تؤكد التطورات الأخيرة داخل اللجنة المركزية الجديدة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» أن الخلافات التنظيمية لم تُطوَ بعد انتخاب القيادة الجديدة، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر حساسية مع بدء توزيع المناصب والمفوضيات القيادية داخل الحركة التي تقود منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.
وبرز الخلاف بوضوح مع غياب القياديين البارزين محمود العالول وجبريل الرجوب عن الاجتماع الأخير للجنة المركزية، الذي خُصص لمناقشة توزيع المهام التنظيمية والمفوضيات، وعُقد برئاسة نائب رئيس الحركة حسين الشيخ.
وبحسب مصادر فتحاوية، تعود جذور التوتر إلى الاجتماع الأول للجنة المركزية الجديدة، الذي ترأسه الرئيس محمود عباس (أبومازن) في الثالث من الشهر الجاري، حين جرى اختيار حسين الشيخ نائبا لرئيس حركة «فتح»، خلفا لمحمود العالول، من دون توافق كامل داخل اللجنة.
وتقول المصادر إن الاعتراضات التي ظهرت في الاجتماع الأول لم تجد طريقها إلى المعالجة، وإن الصورة الجماعية التي نُشرت عقب الاجتماع لم تنجح في إخفاء حجم التباين داخل القيادة الجديدة، خصوصا لدى العالول والرجوب، اللذين كانا يتوقعان أن تجري عملية ترتيب المناصب وفق تفاهمات أوسع داخل اللجنة المركزية.
ووفق مصادر مطلعة، فإن التوتر في الاجتماع الأول عطل نقاش ملفات أساسية، بينها أمانة سر اللجنة المركزية، ونائب أمين السر، ومفوضيات التعبئة والتنظيم في الضفة الغربية وقطاع غزة والخارج، إضافة إلى مفوضيات الإعلام والعلاقات الدولية والمنظمات الشعبية والمالية.
ويقول مسؤولون في الحركة إن العالول والرجوب يرفضان حتى الآن حضور أي اجتماع للجنة المركزية يترأسه حسين الشيخ، معتبرين أن طريقة إدارة المرحلة الجديدة خرجت عن تقاليد «فتح» القائمة على التوافق وجماعية القيادة.
وفي هذا السياق، قال جبريل الرجوب إن غيابه وغياب محمود العالول عن الاجتماع الأخير جاء احتجاجا على ما وصفه بالخروج عن «تقاليد الحركة وإرثها الديمقراطي التوافقي»، مؤكدا أن ما جرى في الاجتماع الأول مثّل، برأيه، تجاوزا للنهج الذي حافظ على وحدة قيادة الحركة لعقود.
وأوضح الرجوب أن المقاطعة لا تعني الخروج عن الأطر التنظيمية، بل هي «صرخة احتجاجية» ضد ما وصفه بـ«النهج القسري» وفرض مخرجات الاجتماعات، مشددا في الوقت ذاته على التزامه بقرارات الأطر القيادية وبوحدة الحركة.
وعلى الرغم من المقاطعة، مضت اللجنة المركزية في توزيع جزء من المفوضيات. ووفق المعطيات المتداولة، جرى إسناد الملف المالي إلى محمد اشتية، ومفوضية التعبئة والتنظيم والأقاليم الشمالية إلى توفيق الطيراوي، ومفوضية العلاقات الخارجية والدولية إلى ياسر عباس، ومفوضية الأقاليم الخارجية إلى موسى أبو زيد، ومفوضية القدس العاصمة إلى عدنان غيث، ومفوضية العلاقات الوطنية إلى زكريا الزبيدي.
كما طُرحت أسماء دلال سلامة، ومحمد المدني، وأحمد أبو هولي، وإياد صافي، ضمن توزيع مفوضيات أخرى مرتبطة بالمنظمات الشعبية، والتواصل الجماهيري، والبناء الوطني والحكومي، والمنظمات الأهلية والإغاثة، في حين بقيت ملفات أخرى شاغرة أو غير محسومة.
