قبل تسعة أيام من انتخابات الكنيست الإسرائيلي، المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصورة مباشرة على خط المعركة الانتخابية المحتدمة في إسرائيل، معلنًا دعمه المطلق لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ومحذرًا من تداعيات وصول منافسيه إلى السلطة على مستقبل المواجهة مع إيران، في خطوة تعكس حجم الرهان السياسي على بقاء نتنياهو، وتثير تساؤلات بشأن حدود التدخل الأميركي في تحديد القيادة الإسرائيلية المقبلة.
وجاء التدخل الأميركي في توقيت بالغ الحساسية لنتنياهو، الذي يخوض واحدة من أصعب معاركه الانتخابية أمام معارضة يقود أبرز أطرافها رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت، وسط تقارب في استطلاعات الرأي، وتصاعد الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، واحتدام الصراع على أصوات الحريديين والناخبين العرب والقوائم الصغيرة التي قد تحسم هوية الائتلاف الحكومي المقبل.
وتزامن إعلان ترامب مع انفجار سجال داخلي ذي أبعاد عنصرية، إثر تصريحات مهينة أطلقها إعلامي محسوب على معسكر نتنياهو ضد آيزنكوت وأصوله المغربية، ما أضاف إلى الحملة الانتخابية بعدًا هوياتيًا، وكشف عمق الاستقطاب بين المعسكرين المتنافسين على السلطة.
ترامب يربط بقاء نتنياهو بالمواجهة مع إيران
وفي رسالة نشرها الأحد على منصته «تروث سوشيال»، أعلن ترامب تأييده «الكامل والشامل» لنتنياهو، واصفًا إياه بأنه «رئيس وزراء محارب عظيم» وشريك رئيسي للولايات المتحدة في مواجهة إيران، في إعلان دعم انتخابي تجاوز عبارات التأييد التقليدية إلى ربط مستقبل التعاون العسكري والسياسي الأميركي الإسرائيلي بهوية رئيس الحكومة المقبل.
وقال ترامب إن إيران تعرضت، بحسب تعبيره، لتدمير ممنهج على المستويين العسكري والمالي، مهددًا باستكمال العمليات ضدها إذا لم تغيّر سلوكها سريعًا، من دون تقديم أدلة تفصيلية تسند تقييمه لحجم الأضرار التي لحقت بقدراتها.
وذهب الرئيس الأميركي أبعد من ذلك حين حذر من انتخاب أي شخصية أخرى غير نتنياهو، معتبرًا أن وصول قائد لا يراه مناسبًا سيضطر الولايات المتحدة إلى تحمل أعباء المواجهة بنفسها، وهو أمر قال إنه لا يرغب فيه.
وحملت هذه الرسالة دلالة سياسية لافتة، إذ لم يكتف ترامب بتفضيل مرشح على آخر، بل قدّم استمرار نتنياهو في الحكم باعتباره شرطًا مفضلًا للإبقاء على نمط الشراكة القائم بين واشنطن وتل أبيب، ولا سيما في الملف الإيراني، بما يضع السياسة الخارجية الأميركية في قلب المنافسة الانتخابية الإسرائيلية.
وأشاد ترامب بقدرة نتنياهو على الصمود أمام الضغوط السياسية، بما فيها المعارضة الداخلية، واعتبر أنه أثبت قوته خلال أصعب الأزمات، مختتمًا رسالته بتأكيد أن نتنياهو لن يخذل الناخبين الإسرائيليين.
ويمثل هذا التأييد تحولًا مهمًا بعدما امتنع ترامب لأشهر عن إعلان دعمه الصريح لنتنياهو، في ظل خلافات بين الجانبين بشأن إدارة الحرب والسياسات الإقليمية، وفق تقارير أميركية وإسرائيلية.
وسارع نتنياهو إلى استثمار الموقف الأميركي، فوجه رسالة شكر إلى ترامب عبر منصة «إكس»، أشاد فيها بالدعم والعمل المشترك، متعهدًا بأنهما سيكملان «المهمة» معًا، في إشارة أعادت إلى الواجهة ارتباط الحملتين السياسية والعسكرية في خطاب الزعيمين.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان توظيف نتنياهو خلال حملاته السابقة للعلاقة الوثيقة مع ترامب، بما فيها قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة والاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل.
