كشف تحقيق استقصائي نشرته مجلة «تايم» الأميركية، الأحد 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عن وثائق ومراسلات سرية سابقة تُظهر الدور المباشر الذي أدته حكومات الاحتلال الإسرائيلي، ولا سيما الحكومات التي ترأسها بنيامين نتنياهو، في تسهيل وتنظيم استمرار تدفق الأموال القطرية إلى قطاع غزة طوال أكثر من عقد، رغم الانتقادات العلنية التي وجهها مسؤولون إسرائيليون إلى الدوحة واتهاماتهم لها بتمويل حركة حماس.
ويأتي التحقيق، الذي تناول تحويلات قطرية إلى غزة قاربت ملياري دولار، في توقيت تتصاعد فيه المواجهة السياسية داخل إسرائيل بشأن مسؤولية نتنياهو عن السياسات الأمنية التي سبقت هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وقبل أيام من انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.
وبحسب الوثائق التي حصلت عليها المجلة، فإن الدور الإسرائيلي لم يقتصر على الموافقة على إدخال المساعدات، بل شمل التنسيق المباشر مع المسؤولين القطريين، وتنظيم آليات صرف الأموال، والمطالبة باستمرار التحويلات، حتى عندما كانت الحكومة الإسرائيلية توجه انتقادات علنية إلى هذه السياسة.
وأثارت الوثائق اهتمامًا واسعًا في الإعلام العبري، إذ أبرزت القناة 12 وصحيفة «يسرائيل هيوم» وموقع «واللا» التناقض بين المواقف الإسرائيلية المعلنة تجاه التمويل القطري وبين المراسلات الرسمية التي تؤكد حرص الأجهزة الأمنية على استمراره.
رسالة من رئيس الموساد تشكر أمير قطر
ومن أبرز الوثائق التي نشرها التحقيق رسالة بعث بها رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي آنذاك، يوسي كوهين، إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في كانون الأول/ديسمبر 2020، عبّر فيها عن تقدير إسرائيل للمساعدات المالية والإنسانية التي قدمتها الدوحة إلى قطاع غزة.
وأكد كوهين في رسالته أن المساعدات القطرية أدت دورًا محوريًا في تحسين الظروف الإنسانية لسكان القطاع، وأسهمت في تعزيز الاستقرار والأمن الإقليمي، في اعتراف رسمي بأهمية استمرار التمويل الذي تعرض في الوقت نفسه لانتقادات من شخصيات داخل الحكومة الإسرائيلية.
وتكتسب الرسالة أهمية سياسية خاصة لصدورها عن رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي، بما يكشف أن التعاون بشأن التحويلات القطرية كان جزءًا من ترتيبات أمنية وسياسية تتجاوز الطابع الإنساني المعلن للمساعدات.
المجلس الأمني الإسرائيلي طالب باستمرار التحويلات
ولم تقتصر الوثائق على مراسلات الموساد، إذ كشف التحقيق عن رسالة أخرى أرسلها مسؤول في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي خلال عام 2020، بالتزامن مع تفشي جائحة كورونا، طالب فيها المسؤولين القطريين بالمحافظة على تدفق المساعدات المالية وفق الآلية القائمة.
وشددت الرسالة على أهمية استمرار تحويل الأموال بواسطة رئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة، السفير محمد العمادي، بدلًا من اعتماد قنوات بديلة أو وسطاء آخرين.
وأعرب المسؤول الإسرائيلي عن تقديره للتعاون والحوار المباشر مع الجانب القطري، معتبرًا أن هذا التنسيق يخدم الاستقرار والأمن ويقرب بين الجانبين.
وتشير هذه المراسلات إلى أن استمرار التمويل لم يكن مجرد إجراء سمحت به حكومة الاحتلال على مضض، بل سياسة عملت مؤسسات أمنية إسرائيلية على حمايتها والحفاظ على آلياتها، رغم الجدل السياسي بشأن آثارها على حكم حركة حماس للقطاع.
من أولمرت إلى نتنياهو.. كيف تحول التمويل إلى سياسة إسرائيلية؟
وبحسب تحقيق «تايم»، بدأت قطر تقديم المساعدات المالية إلى قطاع غزة عام 2007، عقب سيطرة حركة حماس على القطاع، خلال فترة تولي إيهود أولمرت رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
وفي السنوات الأولى، لم تكن الحكومة الإسرائيلية تضطلع بدور مباشر في إدارة التحويلات، لكن ذلك تغير تدريجيًا بعد عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، إذ سمحت حكومته، بحلول عام 2012، بآلية تمنح إسرائيل دورًا مباشرًا في تسهيل دخول الأموال القطرية.
ووفق التحقيق، بلغت الأموال التي قدمتها قطر للقطاع حتى عام 2018 نحو 1.1 مليار دولار، خُصصت، بحسب الترتيبات المعلنة، للمساعدات الإنسانية والوقود ورواتب موظفين في غزة.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2018، أُبرم ترتيب ثلاثي بمشاركة قطر وإسرائيل والأمم المتحدة لتمويل إمدادات الوقود إلى القطاع، ضمن مساعٍ لإضفاء طابع رسمي على آليات المساعدات وتنظيمها.
