عندما تدخل منطقة ميدان الجندي المجهول التي تعتبر قبلة المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة ، فانك تعرف لا محالة حجم الكثافة السكانية الكبيرة في القطاع والتي وصلت في أواخر العام الماضي الى مليون و800 ألف نسمة.
منطقة الجندي المجهول تعد النقطة الاقتصادية والحيوية بقطاع غزة والذي يعاني حصارا اسرائيليا خانقا منذ 8 سنوات أحالت الوضع المعيشي الى ادني مستوياته.
ولكن هذا لا يمنع ان تجد أفكارا صغيرة في المنطقة التي تعج بمئات العائلات الفلسطينية وهي متنزه حكومي مجاني لا يجبى شيء مقابل دخوله على عكس أماكن سياحية وترفيهية كثيرة في القطاع تفتقر الى الزائرين.
رجب ابو سمهدانة (ابو محمد ) يتوسط زاوية مظللة في الجندي المجهول تجالسه عائلته 7 افراد بينهم اطفال.
يتحدث ابو سمهدانة (56 عاما) مع مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" مع ساعات الغروب عن زيارته الدورية الى منطقة الجندي المجهول، وحفيدته مرام تداعب لحيته حيث تطالبه بان تركب على العربات المضيئة التي تلف في الجوار مطلقة العنان لمكبرات صوتية غنائية تلفت الانتباه خاصة للصغار الذين يملئون المكان.
هناك العشرات من هذه العربات الصغيرة التي يقودها الاطفال والاشبال والتي تعتبر دخلا أساسيا لكثير من العائلات الفلسطينية.
ابو محمد يستجيب للطفلة حفيدته التي اشتدت تمتمتها حتى تصعد على العربات المضيئة، تصعد مرام والابتسامة والضحكات تعلو وجنتيها امام والدتها التي تغطي ووجها بوشاح اسود لا يظهر منه الا عينيها ويبدو السرور واضحا على العائلة التي تعتاش على مخصصات الشؤون الاجتماعية حسب ابو محمد الذي قال لمراسلنا " نحن نأتي هنا كل أسبوع ليس لنا مكان غيره لأنو ببلاش نجلب معنا المكسرات، وأقصى ما نفعله نركب مرام على العربات المضيئة الصغيرة بشيكل واحد فقط وهذا أمر مقبول بالنسبة لعائلة مثلنا".
ما سبق، حكاية تظهر قسوة الحصول على عملا جيد في قطاع غزة الذي منع 110 ألف عامل فلسطيني من الرجوع الى اسرائيل للعمل منذ بداية الانتفاضة الثانية في عام 2000.
اطفال يتجولون طوال النهار في منطقة الجندي المجهول و"كورنيش" غزة الشهير على شاطئ البحر حديث النشأة، ليحصد كل منهم ما يعادل 10 دولارات يوميا ، ويقول امجد حلس (15 عاما) لمراسل وكالة قدس نت للأنباء"،" انا لا اذهب للمدرسة أقوم بجمع المال هنا عبر هذه العربات المضيئة احصل على 30 أو 40 شقيل في أفضل الأيام."
يضيف امجد ووجه بدى مسودا ومحمرا من التعب والإرهاق "انا هنا منذ عاما كاملا كان هناك عدد محدود من العربات التي يصل سعرها الى 600 و700 دولار أمريكي.. والآن أصبحت كثيرة ".
وعن السبب يقول امجد والذي أنهى دراسة الإعدادية حتى ينخرط في مجال العمل ليساعد والده الذي يعمل بائع خضار في سوق الزاوية وسط غزة" هناك عدد كبير من المركبات والجميع يحاول صنع عملا له من أي شيء قد يجلب المال لان غزة صعب ان تجد عملا جيدا فيها للآسف عندما تجد مهنة تدخل لك المال الجميع يأتي إليها وهكذا العربات المضيئة".
يتحدث امجد وكأنه يكبر سنه بكثير، ولكن امجد مثال حقيقي لعمالة الاطفال في قطاع غزة والذي ترتفع فيه بصورة ملحوظة هذه العمالة.
وتشير الإحصائيات الرسمية، إلى أنه هذه النسبة لا تمثل الواقع، حيث إن العاملين من الأطفال يتزايدون بفعل التردي المستمر في الظروف السياسية التي تزيد الوضع الاقتصادي سوءا، فحسب مؤشرات وزارة العمل الفلسطينية في مطلع عام 2014، هناك نحو 100 ألف طفل تحت سن 18 عاماً يعملون في مواقع العمل المختلفة وحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يشكل الأطفال في الفئة العمرية 10-17 سنة في فلسطين خلال العام 2012 ما نسبته 19.7% من مجموع السكان.
ويقول الفتى رامي الغفري (17 عاما) لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"،" انا أقوم بهذا العمل مجبرا لأن العمل الحر أفضل من ان تعمل مع احد و"يهلكك" حسب رامي.
وعن تفاصيل الأمر يقول" كنت اعمل في مطعم 14ساعة في اليوم هذا حرام وفي الأخر اخذ 30 شيقل، لا اخلي الشمس تحرق وجهي واخذ 30شيكل بتعبي من 7 ساعات أحسن"، ويقصد بذلك العمل على المركبات الصغيرة التي تجذب الاطفال لها ويصعدوا عليها وتقوم بالتحرك في محيط الجندي المجهول ومن ثم تعود به الى أهله حيث يخرج الطفل سعيد.
طلال طفلا يبلغ الـ( 5 أعوام) قال لمراسلنا " كانت والدته تساعده على الإجابة والرد"انا مبسوط ركبت في السيارة، انا بحبها ،وأنا في الفدوس يقصد"الإجازة المدرسية" من الروضة.
من ناحيته يعتبر حاتم الشيخ خليل مدير العلاقات العامة والإعلام في بلدية غزة ان هذه العشوائيات، (يقصد العربات المضيئة) ومن على شاكلتها، ضررها أكثر من نفعها، مع "اننا لم نمنعهم ولكن نقوم بترتيبها وتنظيمها من اجل الشعور بالراحة من قبل الزوار والعائلات التي تأتي للترويح عن نفسها في منطقة الجندي المجهول".
ويضيف "نتلقى أحيانا شكاوي عديدة من المواطنين من هذه العربات خاصة إنها تستخدم مكبرات الصوت وعددها قد يكون كبيرا مما يؤثر على الحركة المرارية والأجواء العائلية الترفيهية للكثير."
وعن الفتية الذين يعملون بها يقول الشيخ خليل" نحن نراعي قلة العمل والبطالة المستشرية لدى أهالي قطاع غزة، ولكن لو سمحنا لكل شخص بأن يقوم بعمل عشوائية سواء في بسطته أو عربات نقل أو مضيئة سوف تحدث ضوضاء كبيرة، وإعاقة لحركة السير والمرور وإزعاج للمواطنين كما قلت لك العشوائيات المختلفة ضررها أكثر من نفعها، ونحاول كبلدية ان نسوى كافة الأمور المتعلقة بتنظيم الأماكن للباعة ومحاولة جعلها أكثر نظاما وترتيبا بسبل مقبولة."
تقرير : يوسف حماد
تصوير : خالد هاشم
