دورتان انتخابيتان سابقتان للكنيست؛ ترافقت فترة حملاتهما الانتخابية بعدوان عنيف على القطاع، ففي ذروة الحملة الانتخابية للكنيست الثامنة عشرة التي كان مقررا اجراؤها في العاشر من فبراير 2009 قامت حكومة أولمرت باراك ليفني بحرب الرصاص المصبوب، في السابع والعشرين من ديسمبر 2008. وايضا في ذروة الحملة الانتخابية للكنيست التاسعة عشرة التي كان مقررا اجراؤها في الثاني والعشرين من يناير 2013, شنت حكومة نتنياهو- براك حرب عامود السحاب في 21 نوفمبر 2012 التي بدأت باغتيال القائد الجعبري، فهل يمكن ان يشكل ذلك مؤشراً لتكرار سيناريو الحرب في ظل الانتخابات, لا سيما في ضوء التصعيد والتسخين والقصف الاخير الذي استهدف حسب الناطق العسكري الاسرائيلي مصنعا للإسمنت.
استنادا الى التاريخ والتجارب, مع حكومات اسرائيل في الفترات الانتخابية, فمن الطبيعي ان نشعر ان موسم الانتخابات هو موسم لزيادة التصعيد, وبات من الصحيح القول ان الدم الفلسطيني والكيان الفلسطيني كله, يعتبر مكوناً رئيسياً في بورصة الانتخابات الاسرائيلية ,حيث يصبح الفلسطيني في الضفة والقطاع كيساً للكمات يتنافس المتنافسون في الحلبة الانتخابية على ضربه, واحيانا عند بعضهم على تجاهل وجوده.
فأجواء الانتخابات الاسرائيلية تضاعف مقدار الحساسية تجاه الموضوع الامني تحديدا لا سيما من قبل احزاب الائتلاف الحاكم, الذي لا يريد ان يظهر بمظهر الضعيف او من يهمل امن المواطنين الاسرائيليين, كما ان للحروب في ظل الانتخابات تأثيراً مباشراً على اجندة الانتخابات وعلى نتائجها, وذلك ارتباطا بنتائج الحرب وفقما يراها الناخبون, ففي حرب الايام الثمانية (عامود السحاب) اطلق نتنياهو حملته الانتخابية فور انتهاء الحرب تحت شعار (نتنياهو قوي ضد حماس) رغم ان براك الذي كان وزير الحرب انسحب من الانتخابات نتيجة لان حزبه (الاستقلال) لم يكن ليتجاوز نسبة الحسم حسب الاستطلاعات.
لذلك نعتقد ان ثمة رابطاً حقيقياً بين الانتخابات والحرب, لا يمكن تجاهله, ففي حرب 2008 كان بإمكان الحكومة الاسرائيلية احتواء ما اعتبرته تصعيداً فلسطينياً عبر رفض تجديد التهدئة كما كان يحدث سابقا, لكنها قررت اعلان حرب بشعه, حددت توقيتها وأدواتها فقتلت في الضربة الجوية الاولى اكثر من ثلاثمائة شرطي ومدني, وفي حرب 2012 بادرت الى حرب مباغته باغتيال الشهيد القائد احمد الجعبري رغم ما ساد آنذاك من اجواء انفراج وتهدئه, ويبدو ان نتنياهو وبراك كانا متيقنين من ان رأس الجعبري يساوى الكثير من المقاعد الانتخابية.
في هذه الايام بات هاجس حرب قريبة على غزة يأخذ حيزا اكبر في الاعلام ولدى المحللين العسكريين الاسرائيليين, ويزداد صداه اتساعا في اوساط المواطنين والفصائل في غزة وايضا في اوساط المستوطنين الذين يعيشون داخل المستوطنات المحاذية للقطاع, يتغذى ذلك من:
- المبالغة في الحساسية الامنية تجاه الموضوع الامني في ظل الحملة الانتخابية ومحاولة فرض هاجس التهديدات الامنية على اجندة الانتخابات.
- التصعيد الخطابي لنتنياهو حيث لوح الاسبوع المنصرم ,بتوجيه ضربات عسكرية إلى قطاع غزة، معتبرا أن "أمن إسرائيل يأتي قبل أي شيء آخر، ولن أمر مرور الكرام حتى على إطلاق صاروخ واحد على أراضينا. ولذا رد سلاح الجو على إطلاق هذا الصاروخ بتدمير مصنع إسمنت استخدمته حماس لترميم أنفاق تم ضربها أثناء عملية الجرف الصامد. حماس تتحمل المسؤولية عن أي تصعيد ونحن سنحافظ على أمن إسرائيل".
- الوضع المأساوي للقطاع في ظل الحصار وتأخير اعادة الاعمار و تأجيل المفاوضات غير المباشرة لاستكمال اتفاق وقف اطلاق النار, حيث يعيش القطاع تحت وطأة نتائج حرب مدمرة دون تحقيق أي انجاز, مما يجعل مشاعر المرارة والخيبة والاحباط والغضب تشكل وقوداً لمرجل يغلي مهددا بالانفجار, لا سيما مع استمرار العدوان الاسرائيلي باختراق التهدئة قصفا واطلاقا على الصيادين والمزارعين وتجريفا للأراضي, الامر الذي يترجمه قادة حماس بالتهديد والتحذير من الانفجار في حال استمرار الوضع المأساوي والخروقات الاسرائيلية. وقد فهم الاسرائيليون رسائل القطاع على انها, الاعمار او الانفجار.
