حالة عشق جديدة للأرض

إنني من هنا أكتب إليك، من الركن الذي كنت أبحث عنه، ركن حار وعابق بالعطر، في هذا المكان تتدرج حتى تصل إلى حافة الشاطئ، وتسمع صوت الناي، وصوت زقزقة العصافير، وتشم رائحة الحقول من خليط الأرض: أزهار ليلكية، وأشجار الزيتون، وقمح أخضر وسنابل ممشوقة مثل أعناق البجع، وزهور تنبت من تلقاء نفسها، فتجعل سطح الأرض مثل عناقيد الذهب، كم هي المناظر الجميلة حولي، غارقة في العشب حتى خصورها!!
لقد صرت مولعاً بهذه المنطقة الهيفاء، التي حلمت بها أكثر من أي شيء آخر، اذهب إليها كل صباح، كأنني أخطو إليها، أو كأنني أحبو إليها، تشعر بلذة غامضة، ففي هذا المكان تتفرج على دهشة الأطفال أمام الزرع والطيور والفراشات الملونة. إنها طريقة أخرى للمتعة والنزهة والهرب من العالم، والهرب من ضجيج الحياة، تخرج من أحشائها الفكر الخصب، والعلم والمعرفة، وفتح الآفاق الجديدة.
يصعب جداً عليَّ وصف مشهد الطبيعة الخلابة، من خلال الكلمات، فبعض الأشياء أحلام تراها ولا تصدقها. زمن طويل نحلم بها.. إنها الفردوس الأرضي ففيها الجمال والدفء والعذوبة، إنها حالة عشق جديدة للأرض تتغير فيها الدنيا؛ فعشق فلسطين - مهد الحضارة في الكون - ليس كعشق أي شيء آخر في الوجود، عشق تذوب فيه الروح داخل جسدها؛ لتصنع عشقاً لا مثيل له.
إنها حكاية إسمها فلسطين، مثل الحكايات الرتيبة التي كتبها التاريخ على جدران أرض الشرق الساحرة، لكن قدر فلسطين أن تتأبط وحدها معركة طاحنة لعب فيها الصراع دور البطولة في حلقاتها، ولا أحد استطاع أن يسد رياح الحرب عنها في أحلك أزمانها، تروي الأحزان بأكثر التعابير إثارة، كالنهر الدافق من ملصقات القتل ومعلقات الاستيطان، وقصائد الشهداء، وآهات الأسرى، وذكريات الهجرة وأحلام العودة.. تنوء وحدها تحت همومها في رباطة جأش نادرة.. كل شيء يتحول إلى نص حزين في العمق، من المشاهد التي لا تنساها الإنسانية، دائماً بإسم صناعة التاريخ، تبحث دائماً حولها عن دعاة الوطنية، عن هؤلاء الأبطال المولعين بالسلطة بإسمائهم الحقيقية، بنفوسهم الجميلة أو المريضة، بوجوههم الحسنة أو المقيتة، ليرفعوا الضيم عن الوطن الضائع، ويعيدوا مجده الغابر. ويكتبوا النهاية السعيدة في حكاية عربية حتى الأعماق اسمها فلسطين الجميلة.