بدأ الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، الاحد الماضي ، جولة إلى عدة دول عربية من ضمنها قطر لبحث الدعم المالي والسياسي للحكومة التوافقية التي ينوي تشكيلها خلال الأيام المقبلة، بعد توقيع اتفاق لتطبيق المصالحة الوطنية بين وفد من منظمة التحرير وحركة حماس بغزة .
ويبدوا ان الرئيس الفلسطيني الذي من المتوقع ان يكون هو رئيس هذه الحكومة يدرك حجم المشاكل والازمات السياسية والاقتصادية المتشعبة التي تراكمت خلال سبع سنوات من الانقسام الفلسطيني، والتي تقع مسؤولية حلها خلال ستة شهور وهي المدة المعلنة لبقاء هذه الحكومة لحين اجراء انتخابات فلسطينية ، وفق اتفاق المصالحة .
وحسب تقديرات خبراء سياسيون واقتصاديون فإن الازمات التي تقف شاخصة امام الحكومة ليس من السهل حلها بشكل كامل وتتطلب عمل جاد وطويل، وهذا يرتبط بجوانب عديدة ومزدوجة منها ما هو متعلق بمدى توفر الرضا والدعم الدولي والاقليمي لهذه الحكومة ومدى امتلاكها من سلطات تنفيذية على الارض لتغيير واقع الانقسام بكل اثاره .
الرضا سيساعد..
حسن عبدو المحلل والكاتب السياسي الفلسطيني ، يؤكد ان نجاح حكومة التوافق الوطني ، مرتبط بمدى الرضا الاقليمي والدولي عنها ، ولا يمكن لها ان تعالج الازمات التي يعيشها الشعب الفلسطيني دون مساعدة الاطراف الاقليمية والدولية .
ويضيف عبدو متحدثا لـ"وكالة قدس نت للأنباء"، "هذه الحكومة لابد ان تلبي التطلعات الإقليمية والدولية وهي مسألة مهمة جدا لنجاحها "، ويلفت بان حكومة التوافق وفقاُ لما اعلن ستكون برئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، وبالتالي تتبع برنامجه السياسي وتحظى بنفس الوقت بموافقة من الاطراف الفلسطينية ، ومن هنا يمكن ان تجد الرضا الدولي والاقليمي.
ويقول عبدو ان " هذا الرضا سيساعد الحكومة على معالجة مسألة تحرك الافراد وقضية رفع الحصار عن قطاع غزة وقضية الخدمات والكهرباء والمعابر، ومشاكل داخلية عديدة ، بينما هناك رزمة من المشاكل غير قابلة للحل ولا يعتقد المحلل عبدو، بان هذه الحكومة بالنهاية قادرة على معالجتها وابرزها واهمها قضية الاحتلال الاسرائيلي وهو اكبر ازمة يواجها الشعب الفلسطيني ".
من جهة اخرى يشير عبدو الى تحدى اخر سيواجه الحكومة ويتعلق بسلطتها التنفيذية على الارض (..) ، ففي الفترة الماضية وفي ظل الانقسام اصبح المشهد الفلسطيني يتكون من هياكل ثنائية مختلفة واحدة في الضفة تتبع سلطة حركة فتح والاخرى في غزة وتتبع سلطة حماس ، وهي مسألة تحتاج لشهور من العمل الجاد لتوحيد المؤسسات وهذه الهياكل .
وانتج الانقسام الفلسطيني وجود أجهزة امنية ومدنية في قطاع غزة ،موالية الى حركة حماس ، في حين لجأت السلطة في رام الله والتي تديرها حركة فتح الى الطلب من موظفين السلطة الفلسطينية المتواجدين في غزة ما قبل الانقسام الى الجلوس بالبيت وعدم المشاركة في المؤسسات التابعة لحركة حماس .
ويوضح عبدو بالقول " من الصعب اطلاق حكم مسبق على مدى نجاح او فشل حكومة التوافق الوطني في معالجة الازمات " ويستدرك " اذا كانت حكومة كفاءات وطنية وتم اختيارها بعناية وطريقة مناسبة ، وتوفر لها الرضا الاقليمي والدولي ، ستعمل في مناخ ايجابي وسيشعر الشعب الفلسطيني مباشرة في اهميتها ، ومن المؤكد ستعالج ازمات عديدة ولكن ليس جميعها ".