غير أن التأييد الحالي أكثر مباشرة، إذ يحمل تحذيرًا من أن تغيير رئيس الحكومة الإسرائيلية قد يؤثر في طبيعة التنسيق مع واشنطن بشأن إيران.
ونقلت قناة «i24NEWS» الإسرائيلية، بحسب المعلومات الواردة في التغطية المتداولة، عن مصادر مطلعة أن معسكر آيزنكوت حاول منع صدور رسالة الدعم الأميركية، إدراكًا لتأثيرها الانتخابي المحتمل. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من هذه الرواية.
نتنياهو يستثمر الدعم الأميركي ويحوّل الانتخابات إلى معركة وجودية
وبالتوازي مع تدخل ترامب، كثّف نتنياهو رسائله الانتخابية الموجهة إلى قواعد اليمين، محذرًا من أن عدم التصويت لحزب الليكود قد يفتح الطريق أمام تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت، وبمشاركة أو دعم قوى سياسية يضعها في المعسكر المناوئ له.
واستند نتنياهو إلى علاقته بالرئيس الأميركي لحشد أنصاره، معتبرًا أن ما تبقى من ولاية ترامب يشكل فرصة لاستكمال ما وصفه بـ«المهام الكبرى على جميع الجبهات»، في خطاب يوظف التطورات العسكرية والإقليمية لتعزيز فرص بقائه في السلطة.
ودعا ناخبي الليكود إلى تحويل التأييد السياسي إلى مشاركة فعلية في صناديق الاقتراع، محذرًا من تقارب النتائج المحتملة، ومشددًا على أهمية كل صوت في تحديد شكل الحكومة المقبلة.
ولجأت حملته إلى شعار «إما اليمين وإما فلسطين»، في محاولة لتصوير الانتخابات بوصفها مواجهة تتجاوز التنافس الحزبي إلى صراع على الهوية والتوجه السياسي للدولة.
ويعكس هذا الشعار استخدام القضية الفلسطينية أداةً للاستقطاب الانتخابي الداخلي، عبر تصوير إمكانية وصول حكومة منافسة إلى السلطة باعتبارها تهديدًا لمعسكر اليمين، رغم أن أبرز منافسي نتنياهو ينتمون بدورهم إلى المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، ولا يمثلون بالضرورة تحولًا جذريًا في السياسات تجاه الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، لا تبدو المنافسة محصورة في الشخصيات السياسية، بل تمتد إلى قدرة كل معسكر على استقطاب الناخبين المترددين وتحريك قواعده التقليدية، في ظل آثار الحروب المتواصلة والأزمات السياسية والانقسامات الاجتماعية.
إهانة عنصرية لآيزنكوت تفجر مواجهة داخلية
وفي موازاة الدعم الأميركي، تصاعدت حدة التوتر داخل الساحة السياسية الإسرائيلية بعد تصريحات مثيرة للجدل أطلقها الإعلامي اليميني ينون ماغيل، المقرب من نتنياهو، خلال برنامجه «الوطنيون» على القناة 14، وصف فيها آيزنكوت بـ«القرد المغربي»، مدعيًا أن شخصيات من النخبة الأشكنازية تتحكم في قراراته وتوجهاته السياسية.
وأثارت التصريحات موجة انتقادات واسعة، بعدما فُسرت باعتبارها إساءة عنصرية تستهدف الأصول المغربية والشرقية لآيزنكوت، فضلًا عن كونها هجومًا شخصيًا على أحد أبرز المنافسين على رئاسة الحكومة.
ورد آيزنكوت بحدة على ماغيل، واصفًا إياه بأنه «شخص حقير»، معتبرًا أن التصريحات تعكس ثقافة سياسية تقوم على الانقسام والكراهية والتحريض، بهدف تعبئة الجمهور ودفعه إلى صناديق الاقتراع.
وقال آيزنكوت إن والديه وُلدا في المغرب وهاجرا إلى إسرائيل، وإنه نشأ في طبريا وخدم في الجيش حتى وصل إلى منصب رئيس الأركان، من دون أن تكون خلفيته العائلية موضع تشكيك خلال مسيرته العسكرية.
