في منتصف يوليو/تموز المنصرم ، كان قد مر على بدء العملية البرية لجيش الاحتلال الاسرائيلي في قطاع غزة عدة ايام ، ابتدأها في قصف شديد لكافة المناطق الحدودية لقطاع غزة ، كنوع من التمشيط للمناطق التي سوف تدخلها أرتال الدبابات والآليات العسكرية ، وشارك في هذا القصف المدفعية والطيران الحربي و الزوارق الحربية في عرض البحر ، وتركز هذا القصف على المناطق الشرقية للقطاع.
أولى المناطق التي حاولت ارتال دبابات الاحتلال دخولها في القطاع (الشجاعية والزنة وشرق بيت حانون ) ، و بعد عدة أيام على العملية البرية ، بدء الدخول الى منقطة ( خزاعة ) الى الشرق من مدينة خان يونس جنوب القطاع والتي ارتكب بها الاحتلال جرائم كبيرة ، وحول ساكنيها الذين يقدرون بأربعة ألاف نسمة بين شهيد وجريح ومشرد.
العشرات من الشبان الذين تم اختطافهم من هذه المنقطة على أيدي القوات الخاصة الاسرائيلية مازالوا في عداد المجهولين حتى اللحظة ، لا تعرف عائلهم مصيرهم حتى الآن ، هل تم تصفيتهم واستشهدوا ، ام هم معتقلين لدي جيش الاحتلال الاسرائيلي .
عدنان كامل النجار (24 عاما ) ، هو احد هؤلاء الشبان الذين تم اخلاء سبيله بعد اختطافه من منزل عائلته هو وشقيقه وخمسة من أبناء عمومته على يد القوات الخاصة الاسرائيلية .
ويروى عدنان فصول قصة اقتحام القوات الخاصة لمنزلهم وكيف تمت عمليه الاختطاف كنموذج لما حدث لعشرات الشبان الذين تم اختطافهم لكن مع الفارق الوحيد ان الآخرون بقوا في عداد المجهولين ! .
في تمام الساعة السادسة صباحا ، كانت مدفعية الاحتلال مازالت تطلق قذائفها في اتجاه منازل خزاعة ، سمع عدنان الذي كان يتواجد مع أقرباءه السبعة في غرفة ضيقة صوت انفجار ضخم ، وكان هذا ناتج عن تفجر احد جدران البيت الملاصق لمنزلهم .
حيث دخل جنود القوات الخاصة الاسرائيلية من فتحة الجدار التي نشأة بفعل التفجير وتسللوا من هذا البيت الى المنزل الذي يتواجد به الشبان ، وقام الجنود بتصويب اسلحتهم صوب اجساد الشبان السبعة ، يقول عدنان لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"،" اعتقدنا اننا قد متنا في هذه اللحظة (..) كنا خائفين جدا ".
ويضيف " جاء الضابط الاسرائيلي وأمر الجنود بألا يطلقوا النار ، ثم أمرونا بنزع ملابسنا بالكامل ، وقاموا بربط أيدينا خلف ظهورنا ، ثم أخرجنا من المنزل وتم إلقائنا بجانب احد الجدران .. وقد دخلنا في وقت الظهيرة بهذا اليوم ".
يلفت عدنان ان النساء والأطفال كانوا قد تجمعوا قبل عدة ايام من بدء العملية البرية في (بدرم ) غرفة خرسانية محصنة لأحد أقربائه لتجنب القصف الشديد ، وهو ما ادى بعد ذلك الى وقوع مجزرة حينما تم قصف المنزل فوق رؤوسهم وكان عددهم 70 فردا بين طفل وإمرأة ومسن .
ويقول الشاب عدنان ان "عدد الجنود الاحتلال الذين اقتحموا المنزل تقريبا (30) جندي مدججين بأسلحة مختلفة حيث قاموا باعتلاء اسطح المنزل ، وبعد مرور عدة ساعات تقدمت عدد من الآليات العسكرية وادخلوا الشبان الى داخل إحدى هذه الآليات .
ويضيف " تم نقلنا الى منقطة أحراش مليئة بأشجار كينا بعد السياج الفاصل بين خزاعة واسرائيل ، وعندما وصلنا تم إنازلنا من الآلية العسكرية وجدت عشرات الشبان الفلسطينيين غيرنا ، معصوبي الأيدي والأعين حيث تم نقلنا جميعا عبر باصات الى منقطة عسكرية في عسقلان " .
وبسؤاله كم تقدر عدد الشبان الفلسطينيين المختطفين الذين رأيتهم يقول عدنان " لا اعرف بالتحديد لكن كانوا بالعشرات (...) أكثر من خمسون شابا ".
في اليوم الثاني على عملية الاختطاف بدء ضباط من جنود الاحتلال التحقيق مع عدنان كما يقول ، كانت جل الأسئلة تدور حول اماكن عمل المقاومة او اسئلة تتعلق بنشطاء يعملون بالمقاومة الفلسطينية ، لكن عدنان كان يرد " لا اعرف " .
يتابع الشاب النحيف ، "تعرضت لضرب على رأسي من الخلف وفي بطني ، كنت اكاد ان افقد الوعي من شدة الضرب " وبعد اربعة ايام من اختطاف عدنان ، تم نقله هو وأربعون شابا من معسكر سجن عسقلان الى معبر "ايرز" بيت حانون شمال قطاع غزة ، لم يصدق الشاب حين رأي لافته كتب عليها " المدخل الى غزة ".
يقول " شعرت بفرح كبير جدا ، لم اصدق انه تم اخلاء سبيلنا " مشيرا الى ان الصليب الأحمر الدولي كان في انتظارهم حيث قاموا بتوفير لهم هواتف للاتصال على اسرهم للاطمئنان عليهم .
ويقول " تم نقلي بعدها الى مستشفى غزة الأوروبي لعلاجي من الضرب الذي تعرضت اليه " ، أطلق سراح عدنان وأقربائه لكن بقى ورائه شقيقه سامر النجار (27 عاما ) والعشرات من الشبان الآخرين !! ، ويضيف " أخي سامر لم يخرج معي ولا نعرف عنه شيء حتى الآن ".
وكان قد طالب نادي الأسير الفلسطيني الثلاثاء الماضي، الصليب الأحمر وجهات الاختصاص بضرورة التدخل والتعاون من أجل الكشف عن المواطنين الذين اعتقلهم الاحتلال خلال عدوانه على قطاع غزة المستمر منذ 34 يوما وخلف ما 1903 شهيدا 9852 جريحا .
وأضاف النادي في بيان له أنه "لا يوجد حتى الآن معلومات دقيقة بشأن أعدادهم أو أماكن احتجازهم، في الوقت الذي تزداد التخوفات بأن يكون عدد منهم قد تعرضوا لعمليات إعدام".
وأشار النادي إلى أن عدم إفصاح الاحتلال عن أسماء من اعتقلهم وأماكن تواجدهم يثير لدينا قلقاً على مصيرهم الأمر الذي يستدعي تدخلا من كافة الأطراف المعنية في مقدمتها الصليب الأحمر لإلزام الاحتلال بالكشف عن مصيرهم وبأسرع وقت.
وباتت منطقة خزاعة يملؤها الأسى حسرة على استشهاد ابنائها واختفاء مصير البعض الاخر ، فيقول فوزي النجار (33) عاما ، " خرجنا من البيت والخوف والهلع كان شعورنا ، اليهود يطلقون النار ، قطعنا خمس كيلوات حتى وصلنا خان يونس هربا من الموت عن طريق منقطة الطعيمات ".
ويضيف "كثير من الشبان المنقطة لا نعرف اين هم هل مازالوا معتقلين ام استشهدوا ، ونحن نطالب الجهات الحقوقية والمؤسسات بالكشف عن مصيرهم ."
ويعد اغلب سكان بلدة خزاعة من عائلة ( النجار وقديح وابو ارجيلة )،وهي عائلات كبيرة تسكن في هذه المنقطة التي تقدر مساحتها 3 كيلو متر مربع ، وقد دمرت بشكل كبير جدا بسبب العدوان الاسرائيلي ، فبات ينتشر بشوارعها رائحة الموت ، والبيوت المدمرة التي تحولت الى أكوام من الحجارة والأنقاض .
ويقول الطفل مازن النجار (عشرة اعوام) ، وهو يجلس على أنقاض بيتهم ، " قصفونا بالطيران ، ما فرحونا لا على عطلة مدرسة ولا على عيد ".
وكانت الطواقم الطبية بتنسيق مع الصليب الأحمر الدولي دخل منطقة خزاعة خلال الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة بصعوبة بالغة بعدما كان يمنع الاحتلال دخول ايا منها لحجب الجريمة التي ارتكبها في هذه المنقطة ، حيث تم انتشال منها عشرات الشهداء والجرحى وباتوا سكانها يعيشون مشتتون ومشردون في مناطق قطاع غزة المختلفة .
وكانت الأطقم الطبية عثرت على جثث ستة شهداء في خزاعة داخل احدى حمامات المنازل ، تم إعدامهم وهم معصوبي الأعين والايدي بعد انسحاب الاحتلال من المنقطة .
وانسحب الاحتلال من منقطة خزاعة والمناطق الأخرى الحدودية التي دخلتها الآليات العسكرية الاسرائيلية يوم الثلاثاء الماضي في اطار وقف اطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال ،والذي أعلن عنه الجانب المصري ، بينما تجدد القصف الجوي الاسرائيلي صباح يوم امس مع انتهاء مدة 72 ساعة لوقف اطلاق النار ما ادى الى ارتقاء أكثر من عشرة شهداء حتى عصر اليوم السبت .
