادرات حجم التمويل المخصص لها، إذ تعكس تحولاً في طبيعة الدعم الدولي لفلسطين من التركيز على الإغاثة قصيرة الأجل إلى الاستثمار في بناء مؤسسات أكثر قدرة على الاستمرار وتعزيز دور القطاع الخاص باعتباره محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. كما أن توجيه جزء كبير من هذه التمويلات عبر البنوك الفلسطينية يشير إلى مستوى متقدم من الثقة الدولية بالقطاع المالي الفلسطيني وقدرته على إدارة الموارد وتوجيهها نحو الأنشطة الإنتاجية.

وفي هذا الإطار، أكد وزير المالية والتخطيط الفلسطيني الدكتور اسطفان سلامة ونائب محافظ سلطة النقد الفلسطينية محمد مناصرة أهمية هذه الاتفاقيات في توسيع وصول القطاع الخاص إلى التمويل وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة. ومن جانبهم، شددت نائبة رئيس البنك الأوروبي للاستثمار جيلسومينا فيليوتي، والقائم بأعمال المدير العام لإدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج في المفوضية الأوروبية مايكل كارنيتشنغ، على أن هذه المبادرات لا تهدف إلى توفير التمويل فحسب، بل إلى تعزيز الصمود الاقتصادي الفلسطيني وتحفيز النمو وخلق فرص العمل، انطلاقاً من رؤية تربط بين التنمية الاقتصادية والإصلاح المؤسسي والاستقرار السياسي.

ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى هذه الاستثمارات باعتبارها مجرد برامج تمويلية منفصلة، بل باعتبارها جزءاً من توجه دولي أوسع يسعى إلى تعزيز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على العمل والاستمرار رغم القيود والتحديات القائمة. فكما يمنح الاعتراف الدولي فلسطين قدراً أكبر من الشرعية السياسية، فإن الاستثمار في مؤسساتها واقتصادها يمنحها قدرة أكبر على تحويل هذه الشرعية إلى واقع اقتصادي ومؤسسي أكثر استدامة.

الولايات المتحدة: بين الدعم التقليدي والتحولات المحتملة

على الرغم من استمرار الاعتقاد السائد بأن الولايات المتحدة ستبقى الداعم الرئيسي لإسرائيل، حيث يرى 57.2% من الفلسطينيين أن واشنطن ستواصل دعمها لإسرائيل، فإن هناك مؤشرات على تغيرات تدريجية في الرأي العام الأمريكي قد تحمل دلالات مهمة على المدى البعيد. فقد أظهر استطلاع أجرته رويترز وإبسوس  2025 أن 59% من الأمريكيين يؤيدون اعتراف الولايات المتحدة بالدولة الفلسطينية، وهو ما يعكس تنامياً في القبول الشعبي لفكرة الدولة الفلسطينية داخل المجتمع الأمريكي.

وفي المقابل، يعتقد 20.4% من الفلسطينيين أن الولايات المتحدة قد تتبنى مستقبلاً دوراً أكثر توازناً في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بينما يرى 19.5% أنها قد تعدّل مواقفها بصورة تدريجية. ورغم أن هذه المؤشرات لا تعني حدوث تحول جذري وشيك في السياسة الأمريكية، فإنها تعكس إدراكاً فلسطينياً بأن البيئة الدولية المحيطة بالقضية الفلسطينية تشهد تغيرات تدريجية قد تساهم مستقبلاً في تعزيز فرص الاعتراف الدولي والدعم السياسي والاقتصادي للدولة الفلسطينية.

