رفعت مجموعة «بريكس» سقف موقفها السياسي تجاه القضية الفلسطينية، بتأكيد دعمها العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، ورفضها القاطع للتهجير القسري أو إحداث أي تغييرات جغرافية وديموغرافية في قطاع غزة، وتمسكها بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فيما دعت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية إلى ترجمة هذه المواقف إلى إجراءات دولية عملية تنهي الاحتلال وتوقف الاستيطان والضم.
وجاء ذلك في «إعلان نيودلهي» الذي اعتمده قادة دول «بريكس» خلال القمة الثامنة عشرة للمجموعة، المنعقدة في العاصمة الهندية يومي 12 و13 سبتمبر/أيلول 2026 برئاسة الهند، في موقف سياسي موسع تناول مستقبل القضية الفلسطينية والحرب في قطاع غزة والاحتلال والاستيطان واللاجئين ووضع القدس.
وأكد قادة «بريكس» أن أي تسوية عادلة ودائمة للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لا يمكن أن تتحقق إلا بالوسائل السلمية وعلى أساس ضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وحق العودة.
كما شدد الإعلان على ضرورة حصول فلسطين على تمثيل مناسب في المنظمات والمؤسسات الدولية ذات الصلة، بما في ذلك المؤسسات المالية متعددة الأطراف، وتمكينها من الوصول إلى موارد تلك المؤسسات، بالتوازي مع تجديد الدعم لنيل دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
دولة على حدود 1967 والقدس الشرقية عاصمة لها
وجدد قادة المجموعة تمسكهم بحل الدولتين وفق القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية، بما يقود إلى إقامة دولة فلسطينية «ذات سيادة ومستقلة وقابلة للحياة» ضمن حدود عام 1967 المعترف بها دولياً.
وأكد الإعلان أن الدولة الفلسطينية المنشودة تشمل قطاع غزة والضفة الغربية، وتكون القدس الشرقية عاصمة لها، في إطار حل يفضي إلى دولتين تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن.
ويأتي هذا التأكيد في وقت تتصاعد فيه المخاوف الفلسطينية من مشاريع إسرائيلية تستهدف تكريس الفصل الجغرافي والسياسي بين قطاع غزة والضفة الغربية، وتوسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض قد تقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
رفض قاطع لتهجير الفلسطينيين
وفي موقف بارز بشأن مستقبل قطاع غزة، أعرب قادة «بريكس» عن رفضهم الحازم لأي تهجير قسري للفلسطينيين من الأرض الفلسطينية المحتلة، سواء بصورة مؤقتة أو دائمة وتحت أي ذريعة.
وشدد إعلان نيودلهي على رفض أي تغييرات جغرافية أو ديموغرافية في قطاع غزة، كما أعرب عن القلق إزاء أي ترتيبات من شأنها الانتقاص من الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني أو إضفاء الشرعية على الاحتلال أو إطالة أمده.
وأكد القادة أن القانون الدولي والهيئات القضائية الدولية يفرضان إنهاء الاحتلال غير القانوني ووقف الممارسات التي تقوض القواعد القانونية وتحول دون الوصول إلى سلام عادل ودائم.
غزة.. وقف النار والمساعدات دون قيود
وتناول الإعلان بصورة موسعة الأوضاع في قطاع غزة، إذ أشار إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803، ودعا إلى تنفيذ القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
وطالب القادة بالحفاظ على وقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بصورة كاملة ومن دون عوائق، معربين عن «بالغ القلق» إزاء استمرار أعمال العنف رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
كما شددوا على الالتزام بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وأدانوا الانتهاكات التي تطال المدنيين والمنشآت المدنية.
وخص الإعلان بالرفض استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، والهجمات على المدنيين والمرافق الصحية والبنية التحتية المدنية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية بصورة غير قانونية.
كما أدان قادة «بريكس» محاولات تسييس المساعدات الإنسانية أو عسكرة عملية تقديمها، مؤكدين ضرورة بقاء العمل الإنساني خاضعاً للمبادئ والمعايير الدولية.