وكشف التحقيق أن الجانب القطري طالب بتوثيق رسمي للدور الإسرائيلي في هذه الترتيبات، خصوصًا بعد تكرار اتهامات علنية من مسؤولين إسرائيليين للدوحة بتمويل حماس.
وفي كانون الثاني/يناير 2019، علقت حكومة نتنياهو التحويلات القطرية مؤقتًا، في محاولة للضغط على حماس لوقف إطلاق الصواريخ، إلا أن المراسلات اللاحقة أظهرت استمرار العمل الإسرائيلي للحفاظ على آلية التمويل.
وفي تموز/يوليو من العام نفسه، أبلغت قطر حكومة نتنياهو بتحويل ستة ملايين دولار إلى عشرين ألف مستفيد في غزة، بواقع 300 دولار لكل مستفيد، في إطار المساعدات النقدية التي جرى تنسيقها مع الجهات الإسرائيلية.
بينيت انتقد الأموال علنًا ثم أبقى التمويل
وامتدت السياسة إلى حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد، رغم الانتقادات السابقة التي وجهها بينيت إلى إدخال الأموال القطرية عبر الحقائب النقدية، واعتباره تلك الآلية شكلًا من أشكال دفع الأموال مقابل الهدوء.
ووفقًا لتحقيق «تايم»، أوقفت حكومة بينيت إدخال الأموال عبر الحقائب النقدية، لكنها أبقت المساعدات القطرية ضمن آليات جديدة، دون إنهاء التمويل نفسه.
وفي آب/أغسطس 2021، التزمت قطر بتقديم 40 مليون دولار ضمن برنامج مساعدات، في مؤشر على استمرار الترتيبات رغم انتقال السلطة من نتنياهو إلى منافسيه.
ونقل التحقيق عن مصدر حضر اجتماعًا بين مسؤول إسرائيلي ومبعوث للإدارة الأميركية في عهد الرئيس جو بايدن أن الجانب الإسرائيلي أبدى رغبته في استمرار الترتيب القائم، رغم المواقف السياسية السابقة المناهضة له.
وأشار التحقيق إلى أن آلية المساعدات حظيت بدعم حكومات إسرائيلية متعاقبة وإدارتي الرئيسين الأميركيين دونالد ترامب وجو بايدن، إلى جانب الأمم المتحدة وأطراف أوروبية وفلسطينية، وفق شهادات مسؤولين عملوا في الإدارتين الأميركيتين.
طلب إسرائيلي بتمديد التمويل قبل هجوم 7 أكتوبر
وتكشف إحدى أبرز الوقائع التي استعرضها التحقيق أن رئيس الموساد دافيد برنياع توجه إلى الدوحة قبل نحو أسبوعين من هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لبحث استمرار التمويل القطري لقطاع غزة.
وبحسب ما أورده التحقيق، استنادًا إلى معلومات سبق أن نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، طلب برنياع من المسؤولين القطريين تجديد المساعدات لشهرين إضافيين، رغم تصاعد التوترات الأمنية والسياسية في تلك الفترة.
وأبدى الجانب القطري موافقته على استمرار التحويلات، لكنه أبلغ المسؤول الإسرائيلي أن هذه ستكون الدفعة الأخيرة وفق الترتيبات القائمة، في ظل اعتقاد الدوحة بأن تصاعد التوتر بين حكومة اليمين الإسرائيلي وحركة حماس جعل استمرار الآلية أكثر تعقيدًا.
ووفق مصادر مطلعة على المحادثات، استند الطلب الإسرائيلي إلى تقدير أمني مفاده أن استمرار تقديم المساعدات لسكان غزة سيمنح حماس مصلحة في المحافظة على الهدوء، ويتيح لإسرائيل وسيلة ضغط إضافية على الحركة.
ويعيد هذا الكشف تسليط الضوء على التصور الأمني الإسرائيلي الذي سبق هجوم السابع من أكتوبر، والقائم على افتراض أن التسهيلات الاقتصادية والتمويل الخارجي يمكن أن يساهما في احتواء التوتر ومنع التصعيد.
تحذيرات سبقت الهجوم وأسئلة بشأن مسؤولية نتنياهو
ويكتسب التحقيق أهمية إضافية في ضوء ما كشفه تحقيق سابق نشرته صحيفتا «يديعوت أحرونوت» وموقع «واينت» في 18 أيلول/سبتمبر 2026، عن وثائق استخباراتية وشهادات تفيد بأن أجهزة أمنية إسرائيلية ومسؤولين مصريين حذروا نتنياهو، منذ عام 2019، من احتمالات استخدام بعض الأموال في تعزيز القدرات العسكرية لحركة حماس.
وبحسب تلك التقارير، فإن استمرار المساعدات القطرية جاء رغم التحذيرات بشأن مخاطر السياسة الإسرائيلية القائمة على إدارة الصراع واحتواء حماس اقتصاديًا، بدلًا من معالجة جذوره السياسية والأمنية.
غير أن تحقيق «تايم» لا يثبت أن الأموال المخصصة للمساعدات الإنسانية استُخدمت مباشرة في تمويل هجوم السابع من أكتوبر، بل يكشف حجم المشاركة الإسرائيلية في إدارتها، ويعيد فتح النقاش بشأن مسؤولية الحكومات المتعاقبة عن تقديراتها الأمنية.
قطر: المساعدات دخلت بإشراف إسرائيل
وفي ردها على الاتهامات الإسرائيلية، أكدت قطر، وفق ما نقلته «تايم» عن مكتب الإعلام الدولي القطري، أن مساعداتها المالية لقطاع غزة كانت موجهة للفلسطينيين، من خلال آليات جرى تنسيقها مع السلطات الإسرائيلية والشركاء الدوليين.
وأوضحت الدوحة أن الأموال والمساعدات العينية، بما فيها الغذاء والأدوية والوقود، كانت تمر عبر إسرائيل قبل دخول القطاع، وأن إيصالها جرى بواسطة مؤسسات الأمم المتحدة وبالتنسيق مع الجهات الإسرائيلية.
وحملت قطر إسرائيل مسؤولية أي وصول محتمل للأموال إلى حركة حماس خارج الأغراض المخصصة لها، باعتبار أن السلطات الإسرائيلية أشرفت على آليات إدخال المساعدات وتوزيعها.
وفي المقابل، دافع نتنياهو سابقًا عن سياسة السماح بالمساعدات القطرية، معتبرًا أنها كانت تهدف إلى تجنب انهيار الخدمات المدنية والإنسانية في غزة، بما فيها المياه والكهرباء والتعليم والصرف الصحي.
اتهامات باستخدام التمويل لتكريس الانقسام الفلسطيني
وأعاد التحقيق إلى الواجهة اتهامات وجهها منتقدو نتنياهو داخل إسرائيل، مفادها أن حكوماته استخدمت استمرار حكم حماس لقطاع غزة وسيلةً للحفاظ على الانقسام السياسي والجغرافي بين القطاع والضفة الغربية، وإضعاف فرص قيام قيادة فلسطينية موحدة.
واستند هؤلاء المنتقدون إلى تصريحات نُسبت إلى نتنياهو خلال اجتماع لحزب الليكود عام 2019، ربطت بين دعم استمرار حكم حماس ومنع إقامة دولة فلسطينية، وهي تصريحات سبق لنتنياهو أن نفى الإدلاء بها.
وتشير الوثائق الجديدة إلى أن السياسة الإسرائيلية تجاه الأموال القطرية استندت إلى اعتبارات أمنية وسياسية متداخلة، لكن تحديد ما إذا كانت تهدف عمدًا إلى تكريس الانقسام الفلسطيني يبقى موضع خلاف وتقييم سياسي.
الوثائق تعمّق الجدل حول إخفاق 7 أكتوبر
ويفتح التحقيق فصلًا جديدًا في الجدل الإسرائيلي بشأن مسؤولية المستوى السياسي والأمني عن الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر، خصوصًا أن الوثائق تُظهر استمرار تمسك أجهزة الاحتلال بآلية التمويل حتى الأسابيع الأخيرة التي سبقت الهجوم.
وفي الوقت الذي يحاول فيه نتنياهو الدفاع عن سجله الأمني قبيل الانتخابات، تقدم المراسلات صورة أكثر تعقيدًا للسياسة التي اتبعتها حكوماته تجاه غزة، وتكشف أن التمويل القطري كان جزءًا من ترتيبات عملت إسرائيل على تطويرها والحفاظ عليها لسنوات.
كما تتقاطع هذه القضية مع الجدل المستمر في إسرائيل بشأن ما يُعرف بفضيحة «قطر غيت»، المرتبطة باتهامات لمساعدين حاليين وسابقين لنتنياهو بالعمل لمصلحة جهات قطرية في حملات علاقات عامة، وهي قضية منفصلة عن آلية المساعدات الإنسانية، وإن كانت تضيف بعدًا سياسيًا إلى النقاش بشأن علاقات محيط نتنياهو بالدوحة.
وبين الرسائل التي تشكر قطر على مساعداتها، والانتقادات الإسرائيلية العلنية لتلك المساعدات، والطلبات الأمنية باستمرار التمويل حتى عشية السابع من أكتوبر، يكشف تحقيق «تايم» تناقضًا موثقًا بين الخطاب السياسي الإسرائيلي وآليات التعاون الفعلية مع الدوحة.
ويطرح التحقيق سؤالًا جوهريًا بشأن مسؤولية صناع القرار في إسرائيل عن سياسة استمرت عبر حكومات متعددة: كيف دافعت الأجهزة الأمنية عن آلية تمويل اعتبرتها وسيلة لتحقيق الاستقرار، بينما أصبحت السياسة نفسها بعد السابع من أكتوبر محورًا للاتهامات المتبادلة بشأن الإخفاق الأمني؟



