في لحظة سياسية تبدو مفصلية داخل إسرائيل، لم يعد مستقبل بنيامين نتنياهو يُناقش فقط في استطلاعات الرأي أو أروقة المعارضة، بل بدأ يتسلل إلى داخل حزب الليكود نفسه، الحزب الذي أعاد نتنياهو تشكيله طوال عقود حتى بات يصعب الفصل بين صورته وصورة زعيمه الأطول بقاءً في رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
أحدث مؤشرات هذه اللحظة جاءت من معركة داخلية تبدو تنظيمية في ظاهرها، لكنها سياسية بامتياز: طريقة اختيار قائمة الليكود للكنيست المقبلة. فبعد أسابيع من التلويح بإلغاء الانتخابات التمهيدية داخل الحزب واستبدالها بـ«لجنة تنظيمية» تختار المرشحين، أفادت هيئة البث الإسرائيلية «كان» بأن نتنياهو تراجع عن هذا الخيار، مفضلاً الإبقاء على البرايمرز، لكن مقابل توسيع عدد المواقع المضمونة التي يملك حق تعيين مرشحيها في القائمة، بما يتراوح بين ثمانية وعشرة مواقع.
هذا التراجع لا يعني نهاية الأزمة داخل الليكود، بل بداية مرحلة مساومة أكثر حساسية. فنتنياهو، وفق تقارير إسرائيلية، يرى أن التنازل عن فكرة اللجنة التنظيمية قد يمنحه فرصة أفضل لانتزاع موافقة داخلية على «التحصينات» أو المقاعد المضمونة، بما يتيح له إدخال أسماء يراها أكثر قدرة على مخاطبة الناخبين المترددين، وإعادة هندسة القائمة بما يلائم معركة انتخابية صعبة. غير أن خصوم الخطوة داخل الحزب، وفي مقدمتهم عضو الكنيست دافيد بيتان، يرون فيها محاولة لتغيير قواعد اللعبة قبل أسابيع من البرايمرز، وتفريغ الآلية الديمقراطية التي يتباهى بها الليكود من مضمونها.
معركة على القائمة أم على ما بعد نتنياهو؟
يبدو الخلاف حول البرايمرز أكبر من كونه خلافاً إجرائياً. فالقائمة المقبلة ستحدد ليس فقط حظوظ الليكود في الانتخابات، بل أيضاً شكل الحزب في اليوم التالي لنتنياهو، سواء جاء هذا اليوم قريباً أو تأخر. يريد نتنياهو قائمة أكثر انضباطاً وأقل إرباكاً انتخابياً، بينما يخشى كثير من النواب والوزراء الحاليين أن تؤدي المقاعد المضمونة إلى إزاحتهم من مواقع واقعية، خاصة إذا تراجع الليكود في عدد المقاعد.
هنا تكمن المفارقة: نتنياهو يحتاج إلى السيطرة على القائمة كي يخوض الانتخابات من موقع أقوى، لكن محاولة السيطرة ذاتها تكشف أن مركز قوته داخل الحزب لم يعد مطلقاً كما كان. فشخصية مثل بيتان، المعروف بثقله التنظيمي داخل الليكود، لم تكتفِ بالاعتراض العلني، بل لجأت إلى المحكمة الداخلية للحزب، معتبرة أن إلغاء البرايمرز أو الالتفاف عليها يشكل مساساً بجوهر الليكود كحزب يقوم على الانتخاب الداخلي.
وتنقل الصحافة الإسرائيلية عن معارضي نتنياهو داخل الليكود تحذيراً واضحاً: إذا تحولت القائمة إلى قائمة «على صورة الزعيم»، فإن الحزب قد يخسر إحدى أهم ميزاته التاريخية، وهي قدرته على تجديد نخبته عبر قواعده التنظيمية. أما مؤيدو نتنياهو أو المتفهمون لخطوته فيرون أن البرايمرز، كما تعمل حالياً، قد ترفع أسماء شعبوية أو مثيرة للجدل إلى مراكز متقدمة، بما يضر بقدرة الليكود على استعادة أصوات يمينية معتدلة أو مترددة.
انتخابات تقترب وكتلة لا تضمن الأغلبية
تأتي هذه الأزمة في ظل تسارع الاستعدادات لانتخابات الكنيست المقبلة. فالموعد الدستوري الأقصى للانتخابات هو أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2026، لكن مسار حل الكنيست دفع باتجاه تبكيرها ضمن نافذة تتراوح بين 8 سبتمبر/أيلول و20 أكتوبر/تشرين الأول. وهذا يعني أن نتنياهو يخوض معركة الوقت أيضاً: وقت كافٍ لترتيب الحزب، وقليل بما يكفي لمنع خصومه من بناء زخم أكبر.
