"رأي اليوم".. هل تمهد "حماس″ للاعتراف باسرائيل على طريقة عرفات؟

كتبت صحيفة "رأي اليوم" الالكترونية التي تبث من لندن ويترأس تحريرها الصحفي الفلسطيني القدير عبد الباري عطوان.. هل تمهد "حماس″ للاعتراف باسرائيل على طريقة عرفات؟ ولماذا اطلق ابو مرزوق "بالونه التفاوضي" معها في هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا سيكون عباس الاكثر سعادة؟

نص المقال

اطلق الدكتور موسى ابو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي في حركة المقاومة الاسلامية (حماس) "بالون اختبار" على درجة كبيرة من الاهمية يمهد لحدوث تحول جذري في موقف الحركة من اسرائيل، يذكرنا ببالونات مماثة اطلقها الرئيس الفلسطيني المرحوم ياسر عرفات عندما كان يمهد للتخلي عن الكفاح المسلح واعتماد نهج المفاوضات السلمية للوصول الى تسوية الصراع العربي الاسرائيلي.

الدكتور ابو مرزوق فاجأ الجميع، واولها نحن في هذه الصحيفة، عندما قال في مقابلة مع محطة تلفزيون "القدس″ المقربة من حركة "حماس″ وننقل حرفيا "ان حركة حماس قد تضطر الى خوض مفاوضات مباشرة مع اسرائيل بضغط شعبي في حال استمر الوضع في قطاع غزة على ما هو عليه من حصار خانق"،  واضاف "ان حركته لا تضع "فيتو" على المفاوضات السياسية مع اسرائيل طالما اضطرت الى ذلك".

بداية لا بد من التأكيد بأن الدكتور ابو مرزوق لا يمكن ان يطلق مثل هذه التصريحات المفصلية الخطيرة دون ان يكون قد حصل على ضوء اخضر من قيادة حركة "حماس″ فالاجتهادات الشخصية محرمة وممنوعة عندما يتعلق الامر بالتفاوض مع اسرائيل الذي ظل خطا احمرا  تبنته الحركة منذ تأسيسها على يد الشهيد احمد ياسين.

اللافت ان هذه التصريحات تأتي بعد ايام قليلة من العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة الذي تصدت له حركة حماس الى جانب فصائل المقاومة الفلسطينية الاخرى ببسالة لاكثر من خمسين يوما حظي بتقدير عربي اسلامي كبير، وزاد من شعبيتها في اوساط الشعب الفلسطيني خاصة.

ولا نعرف الدوافع الحقيقية التي تدفع حركة "حماس″ للانزلاق الى هذا الطريق الوعر الذي ازلقت اليه حركة "فتح" قبلها ولم تجن من ورائه غير تراجع شعبيتها، وفشلها في الحصول على الاغلبية في الانتخابات التشريعية، والوقوع في مصيدة مفاوضات عقيمة لم تقد الى تحقيق مشروعها الوطني في اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة تنفيذا لاتفاقات اوسلو.

ندرك جيدا ان قطاع غزة الذي تديره حركة "حماس″ ما زال يخضع للحصار الخانق، وان اتفاق المصالحة فشل بسبب رفض الرئيس محمود عباس تنفيذ بنوده وعلى رأسها استلام مسؤولية السلطة في القطاع، كما ان الآمال في تطبيق اتفاق القاهرة الاخير الذي ادى الى وقف اطلاق النار ونص على انهاء الحصار وفتح المعابر، تتراجع بشكل متسارع، ولكن هذا لا يعني، ولا يبرر، ان تذهب حركة "حماس″ من النقيض الى النقيض وتتخلى عن ثوابتها التي جعلت الشعب الفلسطيني تلتف حولها، ومن خلفها الامة الاسلامية بأسرها.

حركة "حماس″ استحقت مكانتها في قلوب وعقول الكثيرين لانها تمسكت بسلاح المقاومة ورفضت الاعتراف باتفاقات اوسلو، واصرت على تحرير فلسطين من النهر الى البحر، وتخليها عن هذه الثوابت سيضعها في الخندق نفسه الذي تقف فيه حركة "فتح"، والاخطر من ذلك ان هذا الموقف الجديد اذا ما تم تبنيه سيعطي مصداقية للمواقف التفاوضية للسلطة ورئيسها، وصوابية اتباعها والتمسك بها.

بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل سيكون سعيدا في تخلي حركة "حماس″ عن ثوابتها والتحول الى نهج المفاوضات، ولكنه لن يكون متسرعا في الموافقة عليه، بل سيمارس كل انواع الابتزاز للحصول على اكبر قدر من التنازلات من جانبها، وربما يفيد التذكير بأن اسحق رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي اصر على اعتراف منظمة التحرير بدولة اسرائيل، والتخلي عن الكفاح المسلح، قبل الدخول في اي مفاوضات معها، فهل سترضخ حركة "حماس″ لهذه الشروط الاسرائيلية وغيرها، وتذهب مجردة من الاعمدة الرئيسية في ايديولوجيتها التي اوصلتها الى المكانة التي تحتلها كحركة مقاومة في اوساط العرب والمسلمين؟

التوجهات التي اعلنها الدكتور ابو مرزوق ستصيب الكثيرين من انصارها، والداعمين لها، وهم بالملايين بخيبة امل كبرى، وفي مثل هذا التوقيت بالذات، حيث لم تجف دماء شهداء العدوان الاسرائيلي الاخير بعد.

لا نبالغ اذا  قلنا ان الرئيس محمود عباس سيكون اكثر الناس سعادة بمثل هذا التحول الحمساوي الخطير، وسيفرك يدية فرحا هو وكل القادة العرب الآخرين الذين تواطأوا مع العدوان الاسرائيلي، وسيرون في هذا التحول انتصارا للحصار وتفريطا بأرواح الشهداء، وسيقول لمن حوله "لقد انتصرنا.. وانتصر حصارنا وكل سياساتنا وها هي "حماس″ تقتفي خطانا متأخرة عشرين عاما على الاقل".

فيبدو ان الايام المقبلة ستشهد تنافسا بين "حماس″ و"فتح" على ارضاء اسرائيل، وليس على مقاومتها واحتلالها، هذه كارثة الكوارث.

هل نقول هنيئا للرئيس عباس، والرئيس عبد الفتاح السيسي، والصحافة المصرية التي راهنت على تركيع حركة "حماس″؟ نتريث قليلا حتى يهدأ غبار تصريحات الدكتور ابو مرزوق لنعرف ما خلفها وتحتها.

"راي اليوم"

 

المصدر: لندن - وكالة قدس نت للأنباء -