ومن المتوقع ان يصل وفد المصالحة المكلف من منظمة التحرير الفلسطينية الى قطاع غزة مرة اخرى في الايام القادمة للتشاور مع حركة حماس، حول أسماء الشخصيات التي ستتولى الحقائب الوزارية في حكومة التوافق الوطني .
ويضيف عبدو "حكومة التوافق الوطني من المفترض ان تكون لمدة قصيرة (ستة شهور )ومن ثم يتم اجراء انتخابات فلسطينية ، ولكن اذا كانت فاعلة وقادرة على حل الازمات ربما تطول ، وستحظى بدعم واسع من الشعب الفلسطيني ".
موقف ارتجالي..
من جانبه يرى اكرم عطا الله الكاتب والمراقب السياسي ، ان احدى الازمات السياسية التي تواجه هذه الحكومة ، هي معالجة الازمة السياسية المرتبطة بالإقليم ، حيث ادت التغيرات العربية في الفترة الماضية الى وجود موقفين فلسطينيين مختلفين .
ويضيف عطا الله بالقول لـ"وكالة قدس نت للأنباء "،" موقف له رؤية مما يحدث في الاقليم ويحاول ان يبدوا انه ليس له علاقة بالتغيرات الإقليمية ولا يتدخل بما يحدث وهو موقف سلطة رام الله ، وموقف اخر ارتجالي يتمثل في حركة وحكومة حماس بغزة عبر انخراطها بما يجرى باعتبارها جزء من الاخوان المسلمين ".
ووفق عطا الله ، "فإن موقف حركة حماس ادى الى ازمة سياسية بين الحركة ومصر على خلفية الاخوان المسلمين ، كما وادى ذلك الى ازمة بين حماس وسوريا على خلفية التغيرات الداخلية السورية ، كما وان الموقف مما حدث في تونس وليبيا جميعها اثرت على العلاقات الخارجية للفلسطينيين بشكل عام".
ويلفت الى ان مصر لجأت الى اغلاق معبر رفح واغلاق الانفاق الحدودية وبات يدفع المواطنين في قطاع غزة ثمن هذه المواقف ، وهذا بحاجة الى معالجة عبر حكومة التوافق الوطني من خلال التعاون المشترك مع الجانب المصري .
ويؤكد عطا الله ان قضية رفع الحصار عن قطاع غزة هي احدي المشاكل التي يجب حلها ، وحسب ما يقول ،"حركة حماس اعطت في الفترة السابقة مبرر للإسرائيليين باغلاق المعابر التي يسطر عليها مع قطاع غزة بحكم وجود نظام سياسي في القطاع لا يعترف باسرائيل وفق الاتفاقيات السابقة مع الفلسطينيين ، وبالتالي فرض الحصار دون ان يلام دولياً ".
وبالعودة الى الجانب المصري وتأثيره في هذه النقطة وانجاحه لعمل حكومة التوافق ، يقول عطا الله ، ان" الجانب المصري لم يكن يرغب في ان تكون حماس جزء من نظام سياسي فلسطيني بالفترة الاخيرة ، ولكن بنفس الوقت هو بارك المصالحة الفلسطينية لأنه وجد فيها اهون الخيارات بالنسبة له بالتعامل مع قطاع غزة الذي كان يعتبر مصدرا للعناصر المتشددة في ظل سيطرة حكومة حماس عليه ".
ويضيف "بوجود حكومة التوافق الوطني الجديدة ، ووجود حرس الرئيس على معبر رفح الحدودي فإن الجانب المصري سيكون اكثر ارتياحا من السابق تجاه قطاع غزة ".
ويري عطا الله ، ان الانقسام الفلسطيني انتج مجموعة من الازمات المتراكمة والمتشعبة منها ما هو متعلق بالخدومات والحريات السياسية والخدمات والرواتب وغيرها وجميعها تحتاج الى حلول ".
"التوافق" ضرورة..
بدوره يقول معين رجب الخبير الاقتصادي الفلسطيني ، "الواقع الفلسطيني عانى من فترة عصيبة بسبب الانقسام الذي احدث شلل في الحياة الاقتصادية ".