حتى الآن، يؤكد نتنياهو عزمه الترشح مجدداً. لكن الترشح لا يعني ضمان القدرة على تشكيل حكومة. فاستطلاعات عدة خلال الأسابيع الأخيرة أظهرت أن كتلة نتنياهو لا تصل إلى أغلبية 61 مقعداً، وأن معسكر خصومه بات أقرب، في بعض السيناريوهات، إلى تشكيل حكومة من دون الأحزاب العربية. كما أظهر استطلاع للقناة 12 أن غالبية المستطلعين يفضلون ألا يترشح نتنياهو مجدداً، وهي نتيجة تعكس تآكلاً في شرعيته العامة، لا داخل معسكره فقط.
هذا لا يعني أن نتنياهو انتهى سياسياً. فقد سبق أن عاد من أوضاع بدت أكثر صعوبة، واستطاع مراراً تفكيك خصومه، وبناء ائتلافات غير متوقعة، وتحويل أزمات شخصية إلى معارك هوية بين «يمين» و«يسار»، أو بين «الشعب» و«المؤسسات». لكن الجديد هذه المرة أن ثلاثة ضغوط تتقاطع ضده في وقت واحد: أزمة الثقة بعد إخفاقات 7 أكتوبر والحروب اللاحقة، محاكمته المستمرة في قضايا الفساد، والاهتزاز غير المسبوق في علاقته مع دونالد ترامب.
المحكمة كظل دائم فوق الحملة
قانونياً، لا يزال نتنياهو يخوض محاكمته في ملفات الفساد المعروفة بالقضايا 1000 و2000 و4000، والمتعلقة باتهامات الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وهي اتهامات ينفيها باستمرار ويصفها بأنها حملة سياسية ضده. لكن الأثر السياسي للمحاكمة لم يعد هامشياً. فكل جلسة جديدة تعيد إلى الواجهة سؤالاً داخلياً في إسرائيل: هل يخوض رئيس الحكومة معركة الدولة أم معركة بقائه الشخصي؟
تقارير إسرائيلية حديثة ذهبت أبعد من ذلك، إذ تحدثت عن نقاشات مغلقة داخل الليكود حول احتمال اعتزال نتنياهو أو توقيعه صفقة ادعاء إذا تدهورت فرصه الانتخابية. هذا السيناريو لا يزال تقديرياً وليس قراراً معلناً، لكنه لم يعد محرماً كما كان في السابق. ففي حزب بُني طويلاً حول نتنياهو، مجرد طرح سؤال «من يخلفه؟» يمثل تغيراً عميقاً في المزاج الداخلي.
المعادلة التي يواجهها نتنياهو قاسية: إذا ذهب إلى الانتخابات وخسر، فقد يفقد قدرته التفاوضية في الملف القضائي. وإذا انسحب قبل الانتخابات، فقد يفتح حرب خلافة داخل الليكود لا يضمن أحد نتائجها. وإذا خاض الانتخابات وفاز، فإنه يثبت مرة أخرى أنه السياسي الأكثر قدرة على النجاة في إسرائيل، لكنه سيبقى محكوماً بتوازنات ائتلافية صعبة وبقضية قضائية لم تُغلق.
ترامب: من أكبر رصيد إلى مصدر ضغط
على الجبهة الخارجية، يواجه نتنياهو متغيراً لا يقل خطورة: علاقته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فالرجل الذي بنى نتنياهو جزءاً كبيراً من صورته الداخلية على قربه منه، بات في الأسابيع الأخيرة مصدراً علنياً للضغط والإحراج. فقد أكدت «رويترز» أن ترامب أقرّ باستخدامه وصفاً حاداً بحق نتنياهو في مكالمة متوترة حول لبنان، بينما تحدثت «أكسيوس» عن غضب أميركي من خطوات إسرائيلية كادت، وفق الرواية الأميركية، تعرقل مسار التفاهم مع إيران.
الأزمة ليست في الألفاظ وحدها، بل في مضمون الخلاف. واشنطن تريد تحويل المكاسب العسكرية ضد إيران وحلفائها إلى تسوية سياسية تقلل احتمالات الحرب المفتوحة، بينما يعتقد نتنياهو وحلفاؤه في اليمين الإسرائيلي أن التسوية قد تمنح إيران وقتاً لإعادة بناء قوتها، خصوصاً إذا لم تشمل قيوداً صارمة على الصواريخ الباليستية ونفوذ طهران الإقليمي.
ازدادت حدة الرسالة الأميركية مع تصريحات نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي ذكّر منتقدي الاتفاق داخل إسرائيل بأن واشنطن هي الحليف الأقوى المتبقي لهم، وأن جزءاً كبيراً من منظومة الدفاع الإسرائيلية يعتمد على السلاح والمال الأميركيين. هذه اللغة بدت في إسرائيل غير مألوفة، لأنها لا تأتي من إدارة ديمقراطية متهمة تقليدياً بالضغط على نتنياهو، بل من إدارة جمهورية طالما عُدّت الأكثر قرباً من اليمين الإسرائيلي.
