شاءت الاقدار ان تحيي اليابان الذكرى ال69 لإلقاء القنبلة الذرية الامريكية على مدينة هيروشيما، مع عودة النازحين الفلسطينيين الذين اخرجوا قسرا من ديارهم تحت وقع القذائف والصواريخ والبراميل الاسرائيلية المتفجرة منذ 30 يوما متواترة.
ولعل الشاهد بين هيروشيما وقطاع غزة ان الدمار الهائل غطى سماء وارض المنطقتين، والسلاح القاتل واحد، لان طائرات F16 ونظيرتها F15 في سرب سلاح الجو الاسرائيلي التي ضربت الاطفال والنساء والمدارس والمنازل والمستشفيات في قطاع غزة ما هي الا امريكية المنشأ، كما قاذفات B29التي قتلت 140 الف انسان في اكبر مدن اليابان.
اختلطت صور الدمار والخراب والموت في كافة مناطق قطاع غزة، ولكن المدمر هي الصواريخ والقنابل الاسرائيلية التي لم ترحم الرضع والنساء والمقعدين في مراكز إيوائهم، ولعل تعداد الشهداء الاطفال والنساء والمسنين بين الضحايا الفلسطينيين كان جليا في الصور التي ملئت شاشات التلفزة.
في بيت حانون اقصى شمال قطاع غزة، لم تختلف الحال كثيرا عن احياء الشجاعية والشعف وخزاعة وجباليا، الا في تفاوت الدمار والركام ورائحة الموت على قوارع الطريق التي لم تعد صالحة، الا للقفز اثناء السير.
والناظر على اسقف المنازل التي اصبحت مكان لاقدام الناس للمشي عليها يستدل على قوة الخراب الاسرائيلي الكبير الذي ضرب قطاع غزة وربما يصعب قياسه على سلم ريختر.
كل ذي منزل ودار ومكان للعيش ينوح باكيا محتسبا او حائسا في صمته على مصابه وحسرته المدوية، كما السيدة رسمية ابو عمشة، التي غابت نازحة عن منزلها وعادت إليه تتكشف آثاره بين المنازل المدمرة ولكنها وجدت صعوبة في انتشال بعض الأغراض بعد ان عرفت منزلها من خلال غرفة معاش الأسرة وصور أطفالها التي بقيت تحت الركام.
وتشاء نفس الاقدار العجيبة ان تقارن اطنان المتفجرات التي ألقيت وقذفت ورميت غزة بها في عملية "الجرف الصامد" الاسرائيلية التي تدحرجت من الجو والبحر الى البري منذ الـ8 من تموز حتى الـ4 من اب 2014 ان تقارن الاطنان بقنبلة هيروشيما الذرية، مع مرور الذكرى ال69 لاحياء اليابان هذه المأساة في السادس من اب الجاري.
السيدة الأرملة ام رجب الكفارنة وبدت شابة في عمرها ولكنها شائبة في حالها وترحالها وهي التي استوقفتنا عمدا أثناء رحلة الخراب في بيت حانون ضناً منها اننا نقيد اضرار المواطنين وحتى بعد ان علمت بخلوا شأننا من تقييد المنازل المنكوبة آبت الا ان تشرح لنا قسوة أمرها ووضعها بعد تدمير منزلها المتواضع وبقائها مع أيتامها الـ8 تحت أشعة الشمس الحارقة، فكل يوم يقفون بالشوارع ينتظرون من يقيد أضرارهم وما زالوا قيد الحزن وهول الصدمة والحسرة التي لم تعد ارض بيت حانون تطيقها البتة.
ام رجب ترثي نفسها بالحزن لخسارة عائلتها والدهم الثاني وهو المنزل الذي تاهت في معرفة حدوده وأثاثه وأغراضه.
أما في منطقة أخرى تبعد مئات الأمتار عن ام رجب، يصيح عبد الغني ابو عودة على حاله بعد تدمير حي كامل 12 منزلا في شارع ابو عودة شمال غرب بلدة بيت حانون لم يعرف منها الا الغبار وبقايا الملابس.
يقول ابو حسني ابو عودة( 32 عاما) لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" الذي زار نفس المنطقة قبل عدة أيام في هدنة انسانية موجزة ولكنه عاد وقد احيلت الى سواد وركام ودمار" يقول"، " يبدو ان اسرائيل تكن حقد هائل علينا انظر الى دمار المنازل، لقد عدنا الى هنا ونحن اقرب الى الموت من قوة المشهد، لقد دمرت منزلنا في عام 2006 واعدنا بنائها في 2012، ودمرت مرة أخرى، لقد استخدموا القنابل والصواريخ والقذائف والألغام حتى ينسفوا كل شيء، حتى الركام متباعد وكأنهم أرادوا ان يدمروا كل ما هو فلسطيني،لم أرى حقدا مثل هذا الحقد والكره".
ويضيف ابو عودة وهو منفعل للغاية لهول مشاهد منازلهم التي لم تعد صالحة للرؤية حتى "دم قلبنا راح، مش رح ابكي كثير المال معوض ربنا يسلم شعبنا،كل شعبنا".
أما المواطنة سارة وزوجها بأبنائها واحفادها الذين دمر الاحتلال الاسرائيلي منزلهم في العدوان المتوقف جزئيا وهم 45 فرادا أصبح الشارع وخيمة صغيرة مأواهم، بدأوا بإشعال النار وسط بلدة بيت حانون في " كانون" موقد نار بدائي، للحصول على بعض الخبز خاصة في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء والماء وانعدام مقومات الحياة الأساسية البسيطة المفقودة اثر العدوان الذي اتى على احياء واسعة من البلدة الفلسطينية التي تشتهر بالحمضيات وتربية الطيور.
وزادت العائلات الفلسطينية النازحة والعائدة تدريجيا لمنازلهم لتفقد الدمار الذي حل بها، فمنهم من يجد ضالته في بواقي منزلا محطم، وكثيرا تاهوا في ركام منازلهم وكأنها أصبحت رمالا متحركة تغوص في جوف الأرض بفعل القصف الاسرائيلي الهستيري على بيت حانون.
وتوقفت العدوان العسكري الاسرائيلي المسمى عملية "الجرف الصامد"، 3 أيام في هدنة انسانية توافقية بين اسرائيل والفصائل الفلسطينية في مساعي لإنهاء القتال بصورة نهائية من خلال تفاهمات متواصلة برعاية الدبلوماسية المصرية في القاهرة.
تقرير يوسف حماد