- تركيز وسائل الاعلام الاسرائيلية تحديدا على ما تعتبره, قيام حركات المقاومة بترميم وزيادة قدراتها التسليحية وحفر الانفاق الهجومية وتركيزها على الاستعراض العسكري لكتائب القسام, وقراءته على انه رسالة باقتراب ما أسمته بجولة العنف القادمة, فضلا عن ربط كل ذلك مع ما تعتبره تأكل وفشل الردع الاسرائيلي. وهنا نلاحظ ان وسائل الاعلام الاسرائيلية التي توظف صفحاتها وشاشاتها لتسليط الضوء على فشل الردع وعلى تعاظم القدرات العسكرية للمقاومة, تقوم بذلك ليس بهدف التحريض على حرب جديده بقدر ما توظف ذلك لإظهار فشل نتنياهو في تحقيق الهدوء والاستقرار الامني رغم الحرب الكبيرة التي خاضها على مدار واحد وخمسين يوما, حيث غالبية الاعلام الاسرائيلي يتوحد في تحريض الناخبين على نتنياهو , خدمة لأجندة (كله الا نتنياهو).
- التقديرات الخاطئة في قراءة كل طرف للطرف الآخر في ظل الاجواء الانتخابية والمناكفات السياسية الاسرائيلية تجعل كل اطلاق فلسطيني او خرق اسرائيلي, مع غياب الوسيط القادر على التهدئة والاحتواء, قادراً على اشعال حرب جديده.
الحرب خيار قائم
غزة تبقى جبهة حرب مفتوحة, وكل اوقات التهدئة هي عبارة عن وقت مستقطع بين حربين حرب انتهت واخرى قادمة والحرب خيار قائم وهو الثابت الوحيد في العلاقة بين القطاع واسرائيل, طالما بقيت العلاقة الضدية بين الاحتلال والمقاومة المسلحة وخيار الحرب لن يزول الا بزوال الاحتلال او زوال المقاومة, اما الاسباب المباشرة فيكمن دورها في تحديد توقيت الحرب ووتائرها.
العقلية الاحتلالية لا تريد ان ترى السبب الحقيقي لكل الحروب وتحصر بحثها دوما في الاسباب المباشرة, التي نسميها اعراض الاحتلال, لذلك ليس لديهم سبيل لدرء خطر الحرب الا من خلال سياسات تكتيكية عبر المنظور الامني, المزيد من الردع والتهديد والمزيد من استخدام القوة الفتاكة، او احتواء وتهدئة (تخفيف الحصار وتسهيلات ..الخ) او تفعيل معادلة (مزيد من الاستقرار والامن يساوي المزيد من التسهيلات ودعم حكم حماس).
وبناء علية, محق من يعتقد ان الاجواء السائدة اليوم عموما, تنذر بالتصعيد والانزلاق نحو الحرب و اخذا بالاعتبار كل ما سبق, فيجوز الاعتقاد اننا ربما نكون على ابواب حرب.
بيد انه ورغم التصعيد الخطابي الحربي لنتنياهو ورغم الاجواء وحساسية الانتخابات للأوضاع الامنية, فإننا نعتقد ان اسرائيل نتنياهو لا تريد حربا الآن وهي ربما تقوم بكل ما بوسعها من تحت رادار الاعلام لتجنب الحرب , وذلك لأسباب كثيرة نوجزها سريعا, الوضع الامني القائم اليوم على جبهة غزة يعتبر جيدا من ناحية اسرائيل, والخوف من نتائج الحرب على مستوى الفشل في تحقيق انجازات جدية وعلى مستوى احراج الحكومة قد بات خوفا حقيقيا لا سيما في ظل نتائج الحرب الاخيرة , كما لا توجد لإسرائيل اهداف سياسية او امنية تسعى لتحقيقها في ضوء استمرار الهدوء.
ما يؤكد ذلك تصريح يعلون بعد اطلاق الصاروخ على اشكول حيث قال ان فصيلا صغيرا متمردا هو الذي اطلق الصاروخ وان حركة حماس قامت باعتقال من اطلق الصاروخ وانها وعدت باستمرار الهدوء.
لكن من المعروف ايضا ان المقاومة الفلسطينية تعتبر طرفا رئيسيا في معادلة تقرير وتوقيت الحرب, فهي بإمكانها ان ارادت ونتيجة لأسباب واهداف معينة ان تفرض على اسرائيل حربا في التوقيت الذي تريد.
يبقى ان نقول اخيرا ان امكانية التصعيد كامنة مع كل خرق اسرائيلي او اطلاق فلسطيني
كتب مركز/أطلس للدراسات الإسرائيلية