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مهم حول مستقبل المساعدات الأمريكية للفلسطينيين ودورها في دعم الاقتصاد الفلسطيني خلال السنوات القادمة. فبينما تقود أوروبا اليوم جهوداً متزايدة للاستثمار في المؤسسات والقطاع الخاص الفلسطيني، ما زال الدور الأمريكي في المجال التنموي أقل وضوحاً. ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق فقط بإمكانية استئناف أو توسيع برامج المساعدات الأمريكية، بل أيضاً بمدى استعداد واشنطن للانخراط في التوجه الدولي المتنامي الذي يربط بين دعم التنمية الاقتصادية الفلسطينية وتعزيز فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

ومن هذا المنظور، فإن التحولات الجارية لا تقتصر على اتساع دائرة الاعترافات الدولية أو زيادة الاستثمارات الأوروبية فحسب، بل تشمل أيضاً مؤشرات على تغير أوسع في المزاج الدولي تجاه القضية الفلسطينية، وهو ما قد يفتح المجال أمام بيئة دولية أكثر دعماً لمشروع الدولة الفلسطينية خلال السنوات المقبلة.

الاقتصاد الفلسطيني تحت الضغط

تأتي هذه المبادرات الأوروبية في وقت يواجه فيه الاقتصاد الفلسطيني تحديات غير مسبوقة، الأمر الذي يفسر الأهمية المتزايدة للدعم الاقتصادي والاستثماري في نظر الفلسطينيين. فقد أظهرت نتائج الدراسة أن 57.7% من الفلسطينيين يصفون أوضاعهم الاقتصادية بأنها سيئة أو سيئة جداً، مقابل 42.3% فقط يرون أنها جيدة أو جيدة إلى حد ما. كما تعيش 59% من الأسر الفلسطينية بدخل شهري يقل عن 2000 شيكل، في حين لا تتجاوز نسبة الأسر التي يزيد دخلها الشهري على 6000 شيكل 3.3%  فقط.

وتنعكس هذه الأوضاع بوضوح على سوق العمل؛ إذ تبلغ نسبة العاملين 37% فقط من أفراد العينة، مقابل 32.8% من العاطلين عن العمل. وتزداد خطورة هذه المؤشرات في ضوء التقديرات الدولية التي تشير إلى فقدان أكثر من 500  ألف وظيفة نتيجة الحرب والقيود الإسرائيلية، مع توقعات بارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 57% إذا استمرت الظروف الحالية.

كما أظهرت النتائج أن 43.3% من الفلسطينيين غير راضين بدرجات مختلفة عن حياتهم الحالية، بينهم 30.5% غير راضين إطلاقاً، وهو ما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني. وفي ظل هذه الظروف، تكتسب الحزم الاستثمارية الأوروبية أهمية تتجاوز قيمتها المالية المباشرة، إذ لا ينظر إليها باعتبارها مجرد أدوات لدعم النمو الاقتصادي، بل كوسيلة للمساهمة في حماية فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتقوية قدرة الفلسطينيين على الصمود والبقاء في أرضهم.

ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في الاقتصاد الفلسطيني جزءاً من عملية أوسع تتجاوز التنمية الاقتصادية التقليدية، لتتصل مباشرة ببناء مقومات الدولة الفلسطينية المستقبلية. فكما يعزز الاعتراف الدولي الشرعية السياسية والقانونية لفلسطين، تسهم الاستثمارات الاقتصادية في تعزيز قدرتها المؤسسية والتنموية، بما يجعل مشروع الدولة أكثر قدرة على الحياة والاستمرار عندما تتوافر الظروف السياسية المناسبة.

تحديات المقاصة وأزمة الشيكل: الاختبار الحقيقي للاستدامة الاقتصادية

ورغم أهمية المبادرات الاستثمارية الأوروبية الأخيرة، فإن الاقتصاد الفلسطيني ما زال يواجه تحديات هيكلية عميقة تتجاوز مسألة التمويل المباشر، وفي مقدمتها أزمة أموال المقاصة والعلاقة المالية المعقدة مع إسرائيل، إضافة إلى مشكلة فائض الشيكل المتراكم في الجهاز المصرفي الفلسطيني.

وقد أظهرت نتائج استطلاع سابق أجراه المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) أن 69.4% من الفلسطينيين يعتقدون أن القيود الإسرائيلية على القطاع المصرفي تحمل أهدافاً سياسية للضغط على السلطة الفلسطينية، بينما رأى 68.7% أن القيود المفروضة على تحويل فائض الشيكل إلى إسرائيل تمثل السبب الرئيسي لتفاقم الأزمة النقدية. كما أعرب 62.3% عن مخاوف كبيرة من تفاقم مشكلة تراكم الشيكل داخل البنوك الفلسطينية، في حين توقع 82.4% أن تؤدي الأزمات المالية المستمرة إلى تأخير أو تعثر دفع الرواتب مستقبلاً.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة لأن الاقتصاد الفلسطيني ما زال يعتمد بصورة كبيرة على أموال المقاصة التي تشكل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة، كما يعتمد على استمرار العلاقات المصرفية مع البنوك الإسرائيلية لتسوية المدفوعات التجارية والمالية. ولذلك فإن نجاح الاستثمارات الأوروبية الجديدة لن يعتمد فقط على حجم التمويل المتاح، بل أيضاً على قدرة الاقتصاد الفلسطيني على العمل ضمن بيئة مالية مستقرة تضمن انسياب المدفوعات والتجارة وتحويل الأموال بصورة طبيعية.

ومن هذا المنطلق، فإن بناء اقتصاد فلسطيني أكثر قدرة على الصمود لا يتطلب الاستثمار في المشاريع وفرص العمل فحسب، بل يستدعي أيضاً معالجة الاختناقات المالية والقيود الهيكلية التي تحد من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على النمو والاستفادة الكاملة من أي فرص استثمارية جديدة. فالدولة القابلة للحياة تحتاج إلى مؤسسات قوية واستثمارات منتجة، لكنها تحتاج أيضاً إلى نظام مالي مستقر وقادر على العمل بكفاءة واستقلالية.

ماذا يريد الفلسطينيون؟

ولعل أحد أكثر الجوانب أهمية في هذه النتائج هو أنها تتقاطع بصورة لافتة مع طبيعة التحول الجاري في الدعم الدولي لفلسطين. ففي الوقت الذي بدأت فيه مؤسسات أوروبية ودولية توجّه موارد أكبر نحو الاستثمار في الاقتصاد الفلسطيني والقطاع الخاص وبناء القدرات المؤسسية، أظهرت نتائج الاستطلاع أن الفلسطينيين أنفسهم ينظرون إلى الدعم الاقتصادي والاستثماري باعتباره الأولوية الأكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة. فقد اعتبر 39.6% من المستجيبين أن الدعم الاقتصادي والاستثماري يمثل الأولوية الأهم، مقابل 31% فقط أعطوا الأولوية للاعتراف السياسي والقانوني، بينما رأى 28.1% أن المسارين متساويان في الأهمية.

ولا تعني هذه النتائج تراجع أهمية الاعتراف الدولي، بل تعكس إدراكاً متزايداً لدى الفلسطينيين بأن بناء الدولة لا يعتمد على الشرعية السياسية وحدها، وإنما يتطلب أيضاً اقتصاداً قادراً على توفير فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة وتعزيز قدرة المؤسسات على الاستمرار. ولذلك، فإن التزامن بين اتساع الاعتراف الدولي بفلسطين وبين تنامي الاستثمارات والدعم الاقتصادي الموجه لمؤسساتها وقطاعها الخاص يبدو أكثر انسجاماً مع أولويات الفلسطينيين أنفسهم.

فما تقوله هذه الأرقام هو أن الفلسطينيين لا ينظرون إلى الاعتراف والاستثمار باعتبارهما مسارين متنافسين، بل باعتبارهما عنصرين متكاملين في مشروع الدولة. فالاعتراف يمنح الشرعية، بينما يوفر الاستثمار المقومات العملية التي تجعل هذه الشرعية قابلة للتحول إلى واقع اقتصادي ومؤسسي مستدام. وربما لهذا السبب توقع 36.4% من المستجيبين أن يسهم الاعتراف الدولي في تحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية، بينما رأى 38.7% أن آثاره الإيجابية ستظهر على المدى الطويل، وهو ما يعكس إدراكاً واسعاً للعلاقة الوثيقة بين الشرعية السياسية والتنمية الاقتصادية.

 

الصمود والبقاء على الأرض

رغم الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة، ما زال الصمود يشكل أحد أبرز ملامح الوعي الفلسطيني. فقد أظهرت النتائج أن 84.6% من الفلسطينيين يعتقدون بوجود سياسات تهدف إلى دفعهم نحو الرحيل أو إضعاف استقرارهم الاجتماعي، بينما يرى 38% أن الضغوط الاقتصادية تمثل الأداة الرئيسية لتحقيق ذلك.

ومع ذلك، أكد 56.4% من الفلسطينيين أنهم لا يفكرون بالهجرة إطلاقاً، مقابل 35.4% فقط يفكرون بالهجرة بدرجات متفاوتة. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ضوء التطورات الأخيرة المرتبطة بالاعترافات الدولية والاستثمارات الأوروبية، إذ تشير إلى أن تعزيز الشرعية السياسية لفلسطين من جهة، ودعم الاقتصاد الفلسطيني وخلق فرص العمل من جهة أخرى، يشكلان معاً ركيزتين أساسيتين لتعزيز صمود الفلسطينيين وتمكينهم من البقاء في أرضهم. فكل اعتراف دولي يعزز مكانة فلسطين السياسية والقانونية، وكل استثمار اقتصادي يساهم في تحسين الظروف المعيشية وتوسيع فرص العمل، بما يجعل الصمود أكثر قدرة على الاستمرار والاستدامة

الخاتمة: نحو شراكة في الاستقرار والتنمية وبناء الدولة

تكشف التطورات الأخيرة عن تحول تدريجي في طبيعة الدعم الدولي المقدم للفلسطينيين. فبينما ارتبط الدور الدولي لعقود طويلة بالمساعدات الإنسانية والمالية وبرامج الإغاثة والتنمية التقليدية، تتجه المبادرات الأوروبية والغربية الحالية بصورة متزايدة نحو الاستثمار في المؤسسات والقطاع الخاص والبنية الاقتصادية القادرة على توليد فرص العمل وتحقيق الاستدامة. ويعكس هذا التحول إدراكاً متنامياً بأن بناء الدولة لا يقتصر على الاعتراف السياسي أو تقديم المساعدات الطارئة، بل يتطلب تعزيز قدرة المجتمع والاقتصاد والمؤسسات على الصمود والاستمرار.

وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية خاصة في ظل التحديات الاقتصادية غير المسبوقة التي يواجهها الفلسطينيون، بما في ذلك فقدان أكثر من نصف مليون فرصة عمل نتيجة الحرب والقيود الإسرائيلية، إضافة إلى حرمان عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومن هنا، فإن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وخلق فرص عمل جديدة لا يمثلان أهدافاً اقتصادية فحسب، بل يشكلان استثماراً مباشراً في الاستقرار الاجتماعي والصمود الوطني.

وفي الوقت نفسه، فإن نجاح هذه الجهود يتطلب معالجة عدد من المعوقات التي ما زالت تحد من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الاستفادة الكاملة من فرص النمو والاستثمار، وفي مقدمتها القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع، وإغلاقات الطرق والمعابر، والتحديات المرتبطة بالحواجز، وعدم انتظام تحويل أموال المقاصة، وأزمة فائض الشيكل، والقيود المرتبطة بالعلاقات المصرفية والتجارية. فكلما تراجعت هذه المعوقات، ازدادت قدرة الاستثمارات الجديدة على خلق فرص العمل وتحقيق النمو وتعزيز الاستقرار، وتحول الدعم الدولي من مجرد تعهدات مالية إلى نتائج ملموسة على الأرض.