دعم «الأونروا» وولايتها الدولية
وجدد إعلان نيودلهي الدعم الثابت لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، مشدداً على ضرورة الاحترام الكامل للولاية التي منحتها إياها الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وأكد القادة أهمية استمرار الوكالة في تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس، في موقف يأتي وسط محاولات إسرائيلية متواصلة لتقويض عمل «الأونروا» والحد من قدرتها على ممارسة مهامها.
ويرتبط موقف «بريكس» من الوكالة بتأكيد المجموعة في الإعلان ذاته على حق الفلسطينيين في العودة وعلى ضرورة عدم المساس بالحقوق القانونية والسياسية للاجئين الفلسطينيين.
القدس.. رفض تغيير الوضع القانوني والتاريخي
وفي ملف القدس، رفض قادة «بريكس» أي إجراءات أحادية تستهدف تغيير الوضع القانوني والتاريخي للمدينة المحتلة.
ودعوا إلى الاحترام الكامل لحرمة المواقع الدينية والأماكن المقدسة، وضمان حق الجميع في الوصول إليها وممارسة الشعائر الدينية دون عوائق.
ويضع هذا الموقف الإجراءات الإسرائيلية في القدس، بما فيها تلك المتعلقة بالأرض والمقدسات والتوسع الاستيطاني، في صلب الموقف السياسي الذي تبنته المجموعة تجاه الصراع.
الخارجية الفلسطينية: المطلوب تحويل المواقف إلى أفعال
وفي رام الله، رحبت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية بإعلان نيودلهي، معتبرة أن ما تضمنه من مواقف يعيد التأكيد على الحقوق الوطنية الفلسطينية الثابتة وغير القابلة للتصرف.
وثمنت الوزارة بصورة خاصة رفض التهجير القسري، والتأكيد على ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والتمسك بحل الدولتين ودعم العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.
كما رحبت بتأكيد الإعلان إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة على خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب دعم «الأونروا» وولايتها الدولية وحماية المقدسات وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة من دون عوائق.
وقالت الخارجية إن مواقف «بريكس» تنسجم مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، لكنها شددت على ضرورة عدم بقائها في إطار البيانات السياسية، داعية إلى تحويلها إلى «خطوات عملية وملموسة».
وطالبت المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والسياسية والعمل على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، بما يضمن وقف انتهاكات الاحتلال ووقف الاستيطان والضم ومحاولات التهجير، وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني.
وأكدت أن التطبيق الفعلي للمواقف التي تضمنها إعلان نيودلهي يتطلب إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وتجسيد دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
موقف جماعي يتجاوز ملف غزة
ويكتسب إعلان نيودلهي أهمية سياسية من كونه لم يحصر موقف «بريكس» في الدعوة إلى وقف العنف أو معالجة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، وإنما ربط تلك الملفات بمسائل سياسية أوسع تشمل إنهاء الاحتلال، وحق تقرير المصير والعودة، ورفض التهجير والتغيير الديموغرافي، ودعم عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة، وحماية وضع القدس واستمرار «الأونروا».
كما يعكس الإعلان محاولة من المجموعة لربط أي معالجة للأوضاع الإنسانية والأمنية في غزة بحل سياسي يقوم على الحقوق الفلسطينية والقانون الدولي، ورفض ترتيبات مؤقتة يمكن أن تؤدي إلى تكريس الاحتلال أو المساس بوحدة الأرض الفلسطينية.
وفي ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي، يمنح الإجماع داخل «بريكس» على هذه البنود الموقف الفلسطيني دعماً سياسياً إضافياً في المؤسسات الدولية، فيما يبقى التحدي، وفق الموقف الفلسطيني، في الانتقال من التأييد الدبلوماسي إلى إجراءات دولية قادرة على فرض تطبيق القرارات وإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض.
