رئيس الموساد السابق يعترف بخداع إيران: دفعناها لاعتقال 21 ألف شخص لحماية عملائنا من الانكشاف

رئيس الموساد ديفيد برنيع
رئيس الموساد ديفيد برنيع

كشف رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق، ديفيد برنياع، تفاصيل جديدة عن عمليات استخبارية نفذها الجهاز داخل إيران ولبنان، معترفاً بأن نشر تسجيل مصور لعملاء الموساد أثناء تنفيذ عمليات داخل الأراضي الإيرانية كان خطوة متعمدة لدفع السلطات الإيرانية إلى اعتقال آلاف الأشخاص، بهدف إرباك أجهزتها الأمنية ومنعها من تحديد هوية العملاء الحقيقيين.

ونقل موقع «واينت» العبري عن برنياع، خلال مشاركته في مؤتمر «Priority Summit»، أن الموساد نشر مقطعاً مصوراً رسمياً يحمل شعاره مع بداية العملية العسكرية الإسرائيلية ضد إيران، التي أُطلق عليها اسم «الأسد الصاعد»، بهدف حماية عملائه العاملين داخل الأراضي الإيرانية عبر توسيع دائرة الاشتباه الأمني.

وقال برنياع إن السلطات الإيرانية اعتقلت، وفق روايته، نحو 21 ألف شخص في اليوم الثاني من المواجهة العسكرية، موضحاً أن الهدف من نشر التسجيل كان دفع الأجهزة الأمنية الإيرانية إلى تنفيذ اعتقالات واسعة تجعل من الصعب التمييز بين العملاء الإسرائيليين والأشخاص الذين أوقفوا لمجرد الاشتباه.

وأضاف: «أردنا التأكد من أنهم سيعتقلون أعداداً كبيرة من الأشخاص، بحيث لا يستطيعون التمييز بين الغث والسمين، وفي النهاية يضطرون إلى إطلاق سراح الجميع، وهذا بالضبط ما حدث».

وأوضح أن اعتقال 21 ألف شخص يعني أنه حتى لو كان بينهم عميل أو اثنان للموساد، فإن أجهزة الأمن ستواجه روايات متشابهة من المعتقلين بشأن ظروف توقيفهم، ما قد يؤدي في النهاية إلى الإفراج عن الجميع، بمن فيهم العملاء الفعليون.

برنياع: إيرانيون أُعدموا بتهمة التجسس للموساد لا نعرفهم

وفي اعتراف آخر، قال رئيس الموساد السابق إن بعض الأشخاص الذين اعتقلتهم السلطات الإيرانية أو أعدمتهم بتهمة التعاون مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي لم تكن لهم أي علاقة بالموساد.

وأضاف أنه عندما يسمع عن أشخاص أُعدموا في إيران باعتبارهم عملاء للموساد، يطلب من مسؤولي الجهاز التحقق من هوياتهم، لكنه يتلقى أحياناً إجابات تفيد بأنهم غير معروفين لدى الجهاز.

وقال: «هناك أشخاص بائسون قرروا أنهم عملاء لنا، لكنهم لم يعملوا مطلقاً لصالح الموساد، وربما لم يعملوا لصالح أي جهاز استخباري آخر».

وزعم برنياع أن 99.9% من عملاء الموساد لم تُكشف هوياتهم على الإطلاق، مشيراً إلى أن عدداً من العملاء الذين شاركوا في العمليات الإسرائيلية ما زالوا يعيشون داخل العاصمة الإيرانية طهران.

وأضاف: «لا أستطيع القول إنهم موجودون معنا هنا، لكنهم هناك في طهران، وما زالوا يعيشون حياتهم، وهم يدركون أنهم خدموا هدفاً عظيماً، ليس من أجل دولة إسرائيل، بل من أجل أنفسهم».

عشرات العملاء دخلوا العمليات قبل أسابيع من الهجوم على إيران

وكشف برنياع أن عشرات العملاء التابعين للموساد كانوا على علم مسبق بالهجوم الإسرائيلي على إيران قبل أسابيع من تنفيذه، في وقت لم يكن فيه حتى الطيارون الإسرائيليون المكلفون بالهجوم يعرفون طبيعة المهمة التي سيُطلب منهم تنفيذها.

وقال إن عشرات العملاء أُرسلوا لتنفيذ مهام استخبارية قبل أسابيع من بدء العملية العسكرية، وكانوا يعلمون أنهم يستعدون للمشاركة في هجوم واسع، لكنهم احتفظوا بهذه المعلومات بسرية تامة.

وأضاف أن جميع العملاء المشاركين في تلك العمليات حصلوا على موافقته الشخصية قبل تكليفهم بمهامهم، موضحاً أنه كان يلتقي كل عميل ويتحدث معه قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن مشاركته.

وأشار إلى أن الموافقة على تشغيل هؤلاء العملاء كانت تمثل مسؤولية شخصية مباشرة بالنسبة إليه، نظراً إلى حساسية العمليات وخطورة تسرب المعلومات المتعلقة بها.

نتنياهو خشي فشل تفجير أجهزة النداء في لبنان

وفي جانب آخر من تصريحاته، كشف برنياع تفاصيل الدقائق الأخيرة التي سبقت تنفيذ عملية تفجير أجهزة النداء اللاسلكية «البيجر» التي استهدفت عناصر من حزب الله في لبنان.

وأوضح أنه كان موجوداً عند الساعة 15:20 داخل مركز القيادة الإسرائيلي المحصن، إلى جانب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، ورئيس أركان الجيش، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، قبل عشر دقائق فقط من الموعد المحدد لتنفيذ العملية عند الساعة 15:30.