نتنياهو ومعضلة «النصر غير المكتمل»
لطالما بنى نتنياهو سرديته السياسية على أنه «رجل الأمن» القادر على قراءة إيران وحماية إسرائيل من الأخطار الوجودية. لكن الحرب الأخيرة والتفاهم الأميركي الإيراني وضعاه أمام معادلة صعبة: إسرائيل حققت، وفق الرواية الرسمية، إنجازات عسكرية كبيرة، لكنها لم تحصل على نهاية سياسية تتيح لنتنياهو إعلان «نصر كامل» بلا تحفظات. في غزة، لا تزال آثار الحرب السياسية والإنسانية تطارد حكومته. في لبنان، تضغط واشنطن باتجاه وقف إطلاق نار أكثر صلابة. وفي إيران، تبدو الولايات المتحدة مستعدة للتفاوض حيث تريد إسرائيل مواصلة الضغط.
هذا الوضع يضعف إحدى أهم أدوات نتنياهو الانتخابية: القدرة على القول إنه الوحيد الذي يعرف كيف يدير العلاقة مع واشنطن ويحمي إسرائيل من إيران. فإذا ظهر ترامب باعتباره من يضبط إسرائيل لا من يمنحها تفويضاً مفتوحاً، فإن خصوم نتنياهو سيجدون مادة ثمينة لاتهامه بأنه بالغ في الرهان على حليف واحد، وفشل في حماية استقلال القرار الإسرائيلي.
سيناريوهات المستقبل
أمام نتنياهو أربعة مسارات رئيسية، ولكل منها كلفة ومخاطر.
الأول أن يخوض الانتخابات حتى النهاية، بعد انتزاع عدد واسع من المقاعد المضمونة داخل الليكود، محاولاً تقديم قائمة أكثر قابلية للتسويق واستعادة أصوات اليمين المتردد. هذا هو السيناريو الذي يبدو حالياً الأكثر انسجاماً مع سلوكه السياسي المعلن.
الثاني أن يتراجع تحت ضغط الاستطلاعات والمحاكمة، ويفتح الباب أمام صفقة ادعاء أو خروج منظم من الحياة السياسية. هذا سيناريو غير مؤكد، لكنه صار مطروحاً في الإعلام الإسرائيلي وفي أحاديث مغلقة داخل الليكود، بعدما كان مجرد التفكير فيه محرماً تقريباً.
الثالث أن يخوض الانتخابات ويخسر القدرة على تشكيل حكومة، وعندها يبدأ الليكود فعلياً معركة الخلافة. في هذه الحالة قد تظهر أسماء مثل نير بركات أو ياريف ليفين أو إسرائيل كاتس أو أمير أوحانا أو غيرهم، لكن من دون ضمان أن يستطيع أي منهم جمع معسكر اليمين كما فعل نتنياهو.
الرابع، وهو الأقل استبعاداً رغم صعوبة الاستطلاعات، أن ينجح نتنياهو مرة أخرى في قلب المعادلة: إضعاف خصومه، استثمار الخوف الأمني، جمع أحزاب يمينية ودينية، والعودة على رأس ائتلاف ضيق. هذا السيناريو يبقى ممكناً لأن التجربة الإسرائيلية مع نتنياهو أثبتت أن نهاياته السياسية كثيراً ما أُعلنت قبل أوانها.
الخلاصة
مستقبل نتنياهو السياسي لم يعد يُحسم فقط في صناديق الاقتراع العامة، بل في ثلاث ساحات متزامنة: داخل الليكود، حيث يخوض معركة السيطرة على القائمة؛ داخل المحكمة، حيث تواصل قضاياه القانونية ملاحقته؛ وفي واشنطن، حيث تحولت علاقته مع ترامب من رصيد انتخابي صافٍ إلى عامل ضغط معقد.
الزعيم الذي اعتاد إدارة السياسة الإسرائيلية من موقع المتحكم بالإيقاع يجد نفسه اليوم أمام إيقاعات متعددة لا يملك ضبطها كلها. ومع ذلك، فإن إعلان نهاية نتنياهو يبقى مقامرة تحليلية محفوفة بالمخاطر؛ فقد جعل من البقاء فناً سياسياً، ومن الأزمات سلّماً للعودة. لكن الفارق هذه المرة أن السؤال لم يعد فقط: هل يستطيع نتنياهو الفوز؟ بل: هل يستطيع الليكود، وإسرائيل السياسية كلها، تخيل مرحلة ما بعده؟