وتؤكد التطورات الراهنة أن بناء الدولة الفلسطينية لا يعتمد على الشرعية السياسية وحدها، كما لا يمكن أن يقوم على الدعم الاقتصادي وحده، بل على التكامل بينهما. فبينما تعزز الاعترافات الدولية المكانة القانونية والدبلوماسية لفلسطين، تسهم الاستثمارات الاقتصادية والإصلاحات المؤسسية في بناء مقومات الدولة وتعزيز قدرتها على النمو والاستمرار. ولذلك، فإن التحول الأهم في هذه المرحلة لا يتمثل فقط في عدد الدول التي تعترف بفلسطين، بل في أن جزءاً متزايداً من المجتمع الدولي بدأ يستثمر في قدرة الدولة الفلسطينية المستقبلية على العمل وبناء مؤسساتها قبل اكتمال سيادتها السياسية.

ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراف الدولي والاستثمار الاقتصادي والإصلاحات المؤسسية تشكل معاً مكونات مرحلة جديدة قد لا تفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية بصورة فورية، لكنها تسهم في بناء الأسس السياسية والاقتصادية والإدارية اللازمة لجعلها أكثر قدرة على الحياة والاستمرار عندما تتوافر الظروف السياسية المناسبة. وتؤكد التجارب الاقتصادية حول العالم أن الاستقرار والازدهار لا يمكن أن يتحققا بصورة مستدامة في بيئة تسودها الأزمات المزمنة والتفاوتات الحادة، بل يترسخان عندما يستندان إلى مصالح متبادلة واستقرار إقليمي مشترك.

ولذلك، فإن وجود اقتصاد فلسطيني أكثر قدرة على النمو وتوفير فرص العمل لا يمثل مصلحة فلسطينية فحسب، بل يخدم أيضاً مصالح الاستقرار الإقليمي الأوسع. وبالمعنى نفسه، لا ينبغي النظر إلى التنمية والازدهار الاقتصادي للفلسطينيين والإسرائيليين باعتبارهما معادلة صفرية يربح فيها طرف على حساب الآخر، بل باعتبارهما مصلحة مشتركة يمكن أن تسهم في بناء الثقة وتوسيع فرص التعاون وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق سلام أكثر استدامة وعدالة في المستقبل. فبناء السلام المستدام لا يبدأ فقط بالاتفاقات السياسية، بل ببناء مؤسسات فاعلة واقتصاد قادر على توفير الأمل والكرامة والاستقرار للجميع.

وربما تكون الرسالة الأهم التي تكشفها هذه المرحلة أن بناء الدولة لا يبدأ لحظة إعلانها الرسمي، بل يبدأ عندما تتوافر لها الشرعية السياسية والمؤسسات القادرة على العمل والاقتصاد القادر على الصمود. وإذا كانت الدولة الفلسطينية لم تكتمل سيادتها بعد، فإن كثيراً من المؤشرات الحالية توحي بأن جزءاً متزايداً من المجتمع الدولي بدأ يتعامل معها بوصفها مشروع دولة يستحق الاستثمار في مقومات بقائه ونموه واستدامته. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد يقتصر على موعد قيام الدولة الفلسطينية، بل أصبح يتعلق أيضاً بمدى التقدم الذي يتحقق اليوم في بناء الأسس السياسية والاقتصادية والمؤسسية التي ستجعل هذه الدولة أكثر قدرة على الحياة والاستمرار عندما تتوافر الظروف السياسية المناسبة.

الاستثمار في الدولة قبل قيامها

قد لا تكون الدولة الفلسطينية اليوم أقرب إلى التحقق السياسي الكامل مما كانت عليه في مراحل سابقة، إلا أن المؤشرات المتاحة تشير إلى أن جزءاً متزايداً من المجتمع الدولي بدأ يتعامل معها بوصفها مشروع دولة يستحق الاستثمار في مقومات بقائه واستدامته، تمهيداً لليوم الذي تصبح فيه هذه الدولة واقعاً سياسياً قائماً.

نبذة عن المؤلف
د. نبيل كوكالي، مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)، وباحث متخصص في استطلاعات الرأي العام ومنهجيات المسوح. يمتلك أكثر من ثلاثة عقود من الخبرة في البحوث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأشرف على العديد من الدراسات الوطنية والدولية في فلسطين والشرق الأوسط.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت