فانس يدفع نحو التفاوض وواشنطن توسّع ضرباتها ضد إيران
دعا نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى إبقاء مسار التفاوض مع إيران مفتوحًا، محذرًا من أن الاعتماد على الضربات العسكرية وحدها لن يؤدي إلى حل دائم، في وقت واصلت فيه القوات الأمريكية هجماتها على المواقع العسكرية والساحلية جنوبي إيران، وأعادت فرض الحصار على الموانئ الإيرانية.
وقال فانس إن الهدف الأمريكي يتمثل في تهيئة الظروف التي تلتزم بموجبها إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، معتبرًا أن واشنطن تسير في الاتجاه الصحيح، رغم أن الطريق إلى اتفاق سيكون معقدًا ومحفوفًا بالعقبات.
وفي مقابلة مطولة مع الإعلامي جو روغان، انتقد فانس الداعين إلى استمرار الحرب من دون هدف سياسي واضح، وقال إن بعض الأطراف تسعى إلى إبقاء المواجهة مستمرة «إلى أجل غير مسمى»، بدلًا من استخدامها للوصول إلى تسوية قابلة للتطبيق. كما اتهم أطرافًا داخل المنظومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير في الرأي العام الأمريكي لإطالة أمد الحرب وتقويض مساعي التفاوض.
واعتبر فانس أن الرافضين للتفاوض لا يقدمون بديلًا واقعيًا، وأن مقترحهم ينحصر عمليًا في قصف متواصل لا يضمن إنهاء التهديدات الإيرانية أو تأمين الملاحة في مضيق هرمز.
أولوية فتح مضيق هرمز
أكد نائب الرئيس الأمريكي أن الأولوية الاستراتيجية لبلاده في المرحلة الحالية هي إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، وضمان التدفق الحر لإمدادات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
وأشار إلى صعوبة تأمين حركة السفن بالوسائل العسكرية وحدها، في ظل قدرة إيران على استخدام طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة وصواريخ ساحلية لاستهداف السفن وتهديد الملاحة، بما يفرض كلفة دفاعية وعسكرية مرتفعة على الولايات المتحدة وشركائها.
وكان نحو خُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر يوميًا عبر المضيق قبل اندلاع الحرب، فيما أدت المواجهات والهجمات على السفن إلى تراجع حاد في حركة الملاحة وارتفاع المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة.
وشدد فانس على أن عهد إرسال آلاف الجنود الأمريكيين لاحتلال دول أخرى أو تغيير أنظمتها وإعادة بناء مؤسساتها قد انتهى، مؤكدًا أن الجيش الأمريكي لن يتولى تقرير مصير الشعوب بدلًا منها.
وتشير تصريحاته إلى أن الإدارة تسعى، على الأقل وفق الرؤية التي يعرضها، إلى الجمع بين الضغط العسكري وإعادة إيران إلى طاولة التفاوض، من دون الانتقال إلى غزو بري واسع أو مشروع طويل الأمد لتغيير النظام.
ضربات أمريكية متتالية جنوبي إيران
جاءت تصريحات فانس بالتزامن مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» تنفيذ موجات جديدة من الضربات على إيران، استهدفت أنظمة دفاع ساحلية ورادارات ومواقع صواريخ مضادة للسفن ومنصات لإطلاق الطائرات المسيّرة.
وقالت «سنتكوم» إن إحدى موجات القصف استهدفت مواقع لتخزين صواريخ كروز وإطلاقها في جزيرة طنب الكبرى، قبل تنفيذ موجة ثانية ضد قدرات عسكرية إيرانية قالت إنها تُستخدم لتهديد السفن العابرة لمضيق هرمز.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع انفجارات في بندر عباس وسيريك وقشم وكونارك والأهواز، فيما أعلنت السلطات الإيرانية مقتل وإصابة عشرات الأشخاص خلال الضربات الأخيرة. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من الحصيلة الكاملة أو طبيعة جميع المواقع التي تعرضت للقصف.
كما أعلنت القيادة المركزية تعطيل ناقلة النفط «بيلما»، التي ترفع علم كوراساو، أثناء توجهها نحو جزيرة خارك، وقالت إن طائرة أمريكية أطلقت صواريخ على مدخنة السفينة بعدما تجاهلت تحذيرات مرتبطة بالحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
ترمب يلوّح بتوسيع الحرب
في موازاة حديث فانس عن ضرورة التفاوض، لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتوسيع العمليات لتشمل أهدافًا استراتيجية ومنشآت بنية تحتية إذا رفضت طهران العودة إلى المحادثات.
وكشفت تقارير أمريكية أن ترمب ترأس اجتماعًا في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، بمشاركة فانس وكبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين، لمناقشة هجمات أوسع نطاقًا داخل إيران.
وشملت الخطط التي نوقشت توجيه ضربات إلى منظومات الدفاع الجوي والرادارات ومواقع الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى أهداف استراتيجية أخرى، بهدف إضعاف قدرة إيران على مهاجمة السفن ودفعها إلى قبول المطالب الأمريكية بشأن مضيق هرمز وبرنامجها النووي.
وقال ترمب إن مفاوضين أمريكيين أبلغوا مسؤولين إيرانيين بضرورة العودة إلى طاولة التفاوض، لكنه رفض تحديد مهلة نهائية لطهران، مكتفيًا بالقول إنها تدرك ما ينبغي عليها فعله.
طهران تتمسك بالرد ولا تستبعد الدبلوماسية نهائيًا
في المقابل، أعلنت الخارجية الإيرانية أن الأولوية الراهنة هي للدفاع والرد على الهجمات الأمريكية، وأنها لا تملك خطة فورية لاستئناف المفاوضات في ظل استمرار القصف والحصار البحري.
وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن بلاده تخوض مواجهة وجودية، وإنها لن تلتزم بمذكرة التفاهم السابقة ما لم تحصل على الفوائد التي نُص عليها.
ومع ذلك، دعا قاليباف إلى استخدام الدبلوماسية والتفاوض إلى جانب العمل العسكري لتأمين المصالح الإيرانية، معتبرًا أن الفصل الكامل بين الحرب والتفاوض يمثل خطأً استراتيجيًا.
وتتمسك طهران بمنحها دورًا في تنظيم حركة السفن عبر المسار الشمالي من مضيق هرمز، بينما تطالب واشنطن بحرية مرور جميع السفن من دون رسوم أو موافقة إيرانية مسبقة. وكانت سلطنة عُمان قد بحثت مقترحات تسمح بالملاحة الحرة في المسار الجنوبي الواقع ضمن مياهها، مع ترتيبات مختلفة للمسار الشمالي.
ضغط عسكري ومسار تفاوضي متعثر
تعكس تصريحات فانس محاولة للتمييز بين استخدام القوة للضغط على إيران وبين الدخول في حرب مفتوحة لا تملك واشنطن تصورًا واضحًا لنهايتها.
فبينما يهدد ترمب بتوسيع بنك الأهداف، يرى فانس أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتأمين مضيق هرمز يتطلبان في النهاية تفاهمًا سياسيًا، وأن القصف المستمر لا يستطيع وحده حماية السفن من المسيّرات والصواريخ منخفضة التكلفة.
في المقابل، تراهن طهران على قدرتها على تعطيل الملاحة ورفع تكلفة المواجهة إقليميًا ودوليًا، مع إبقاء باب الدبلوماسية مواربًا، ولكن من دون العودة الفورية إلى المفاوضات تحت القصف.
وبذلك تتحرك الأزمة على مسارين متناقضين: تصعيد عسكري متسارع في جنوب إيران ومحيط مضيق هرمز، ومحاولات أمريكية لإعادة بناء مسار تفاوضي يضمن حرية الملاحة ويفرض قيودًا طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني.