ومن أبرز الشواغر التي لم تُحسم بعد: منصب أمين سر اللجنة المركزية، ونائبه، ومفوضية التعبئة الفكرية، ومفوضية الأقاليم الجنوبية في قطاع غزة. وتشير مصادر فتحاوية إلى أن ملف غزة ما زال مفتوحا بين أحمد حلس، الذي تولى إدارة التنظيم في القطاع لسنوات طويلة، والأسير المحرر تيسير البرديني، وسط ترقب لحسم داخلي داخل أقاليم القطاع.
أما مفوضية الإعلام والثقافة، فتقول مصادر إن الرئيس محمود عباس أبقاها تحت إشرافه المباشر، مع تكليف شخصيات قريبة من الرئاسة بإدارتها عمليا، في خطوة اعتُبرت مؤشرا إضافيا على رغبة القيادة في ضبط الخطاب الإعلامي للحركة في المرحلة المقبلة.
وتلفت المصادر إلى أن دمج مفوضيات، واستحداث أخرى، يعكسان إعادة تشكيل خريطة النفوذ داخل «فتح». فقد دُمجت مفوضية العلاقات العربية والصين الشعبية مع مفوضية العلاقات الدولية في إطار مفوضية أوسع للعلاقات الخارجية، فيما استُحدثت مفوضيات مثل القدس العاصمة، والتواصل الجماهيري والمجتمعي، والبناء الوطني والحكومي.
وتكشف هذه الترتيبات، وفق قراءات داخل الحركة، عن تحالفات جديدة داخل اللجنة المركزية، أبرزها التقارب بين حسين الشيخ وتوفيق الطيراوي، بعدما كان الأخير من أبرز منتقدي الشيخ في مراحل سابقة. وقد انعكس ذلك في إسناد ملف التعبئة والتنظيم للطيراوي، وهو ملف كان جبريل الرجوب يسعى إلى توليه لما يحمله من وزن تنظيمي داخل الحركة.
في المقابل، يبدو محمود العالول، حتى الآن، أبرز الخاسرين من الترتيبات الجديدة، بعدما كان في الدورة السابقة نائبا لرئيس الحركة ومشرفا على التعبئة والتنظيم، فيما لم يعد يتولى أي ملف داخلي وازن. كما خسر الرجوب فرصة الإمساك بملفات تنظيمية مؤثرة، في ظل صعود دور حسين الشيخ داخل القيادة الجديدة.
ومع ذلك، لا تستبعد مصادر فتحاوية أن يعاد طرح اسم الرجوب لتولي أمانة سر اللجنة المركزية، في محاولة لاحتواء الخلاف، بينما يبقى منصب نائب أمين السر موضع أخذ ورد بين أسماء عدة، بينها محمود العالول وقيادات من قطاع غزة.
وفي خلفية هذه الأزمة، لا تزال مسألة تعيين أربعة أعضاء جدد في اللجنة المركزية مؤجلة، إذ يتطلب الأمر ترشيح أسماء من الرئيس، ثم عرضها على اللجنة المركزية والمجلس الثوري. وترى مصادر في الحركة أن حسم هذه التعيينات مستبعد في الوقت الراهن ما دامت الخلافات حول توزيع الملفات الأساسية قائمة.
ورغم حدة التباينات، تؤكد قيادات في «فتح» أن الخلاف لن يغادر الإطار الداخلي، وأن اتصالات تجري لاحتوائه ومنع تحوله إلى انقسام معلن داخل القيادة. غير أن حجم الغياب، وطبيعة الاعتراضات، وطريقة توزيع المفوضيات، كلها مؤشرات على أن الحركة دخلت مرحلة إعادة ترتيب عميقة لموازين القوة داخلها.
وبذلك، تبدو «فتح» أمام اختبار تنظيمي وسياسي حساس: فإما أن تنجح قيادتها الجديدة في استيعاب المعترضين وترميم التوافق الداخلي، وإما أن تتحول معركة المفوضيات إلى عنوان أوسع لصراع الخلافة والنفوذ داخل الحركة، في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد على المستويين الوطني والسياسي.
