رأى تقرير أعدته مصلحة السجون الإسرائيلية أن القيادي في حركة «فتح» مروان البرغوثي لا يزال يحتفظ بنفوذ سياسي وشعبي واسع، رغم مرور أكثر من عقدين على اعتقاله، معتبرًا أنه قد يمثل بديلًا محتملًا في أي ترتيبات مستقبلية لقيادة الساحة الفلسطينية.
وبحسب ما نشره موقع «واينت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، أُعد التقرير خلال العام الأخير داخل فرع الأبحاث الاستراتيجية في مصلحة السجون، واستند إلى تحليل شخصية البرغوثي وأنماط عمله ومعلومات استخباراتية ومحادثات أجراها مسؤولون إسرائيليون معه. ولم يُنشر التقرير كاملًا، كما لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من الادعاءات الواردة فيه.
ويزعم التقرير أن البرغوثي انتقل، بعد اعتقاله، من النشاط الميداني إلى التأثير السياسي والفكري، مستفيدًا من الرسائل التي ينقلها مقربون ومحامون ومن الحملة الدولية المطالبة بالإفراج عنه.
ويقبع البرغوثي في السجون الإسرائيلية منذ اعتقاله عام 2002، ويقضي خمسة أحكام بالسجن المؤبد و40 عامًا إضافية، بعد إدانته أمام محكمة إسرائيلية بالمسؤولية عن هجمات قتل فيها خمسة إسرائيليين ومحاولة قتل وتهم أخرى.
حضور سياسي رغم السجن
ووفق التقرير الإسرائيلي، حافظ البرغوثي على مكانته داخل حركة «فتح»، وأعيد انتخابه في لجنتها المركزية، في مؤشر على استمرار حضوره داخل الحركة وقدرته على التأثير في قواعدها رغم ظروف احتجازه.
واعتبر التقرير أن ابتعاد البرغوثي عن إدارة السلطة الفلسطينية وأزماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية ساعده في الحفاظ على رصيده الشعبي، إذ لم يتحمل مسؤولية مباشرة عن إخفاقات الحكم، ما أبقى اسمه حاضرًا باعتباره بديلًا محتملًا للقيادة الحالية.
كما زعم أن البرغوثي يدير صورته السياسية بحذر، ويفضل إبقاء دوره بعيدًا عن الواجهة، بينما يتولى مقربون منه وعائلته والحملات الدولية نقل رسائله والترويج لمكانته.
توحيد «فتح» و«حماس»
ويولي التقرير اهتمامًا خاصًا لعلاقة البرغوثي بالفصائل الفلسطينية، مدعيًا أنه يسعى إلى تقديم نفسه قائدًا قادرًا على الجمع بين حركتي «فتح» و«حماس» تحت إطار سياسي وطني موحد.
وأشار إلى دور البرغوثي في بلورة «وثيقة الأسرى» عام 2006، التي شارك في إعدادها ممثلون عن عدد من الفصائل، بوصفها نموذجًا على قدرته على التوصل إلى تفاهمات بين قوى فلسطينية متنافسة.
وبحسب تقديرات مصلحة السجون، ينظر البرغوثي إلى «حماس» باعتبارها جزءًا من النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن استبعاده، وهو ما يفسر، وفق الرواية الإسرائيلية، تمسك الحركة بإدراج اسمه في مفاوضات وصفقات تبادل الأسرى.
وذهب التقرير إلى الادعاء بأن البرغوثي يجري اتصالات مع جهات في قيادة «حماس» تمهيدًا لتحالف محتمل في أي انتخابات رئاسية فلسطينية مقبلة، إلا أنه لم يقدم أدلة علنية يمكن من خلالها التحقق من هذا الادعاء.
تأثير محتمل في الانتخابات الإسرائيلية
ولم يحصر التقرير نفوذ البرغوثي في الساحة الفلسطينية، بل زعم أنه يسعى أيضًا إلى التأثير في المجتمع العربي والانتخابات داخل إسرائيل عبر علاقات مع شخصيات عامة وأعضاء عرب في الكنيست.
وادعت مصلحة السجون أن أعضاء كنيست عربًا تواصلوا مع البرغوثي للحصول على دعمه لمقترح تشكيل قائمة عربية موحدة، بهدف تعزيز القدرة على التأثير في تركيبة الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
ولم تسمِّ المسؤولة في مصلحة السجون التي تحدثت إلى «يديعوت أحرونوت» النواب المقصودين، كما لم يتضمن التقرير المنشور ردودًا منهم على هذه المزاعم.
التعليم بوصفه أداة نفوذ
وتناول التقرير البرامج التعليمية التي أشرف عليها البرغوثي داخل السجون قبل وقفها، معتبرًا أنها شكلت إحدى أدوات بناء نفوذه بين الأسرى.
وزعمت مصلحة السجون أن بعض البرامج تضمنت دراسة التاريخ والسياسة الإسرائيلية وأجهزة الأمن وأساليب التحقيق، وأن البرغوثي تعامل مع المعرفة باعتبارها أداة لتعزيز القوة والتنظيم السياسي.
وفي مايو/أيار الماضي، أفاد موقع «ماكو» العبري بأن البرغوثي تقدم بالتماس ضد مصلحة السجون، متهمًا إياها بمنعه من لقاء محاميه. في المقابل، قال مسؤول في المصلحة إن القيود ترتبط باشتباه في استخدام بعض الزيارات لنقل رسائل من السجن وإليه.
حضور دولي متصاعد
وأشار تقرير «يديعوت أحرونوت» إلى اتساع الحملة الدولية المطالبة بإطلاق سراح البرغوثي، وتقديمه في أوساط غربية على أنه «سجين سياسي» وقائد قادر على توحيد الفلسطينيين، فيما ترفض إسرائيل تشبيهه بالزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا وتتمسك بالأحكام الصادرة بحقه.
وخلصت مصلحة السجون، وفق الصحيفة، إلى أن سنوات الاعتقال لم تُضعف حضور البرغوثي، بل نقلت نفوذه من العمل التنظيمي المباشر إلى التأثير السياسي والرمزي.
وبينما يعكس التقرير قلق المؤسسات الإسرائيلية من الدور المحتمل للبرغوثي في مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس (أبومازن)، تظل استنتاجاته تقديرات أمنية إسرائيلية لم تُعرض على جهة مستقلة، ولم يتضمن التقرير المنشور ردًا من البرغوثي أو عائلته على ما ورد فيه.