واتهم آيزنكوت معسكر نتنياهو بتغذية الانقسامات بين اليهود الشرقيين والأشكناز، معتبرًا أن المشكلة تتجاوز ماغيل إلى البيئة السياسية والإعلامية التي تسمح بانتشار هذا الخطاب.
وبعد اتساع الجدل، اضطر نتنياهو إلى إدانة تصريحات ماغيل، ووصفها بأنها «غير لائقة إطلاقًا»، لكنه سارع إلى مطالبة آيزنكوت بإدانة تصريحات مهينة قال إنها صدرت بحق مؤيدي الليكود، في محاولة لنقل النقاش من الواقعة نفسها إلى الاتهامات المتبادلة بين المعسكرين.
أما ماغيل فحاول تبرير تصريحاته بالقول إنه قصد تصوير آيزنكوت باعتباره واجهة سياسية تتحكم بها شخصيات أخرى، وليس الإساءة إلى أصوله العرقية.
وتكشف هذه المواجهة جانبًا من طبيعة الصراع الانتخابي الإسرائيلي، الذي لم يعد مقتصرًا على البرامج الحكومية أو إدارة الحروب، بل امتد إلى الانتماءات الاجتماعية والعرقية، وسط تزايد استخدام وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في الحملات السياسية الحادة.
المعارضة تراهن على صناديق الاقتراع لإنهاء حكم نتنياهو
في المقابل، تتمسك المعارضة الإسرائيلية بإمكانية إنهاء حكم نتنياهو عبر رفع نسب المشاركة الانتخابية في معاقلها، مستندة إلى حسابات تشير إلى أن تحولات محدودة في أنماط التصويت قد تكون كافية لترجيح كفتها في الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا.
وبحسب التقديرات الواردة من أوساط المعارضة، فإن ارتفاع المشاركة في المناطق المؤيدة لها إلى ما بين 76 و77% قد يمنحها فرصة لتشكيل الحكومة المقبلة، شريطة تزامن ذلك مع تراجع مشاركة الناخبين الحريديين بنقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية، ووصول نسبة تصويت الفلسطينيين في الداخل المحتل إلى نحو 60%.
وترى هذه الأوساط أن اقتراب نسبة التصويت في معاقل المعارضة من 80% يمكن أن يعزز فرصها في تجاوز عتبة 61 مقعدًا، اللازمة للحصول على أغلبية برلمانية، إلا أن هذه الحسابات تبقى تقديرات انتخابية مشروطة، وليست نتائج محسومة.
وتكتسب أصوات الفلسطينيين في الداخل أهمية متزايدة في ظل التوقعات بارتفاع مشاركتهم مقارنة بانتخابات عام 2022، عندما بلغت نحو 53.2%، وسط حالة من الاستياء من سياسات حكومة نتنياهو وتصاعد الجريمة والعنف والتمييز ضد المجتمع العربي.
وتشير تقديرات انتخابية إلى إمكانية حصول القوائم العربية مجتمعة على ما بين 12 و15 مقعدًا، ما قد يجعلها عنصرًا مؤثرًا في تحديد موازين القوى، حتى إذا استمرت الأحزاب الإسرائيلية الكبرى في رفض إشراكها رسميًا في الائتلاف الحكومي.
ومع ذلك، فإن ارتفاع التصويت العربي لا يعني تلقائيًا انتقال السلطة إلى المعارضة، إذ يتوقف تأثير هذه المقاعد على طبيعة التحالفات التي ستتشكل بعد الانتخابات، واستعداد الأحزاب اليهودية للتعاون البرلماني مع القوائم العربية أو الاعتماد على دعمها الخارجي.
ويعكس هذا التعقيد مفارقة أساسية في المشهد الإسرائيلي، إذ يسعى نتنياهو إلى استخدام مشاركة العرب في أي ترتيبات حكومية محتملة لإثارة مخاوف قواعده اليمينية، فيما قد تشكل أصواتهم أحد العوامل الحاسمة في إضعاف فرص بقائه.
الأحزاب الحريدية والقوائم الصغيرة.. معركة الأصوات الضائعة
ولا تقتصر حسابات تشكيل الحكومة على المنافسة المباشرة بين الليكود وحزب «يشار» الذي يقوده آيزنكوت، بل تمتد إلى أداء الأحزاب الحريدية والقوائم الصغيرة التي قد تؤدي دورًا حاسمًا في توزيع المقاعد.
وتشير التقديرات الواردة من معسكر المعارضة إلى أن حزب «شاس» يواجه تراجعًا في تأييد بعض شرائحه التقليدية، في حين تعاني قائمة «يهدوت هتوراه» خلافات داخلية، بالتزامن مع ظهور قوائم جديدة تسعى إلى اقتطاع أصوات من القاعدة الحريدية.
ومن بين هذه القوائم «الجمهور الحريدي»، بقيادة موتي لايتنر، و«تسيفاع شاحور»، وحزب «أحي»، وهي تشكيلات تتوجه إلى شرائح مختلفة داخل المجتمع الحريدي، ما يطرح احتمال تشتت الأصوات وإضعاف الأحزاب التقليدية.
وتراهن المعارضة على أن يؤدي هذا التشتت، إلى جانب تراجع المشاركة الحريدية، إلى تقليص عدد المقاعد المضمونة لمعسكر نتنياهو، خصوصًا إذا فشلت بعض القوائم الجديدة في تجاوز نسبة الحسم.
وتبرز في هذا السياق أيضًا قائمة يوعاز هندل ويارون زليخا، وحزب «عمخا يسرائيل» بقيادة الجنرال السابق عوفر فينتر، الذي أعلن تأييده تشكيل حكومة بقيادة نتنياهو.
وتخضع هذه القوائم لمعادلة انتخابية دقيقة، إذ يتعين على كل منها تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% للحصول على تمثيل برلماني، وإلا تُستبعد أصواتها من توزيع المقاعد، ما قد يغير موازين القوى بين المعسكرين.
خلافات اليمين تهدد بإهدار مقاعد حاسمة
وتتزايد تعقيدات المشهد الانتخابي مع انتهاء المهلة القانونية لتوقيع اتفاقيات فائض الأصوات يوم الجمعة 16 تشرين الأول/أكتوبر، وهي اتفاقيات تسمح لقائمتين بتجميع أصواتهما المتبقية عند توزيع المقاعد الإضافية، بشرط تجاوز كل منهما نسبة الحسم.
وفي معسكر المعارضة، أبرم حزب «يشار» اتفاقًا مع «الديمقراطيين»، فيما اتفق «بياحد» مع «يسرائيل بيتينو»، إلى جانب تفاهم بين القائمتين العربيتين، المشتركة والموحدة.
أما في معسكر نتنياهو، فقد وقع الليكود اتفاقًا مع حزب «الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش، فيما اتفق «شاس» مع «يهدوت هتوراه»، في محاولة لتقليل خسارة الأصوات وتعزيز فرص الحصول على مقاعد إضافية.
لكن الخلافات بين مكونات اليمين حالت دون التوصل إلى اتفاق مماثل بين حزب «عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير وحزب عوفر فينتر.
وبرر بن غفير رفضه الاتفاق مع فينتر باتهامه بأنه قد يتحول إلى نسخة جديدة من رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، في إشارة إلى مخاوفه من انتقال فينتر إلى تحالف سياسي لا يقوده نتنياهو.
وفي المقابل، انتقد فينتر موقف بن غفير، معتبرًا أنه قد يؤدي إلى إهدار أصوات انتخابية كان بالإمكان الاستفادة منها لتعزيز تمثيل اليمين في الكنيست.
ورغم أن تأثير غياب اتفاقيات فائض الأصوات لا يمكن تحديده قبل ظهور النتائج، فإن فقدان مقعد واحد قد يكون كافيًا لتغيير فرص تشكيل الحكومة إذا انتهت الانتخابات بتقارب شديد بين المعسكرين.
وسبق أن أظهرت انتخابات عام 2022 أهمية هذه التفاصيل، حين تمكن معسكر نتنياهو من الحصول على 64 مقعدًا، في نتيجة كان يمكن أن تتغير بصورة محدودة لو اختلف توزيع الأصوات المتبقية بين الأحزاب.
