رجل لا يعرف المستحيل !/محمد السودي


من منا لايعرف ذلك الشاب صاحب الطول الفارع ذو الطلعة البهية ، زين شباب فلسطين الذي تردد اسمه على كل لسان حيث حمل هموم شعبه منذ نعومة اظافره بكونه احد الذين عايشوا فصول النكبة بكل تفاصيلها وتأصلت في ذاكرته هواجس العودة الى ارض الوطن ، الى طيرة حيفا ، التي ينتمي اليها أبا ً عن جد قبل وصول أسراب الغربان القادمين اليها من كل اصقاع الارض اغراب عن هوائها وجبالها لا تمت لهم بأي صلة كانت ، سوى اساطير الوهم الصهيوني المصنوعة في دهاليز الرعب الاوروبي القديم مهد المؤامرة الصهيونية على فلسطين .

انه محمد احمد فهد عباس الملقب " بأبي العباس " الاسم الذي احدث ظاهرة كونية في مفاعيل الكفاح الوطني للثورة الفلسطينية المعاصرة من خلال اصراره وعناده على ان تبقى الثورة مستمرة ليس بالاساليب التقليدية حسب ، بل بكل مالا يخطر على بال العدو ، ولانه يؤمن بالفكرة الخلاقة سخر كل طاقاته لانجاحها ، يعرف رفاق " ابي العباس " كيف كان يواصل الليل بالنهار يعمل ، يجتهد يطور ، يصيب تارة ، ويخطئ تارة اخرى لكنه في نهاية المطاف ينتصر على الصعاب ، يرعى شؤون شبان العمليات الخاصة التي كان يسميها " وحدة الرواد " مؤمنا كل الايمان بأهمية الثورة المستمرة لايفرق بين احد إلا بمدى ارتباطه بالوطن وبالمهمة الموكلة اليه ، جال بين الجبال يبحث عن الموقع الافضل ، يعيد محاولات عباس ابن فرناس للطيران باتجاه الوطن ، يستعين بالاشخاص الذين لديهم التميز وكان من بينهم فارس كلوب باشا المناضل الاممي الذي آمن بعدالة حقوق الشعب الفلسطيني معاونا له ، ثم يحضر المدرب جيم المختص بشؤون الطائرات الشراعية يساهم بدوره في اعداد التدريب لهؤلاء الشبان رواد الحرية القادمة وهكذا لايقف عند حدود الجغرافيا المصطنعه في بلادنا ...

لقد عرفته براري لبنان سهولها ووديانها ، جبالها ، بيّارات الليمون شواهد على اسرار مهنته ومن سواحلها انطلقت زوارق العودة الى شواطئ نهاريا والزيب ، تحمل على متنها فرسان من مختلف الجنسيات كتعبير عن وحدة الدم والمصير ومنها طار اول منطاد الى ارض الوطن ، يحمل اسم الشهيد كمال جنبلاط ، ثم اصبح ابرز المطلوبين لقوات الاحتلال واعوانهم ، اصيب بجراح اثناء اجتياح العاصمة بيروت عام 1982 بعد ان استهدفت احدى الغارات الاسرائيلية المكان الذي كان يتواجد به ، لكنه خرج اصلب واقوى مثل طائر الفينيق الذي ينهض من بين الرماد يواصل نضاله ، وادرك مبكرا ان الخروج من لبنان سيكون له عواقب خطيرة من اهمها استهداف منظمة التحرير الفلسطينية ، بعد ان فشلت كافة المحاولات السابقة لخلق البدائل لذلك سارع الى رفع الشعار الذي اثبت صوابيته ، الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية وصيانة القرار الوطني المستقل عنوان المرحلة اللاحقة ، لم يهدأ له بال في المنافي البعيدة للتوصل الى اجابات عن الكيفية التي تؤدي الى استمرار عملية الصراع مع العدو وظل مسكون بالفكرة الخلاقة لانه لا يؤمن بالمستحيل ، ومن شرفة احد المنازل المطلة على ميناء الجزائر كان الجميع منهمك بامور الدنيا وماعليها ، ما عدا ذلك الرجل الاستثنائي الذي ظل غارقا في تفكيره يراقب التفاصيل وكأنه يعيش ولادة لحظة ما ، بعدها نضجت لديه فكرة الوصول الى ارض الوطن عبر وسيلة سياحية من اجل ما وعد به تحرير الاسرى من اقفاص الظلام ، غير ان القدر عاند ما كان يصبو اليه ابو العباس ، لم يكن يخطر على باله احتجاز سفينة ركاب في عرض البحر قبالة شواطئ الاسكندرية ، ولم يكن يعلم هؤلاء الشبان بوجود احد على متن السفينة ، الامر الذي دعاهم الى تجهيز معداتهم استعدادا للوصول الى ميناء اشدود حيث يشكل الميناء الميدان المبتغى الوصول اليه واحتجاز افراد من امن العدو ومقايضتهم بتحرير عدد كبير من الاسرى ، ولو كتب لهذه العملية النجاح لكنت ام العمليات بكل ما يعنيه الوصف من معنى .