ويوضح رجب لـ"وكالة قدس نت للأنباء" بان "الانقسام انتج قرارات متضاربة لان اكثر من جهة كانت تحكم ،وكانت سلبيات كثيرة(..) من هنا تأتي ضرورة حكومة التوافق والوحدة الوطنية ، التي ستكون صاحبة القرار ولها الحرية في اتخاذ القرار ويقع عليها مسؤولية معالجة الازمات " .
ويشير ، الى ان من المشاكل الاقتصادية ما هو متعلق بالعامل البشري والقوى العاملة وجزء متعلق في النشاط الاقتصادي ، وجزء متعلق في الجانب الخارجي (الاقتصادي والسياسي) بحيث المحيط الاقليمي والدولي ينظر "لنا كطرف واحد وليس كأطراف متناقضة".
ويوضح ان احدى المشاكل البارزة التي تقف امام حكومة التوافق الوطني ويتوجب معالجتها " قضية الموظفين الذين لا يعملون ويتقاضون رواتب (المستنكفين ) ، بالإضافة لقضية الوظائف الجديدة التي اعتمدت في عهد حكومة حماس ، والوظائف المعلقة التي لا يتقاضى اصحابها رواتب ، وهذه قضايا مهمة واساسية لابد من معالجتها لأنها تمس عشرات الآلاف من الاسر الفلسطينية ".
وكان منيب المصري عضو وفد المصالحة ورئيس المنتدي الوطني الفلسطيني، كشف في تصريح سابق لـ" وكالة قدس نت للأنباء" ، بانه سيتم العمل على توفير 150 مليون دولار امريكي شهريا لحكومة التوافق الوطني من الحكومات العربية لتكون قادرة على معالجة المشاكل والازمات التي تقف في طريقها ."
ويؤكد رجب انه" لابد من العمل على بناء قطاعات الاقتصاد ، بخلاف ما كان عليه الوضع في فترة الانقسام ، حيث كان لدينا حكومتين كل حكومة لها سياسة وخطة ومنهجية مختلفة ، ومن خلال وجود حكومة واحدة سنختار الحلول المناسبة والملائمة وتتحول هذه الطروحات الى واقع جديد ".
ويشير الى ان قضية رفع الحصار على قطاع غزة وفتح المعابر وحرية السفر وادخال المواد الخام والسلع الممنوعة هي ازمات اخرى تقف امام الحكومة الجديدة القادمة لمعالجتها .
وتفرض اسرائيل حصار بري وبحري على قطاع غزة ، منذ سيطرة حماس على القطاع في عام 2007م ، بعد فوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية ، حيث ادى ذلك الى تفشي الفقر وارتفاع نسبة البطالة الى 40% وقامت (اسرائيل) بإغلاق المعابر باستثناء معبر كرم ابو سالم الذي تسمح "جزئيا" من خلاله بدخول بعض السلع الاستهلاكية .
ويؤكد الخبير الاقتصادي انه مهما كانت التحديات الاقتصادية التي تقف امام حكومة التوافق الوطني ، فإن الوحدة الحقيقية وتماسك البيت الداخلي الفلسطيني سوف تفرض على العالم التعامل "معنا واحترامنا والنظر الينا كطرف واحد وليس كأطراف متناقضة، وفرصة وضع حلول للمشاكل الاقتصادية ستكون اكبر واسهل ."
ويرى رجب ان حكومة التوافق الوطني" بكل الاحوال ستكون مؤقته ومن برنامجها اجراء انتخابات ستفرز عناصر جديدة لتشكيل حكومة وادارة شؤون الحياة السياسية والاقتصادية لشعب الفلسطيني."
وكان وفد المصالحة المكلف من منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة عزام الاحمد، قد وقع في 23 ابريل الماضي اتفاق مع حركة حماس بغزة على بدء تنفيذ اتفاق المصالحة، حيث تقرر تشكيل حكومة توافق وطني في غضون خمسة اسابيع ، على ان تتولي ادارة الشأن الفلسطيني وانهاء اثار الانقسام في فترة ستة شهور على الاقل ومن ثم تجري انتخابات فلسطينية .