وعليه، فإن مصير نتنياهو قد لا يتحدد فقط بحجم التأييد الذي يحظى به الليكود، بل أيضًا بقدرة حلفائه على تجاوز نسبة الحسم وتجنب الانقسامات التي قد تتسبب بضياع أصوات يحتاج إليها لتشكيل ائتلاف جديد.
دعم ترامب بين محاولة الإنقاذ ومخاطر النتائج العكسية
سياسيًا، يضع التدخل المباشر لترامب الانتخابات الإسرائيلية أمام معادلة أكثر تعقيدًا، إذ يمنح نتنياهو ورقة دعائية تستند إلى العلاقة مع الرئيس الأميركي، لكنه يفتح في المقابل الباب أمام انتقادات تتعلق بالتأثير الخارجي في خيارات الناخب الإسرائيلي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بعدما أظهرت تقارير أن شعبية ترامب في إسرائيل لم تعد بمستوياتها السابقة، نتيجة تباينات بشأن إدارة المواجهة مع إيران والسياسات الأميركية في المنطقة، ما يجعل قدرة تأييده على إحداث تحول انتخابي واسع موضع شك.
كما أن ربط ترامب استمرار التنسيق بشأن إيران ببقاء نتنياهو يطرح تساؤلات حول مدى قابلية تحالف واشنطن وتل أبيب للتأثر بالتغييرات الحزبية، خصوصًا أن العلاقة الاستراتيجية بين الجانبين لا تقتصر على هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية.
ومن جهة أخرى، لا تعني خسارة نتنياهو، إذا تحققت، بالضرورة تحولًا جوهريًا في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين؛ إذ إن المنافسة الأساسية تدور بين قوى سياسية تتبنى بدرجات متفاوتة مقاربات أمنية وعسكرية متشددة، وتجمعها مساحات واسعة من التوافق بشأن استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن أحزاب اليمين المتطرف قد تحقق مكاسب انتخابية، بالتزامن مع تنامي النزعات القومية والتشدد داخل المجتمع الإسرائيلي، في مؤشر على أن الانتخابات قد تعيد توزيع النفوذ داخل المؤسسة السياسية، من دون أن تقود بالضرورة إلى تغيير جذري في توجهاتها الإقليمية.
انتخابات على حافة الحسم.. ونتنياهو يقاتل للبقاء
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو الانتخابات الإسرائيلية محكومة بصراع متداخل بين التدخل الأميركي، والاستقطاب الداخلي، والاعتبارات الأمنية والعسكرية، والحسابات الدقيقة لتوزيع المقاعد البرلمانية.
فنتنياهو، الذي يوظف دعمه الأميركي وخطاب المواجهة مع إيران والقضية الفلسطينية لحشد قاعدته اليمينية، يواجه في المقابل معارضة تراهن على ارتفاع المشاركة الانتخابية، وتراجع نفوذ حلفائه الحريديين، وتشتت بعض أصوات اليمين، فضلًا عن تصاعد السخط الشعبي على أداء حكومته.
وبينما يسعى ترامب إلى تعزيز فرص حليفه عبر تقديم بقائه باعتباره ضرورة لاستمرار المواجهة المشتركة مع إيران، تحاول المعارضة تحويل الانتخابات إلى استفتاء على سنوات حكم نتنياهو وإدارته للأزمات الداخلية والحروب الإقليمية.
لكن المفارقة أن التنافس الشديد على السلطة يجري داخل مشهد سياسي تتقدم فيه الشعارات العسكرية والقومية على حساب أي نقاش جدي بشأن إنهاء الاحتلال أو الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وبذلك، قد تحدد صناديق الاقتراع في 27 تشرين الأول/أكتوبر هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبلة، لكنها لن تحسم بالضرورة مستقبل السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أو مسار الصراعات الإقليمية.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يستطيع ترامب إنقاذ نتنياهو من احتمال خسارة السلطة، أم أن تراكم الأزمات والانقسامات وتبدل موازين التصويت سيجعل الدعم الأميركي عاجزًا عن ضمان بقائه، في انتخابات قد تحسمها مقاعد قليلة وأصوات كانت خارج حسابات المعسكرين؟