لم يعد بالارض متسعا يتحمل وجود ذلك المناضل الكبير خشية اغضاب طغاة الارض بعد عملية قرصنة جوية اجبرت الطائرة المصرية التي كانت تقله برفقة الشبان الذين كانوا على متن السفينة بالهبوط قرب احدى قواعد الحلف الاطلسي في ايطاليا ، غير ان رئيس وزرائها تمتع بشجاعة قل نظيرها عندما رفض تسليمهم اليها ، وغادر الى يوغسلافيا السابقة ومنها الى ارض الرافدين التي فتحت ابوابها امام أبي العباس ورفاقه مما سبب بأزمة للعلاقات الدبلوماسية بين العراق واميركا ..

الضربة التي لا تنهيك تقويك هذا ما كان يؤمن به أبي العباس الذي اعاد ترتيب اوراقه من جديد وفق متطلبات الظروف الناجمة عن الحصار المفروض على الجبهة ، لم يعدم الحيلة ولا الوسيلة لاختراق الحصار واقام معسكرات التدريب الخاصة والبحرية والجوية في العديد من الدول استعدادا لجولات المواجهة مع الاحتلال وكانت عملية القدس البحرية على شواطئ تل ابيب عام 1990 احدى ثمار هذه الجهود بعد فتح قناة الاتصال الامريكي الفلسطيني الذي تحول الى اداة رقابية على السلوك الفلسطيني خدمة للمخططات الصهيونية حيث اصبح بلا جدوى الامر الذي ادى الى وقف الحوار ، رافق ذلك كله تطورات في المنطقة ادت الى غزو العراق من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة خارج نطاق مجلس الامن والمؤسسات الدولية ، ثم جاء مؤتمر مدريد كنتيجة طبيعية للغزو الامريكي لم يسفر عن شيء ملموس الى ان ظهر اتفاق اوسلو الذي فاجأ الجميع كان موقف أبي العباس رفض ذلك الاتفاق جملة وتفصيلا الى حد انه اصر بشدة على مندوب الجبهة في اللجنة التنفيذية الذي كان له رأي مغاير على رفض الاتفاق داخل الاطر الفلسطينية كما تقتضيه امانة المسؤولية تجاه الشهداء وتاريخ الجبهة المشرف لكنه كان يدرك في نفس الوقت ان مرحلة جديدة قد بدأت اهمها نقل القرار السياسي الفلسطيني من الخارج الى الداخل ، واتخذ قرار بعد مشاورات مع الاطر القيادية ادى الى عودة عدد كبير من قادة وكوادر الجبهة الى ارض الوطن طالما لم يتأثر موقف الجبهة من ذلك الاتفاق ، ثم عاد الى قطاع غزة بعد دعوة رسمية من المجلس الوطني عام 1996 ، لسببين هامين الاول يتعلق بمجموعات دخلت الى ارض الوطن وادعت انها تمثل جبهة التحرير الفلسطينية وكان ذلك يشكل خطرا حقيقيا على مسار الجبهة ، والثاني عدم الانكفاء والتقوقع في الخارج نتيجة تسجيل موقف تطهري تكون له عواقب ليست محموده على عدد كبير من قيادات وكوادر جبهة التحرير خاصة في مناطق الشتات ...

لقد عاد ابو العباس الى ارض وطنه وزار مدنها وقراها عدة مرات وعند اندلاع الانتفاضة الثانية اراد العودة الى قطاع غزة لكن الشهيد الخالد الرمز ياسر عرفات تمنى عليه عدم المجيء لاسباب يعلمها ، وحتى استشهاده اقام في العراق يمارس دوره القيادي الفلسطيني ليس لتنظيمه وحسب بل كان قائدا وطنيا وقوميا يمثل كافة فصائل العمل الوطني هذه شهادة يعرفها كل من زار العراق بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والتنظيمية حتى رفاقه الذين اختلفوا معه لم يقطع حبل المودة تجاههم ، حيث غزت القوات الامريكية العراق تحت ذرائع مختلفة كانت تريد اثبات مصداقية ادعاءاتها حول وجود اسلحة دمار شامل ، وكذلك وجود ارهابيين كما يحلو لها تسميتهم فقامت باعتقال ابو العباس بعملية استعراضية لا مبرر لها ادت الى استشهاده بعد عام من الاعتقال ، انها عملية اغتيال جبانه قامت بها القوات الامريكية بالاشتراك مع جهاز الموساد وسوف تثبت الايام صحة الوقائع التي يعرفها الكثيرون ، لابد من تشكيل لجنة تحقيق محايدة للكشف عن ملابسات الجريمة هنالك عدد كبير من الاشخاص الذي صادف اعتقالهم بنفس الفترة ويعرفون الكثير عما حدث ، ترجل الفارس ولكنه لن يمحى من الذاكرة الجمعية الفلسطينية مهما طال الزمن ، سيبقى الشهيد الرمز ابو العباس نبراس يضيء ليل فلسطين حتى يتمكن شعبنا من نيل حريته كاملة ، رحمك الله ايها الفارس القائد الحاضر فينا ابدا ...
الذكرى الثامنة لاستشهاد القائد الوطني والقومي محمد عباس " ابو العباس

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت