أثارت صورة متداولة لرجل فلسطيني من قطاع غزة، ظهر معصوب العينين ومجردًا من ملابسه باستثناء ملابسه الداخلية، ومقيدًا بوضعية قاسية على سرير صغير خلال احتجازه لدى إسرائيل، مخاوف متجددة بشأن معاملة المعتقلين الفلسطينيين وظروف احتجازهم، في وقت أقرت فيه إسرائيل بصحة الصورة وبأن المعاملة الظاهرة فيها «لا تتماشى» مع قيم الجيش، معلنة فتح تحقيق في الواقعة.
وبحسب الصورة التي تداولتها منصات التواصل الاجتماعي، ظهر الرجل ممددًا ووجهه إلى الأسفل، فيما قُيدت يداه خلف ظهره وربطت إحدى قدميه بالسرير، مع تثبيت قضيب خشبي على امتداد ظهره من منطقة القدم وحتى الرقبة، في وضعية أثارت تساؤلات بشأن احتمال تعرضه لمعاملة مهينة أو قاسية أثناء الاحتجاز.
ولم تكشف السلطات الإسرائيلية هوية الرجل أو مكان احتجازه، رغم إقرار الجيش بأن الواقعة رُصدت وأن تحقيقًا فُتح بشأنها، ما زاد من حالة الغموض والقلق لدى عائلات فلسطينية تبحث عن أبنائها المعتقلين أو المفقودين منذ أشهر.
والدتان تؤكدان أن الرجل في الصورة ابنهما
وأضفت الصورة بعدًا إنسانيًا أكثر تعقيدًا بعدما قالت والدتان فلسطينيتان، كل على حدة، إنهما تعتقدان أن الرجل الظاهر فيها هو ابنهما المفقود.
وأكدت رنا أبو نصار أنها تعرفت فورًا على الرجل باعتباره ابنها أسامة، موضحة أنها استندت إلى تفاصيل جسدية تعرفها جيدًا، من بينها تورم في القدم وندوب في الساق.
وقالت إن الصورة كانت الأولى التي تراها لابنها منذ اعتقاله في آذار/مارس قرب منطقة ملاصقة لخط التماس المعروف بـ«الخط الأصفر».
وكان اعتقال أسامة قد أثار اهتمامًا بعدما احتُجز برفقة طفله البالغ من العمر عامًا واحدًا، قبل الإفراج عن الطفل في اليوم نفسه. وقالت العائلة آنذاك إن آثارًا ظهرت على قدمي الطفل واشتبهت في أنها ناجمة عن حروق سجائر.
ونفى الجيش الإسرائيلي اتهامات إساءة معاملة الطفل، وقال إن العلامات على ساقيه نتجت عن طلقات تحذيرية أطلقها جنود لمنع والده من الاقتراب من المنطقة المحظورة قرب «الخط الأصفر».
وتقول رنا إن ابنها يعاني مشكلات نفسية، معتبرة أن ظروف اختفائه واحتجازه تجعل حاجتها إلى معرفة مكانه ووضعه الصحي أكثر إلحاحًا.
وفي المقابل، قالت جودة الغول إن الرجل الظاهر في الصورة هو ابنها أمين، المعتقل منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023، عندما كان يحاول الانتقال من جنوب قطاع غزة إلى شماله.
وأوضحت أنها تعرفت عليه من شعره ولحيته وبعض ملامحه الجسدية، مؤكدة أن رؤيتها للصورة دفعتها إلى البكاء والتمسك بالهاتف الذي عُرضت عليه من خلاله.

الجيش الإسرائيلي يقر بصحة الصورة ويفتح تحقيقًا
وقال الجيش الإسرائيلي إنه رصد الواقعة وبدأ تحقيقًا بشأنها، مضيفًا أنه سيجري التعامل مع المتورطين وفق نتائج التحقيق.
كما أقر بأن الطريقة التي ظهر بها المعتقل «لا تتماشى» مع القيم التي يقول الجيش إنه يلتزم بها.
ومع ذلك، لم يكشف الجيش حتى الآن عن اسم الرجل أو مكان احتجازه أو الوحدة العسكرية المسؤولة عن توقيفه، كما لم يقدم توضيحًا بشأن مدة إبقائه في تلك الوضعية أو الظروف التي سبقت التقاط الصورة.
ويزيد غياب هذه المعلومات من المخاوف المتعلقة بمصير المعتقلين الفلسطينيين الذين تنقطع أخبار عدد منهم فترات طويلة، في ظل صعوبة حصول العائلات على معلومات دقيقة بشأن أماكن الاحتجاز أو الحالة الصحية لأبنائها.
أسئلة بشأن المعاملة والكرامة الإنسانية
وتثير الصورة جملة من التساؤلات الحقوقية بشأن معايير معاملة المعتقلين، ولا سيما استخدام التقييد لفترات طويلة، والتجريد من الملابس، وتعصيب العينين، وإجبار المحتجز على البقاء في وضعيات قد تسبب ألمًا جسديًا أو إذلالًا.
كما تعيد الواقعة تسليط الضوء على مطالبات فلسطينية وحقوقية متكررة بضمان خضوع أوضاع المعتقلين لرقابة مستقلة، وتمكين المحامين من زيارتهم، وكشف أماكن احتجازهم، والتحقيق في أي ادعاءات تتعلق بسوء المعاملة أو التعذيب أو المعاملة المهينة.
ولا يمكن، استنادًا إلى الصورة وحدها، تحديد هوية الرجل بصورة قاطعة أو التحقق من مدة احتجازه في تلك الوضعية، إلا أن اعتراف الجيش الإسرائيلي بصحة الصورة فتح بابًا أوسع أمام المطالبات بكشف الملابسات كاملة.
نحو 1200 معتقل من غزة بموجب قانون استثنائي
ويُحتجز نحو 1200 فلسطيني من قطاع غزة في إسرائيل بموجب قانون «المقاتلين غير الشرعيين»، وهو إطار قانوني يتيح احتجاز أشخاص لفترات مطولة بدعوى الاشتباه في مشاركتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أعمال قتالية.
ويواجه هذا النوع من الاحتجاز انتقادات متكررة بسبب اتساع نطاقه وصعوبة وصول بعض المعتقلين إلى محامين أو أسرهم، إلى جانب المخاوف بشأن طول فترات الاحتجاز من دون إجراءات قضائية كاملة بالمفهوم التقليدي.
نادي الأسير يحاول ترتيب زيارات قانونية
وقالت أماني سراحنة، من نادي الأسير الفلسطيني، إن المؤسسة قدمت اسمي أسامة أبو نصار وأمين الغول إلى الجهات الإسرائيلية بعد انتشار الصورة، في محاولة لترتيب زيارات لهما من قبل محامين والتحقق من مصيرهما.
وأوضحت أن زيارات المحامين ممكنة من حيث المبدأ، لكنها تواجه صعوبات كبيرة، وأن إجراءات التنسيق قد تستغرق وقتًا طويلًا.
وتأمل العائلتان أن تسهم الإجراءات القانونية في حسم هوية الرجل الظاهر في الصورة ومعرفة مكان احتجاز ابنيهما وحالتهما الصحية.
وبينما يستمر التحقيق الإسرائيلي المعلن، تبقى القضية مفتوحة على أسئلة حقوقية تتجاوز هوية المعتقل الظاهر في الصورة إلى ظروف احتجاز الفلسطينيين من غزة، ومدى احترام ضمانات الكرامة الإنسانية والحق في معرفة المصير والوصول إلى محامٍ، إضافة إلى الحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف في أي واقعة يشتبه في انطوائها على معاملة قاسية أو مهينة.