وقال إن نتنياهو توجه إليه بصورة مفاجئة وسأله: «ماذا سيحدث إذا لم تنجح العملية؟».

وأضاف برنياع: «كانت تلك المرة الأولى التي أفكر فيها بإمكانية فشل العملية، قبل عشر دقائق فقط من تنفيذها. بدأ قلبي يخفق بشدة، لكنني أجبته: هذا مستحيل، كل شيء على ما يرام».

وتابع: «بعد ذلك أمضيت عشر دقائق كاملة أفكر في مدى حماقة ما قلته».

وأشار إلى أن جميع المسؤولين الحاضرين كانوا يراقبونه عند حلول موعد التنفيذ، منتظرين الحصول على تأكيد فوري بشأن نجاح العملية.

وأوضح أن نتائج التفجيرات لم تكن متاحة بصورة مباشرة، وأنه أبلغ الحاضرين بأن المعلومات قد تبدأ بالوصول بعد نحو نصف ساعة، قبل أن يتلقى الجهاز تقارير أولية من مصادره، تلتها أنباء نشرتها وسائل الإعلام، تأكد على أساسها نجاح العملية وفق تقديره.

مئات التجارب قبل تفجير أجهزة البيجر

وكشف برنياع أن الموساد أجرى مئات التجارب قبل تنفيذ عملية تفجير أجهزة النداء، مستخدماً دمى محشوة بمواد تحاكي أنسجة جسم الإنسان، لاختبار تأثير المتفجرات.

وقال إنه طالب مراراً بتقليل كمية المواد المتفجرة المستخدمة في الأجهزة، مدعياً أن الهدف كان الحد من احتمال إصابة أفراد عائلات عناصر حزب الله.

وأضاف أنه واجه اعتراضات متكررة من القائمين على العملية، الذين اعتبروا أن تخفيض كمية المتفجرات قد يقلص فاعليتها، لكنه أصر، بحسب قوله، على وجود ما وصفها بـ«الخطوط الحمراء».

وفي المقابل، تحدث برنياع عن النتائج البشرية للعملية، قائلاً إن التفجيرات تسببت في أعداد كبيرة من الإصابات مقابل عدد أقل من القتلى.

وزعم أن نحو 4500 شخص فقدوا أعضاء من أجسادهم نتيجة العملية، مشيراً إلى أن وجود هؤلاء المصابين في الضاحية الجنوبية لبيروت يمثل، من وجهة نظره، تذكيراً دائماً لحزب الله بنتائج المواجهة مع إسرائيل.

وهذا الرقم ورد على لسان برنياع، من دون تقديم بيانات مستقلة في النص المنشور تؤكد صحته.

ثلاثة أهداف لعملية التفجيرات واحتمال تنفيذ عملية ثالثة

وأوضح رئيس الموساد السابق أن عملية تفجير أجهزة النداء استهدفت تحقيق ثلاثة مستويات من التأثير داخل حزب الله.

وتمثل المستوى الأول، وفق روايته، في إيقاع إصابات مباشرة بين عناصر الحزب، فيما ركز المستوى الثاني على إضعاف معنوياتهم وإحداث صدمة داخل التنظيم، بينما استهدف المستوى الثالث تعزيز الشعور بالخوف وعدم اليقين بشأن العمليات الإسرائيلية اللاحقة.

وأشار إلى أن تفجير أجهزة الاتصال اللاسلكية في اليوم التالي لعملية البيجر ضاعف هذا التأثير، خصوصاً مع استمرار الغموض بشأن وجود وسائل اتصال أخرى قد تكون عرضة للتفجير.

وعندما سُئل عن احتمال وجود عملية استخبارية ثالثة تستهدف حزب الله، رفض برنياع تقديم إجابة مباشرة، لكنه ألمح إلى أهمية إبقاء الطرف المستهدف في حالة من الشك.

واستشهد بالقصف النووي الأميركي لمدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، قائلاً إن القيادة اليابانية لم تكن تعرف ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك قنابل إضافية.

وأضاف أن الضربة الأولى قد تدفع الطرف المستهدف للاعتقاد بأنها الوحيدة، لكن تنفيذ ضربة ثانية يجعله غير متأكد من احتمال وجود ثالثة أو رابعة.

اعتراف إسرائيلي: كنا نخشى القدرات الصاروخية الإيرانية

وفي سياق حديثه عن المواجهة مع إيران، أقر برنياع بأن إسرائيل كانت تعيش حالة من الردع أمام القدرات العسكرية الإيرانية قبل الهجمات التي نفذتها طهران في نيسان/ أبريل وتشرين الأول/ أكتوبر 2024.

واعتبر أن إيران ارتكبت ما وصفه بـ«خطأين استراتيجيين تاريخيين» عندما شنت هجماتها الصاروخية والجوية ضد إسرائيل خلال هذين الشهرين.

وقال: «يجب أن نقول الحقيقة. قبل تلك الهجمات، كانت دولة إسرائيل، ونحن، في حالة ردع».

وأوضح أن المخاوف الإسرائيلية كانت مرتبطة بعدم وضوح القدرات الفعلية للصواريخ الإيرانية الدقيقة بعيدة المدى، إلى جانب الشكوك بشأن قدرة منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأميركية على التصدي لهجمات واسعة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وتكشف تصريحات برنياع، وفق روايته التي نشرها موقع «واينت» العبري، جانباً من أساليب التضليل والعمليات السرية التي اعتمد عليها الموساد خلال المواجهة مع إيران وحزب الله، بما يشمل توظيف النشر الإعلامي لإرباك أجهزة الأمن، وتشغيل عملاء داخل الأراضي الإيرانية، واستخدام التفجيرات المتزامنة لإحداث تأثير ميداني ونفسي.