في صباحات الاثنين، تجتمع أمهاتٌ فلسطينيات تعتصر قلوبهن ألماً وتفيض أملاً في مزيج غريب؛ ألمٌ من حسرتهن على أبنائهن وأزواجهن الذين يقبعون خلف قضبان السجون الإسرائيلية، وأملٌ بأن تفك القيود يوماً ويبصر من خلف تلك القضبان النور وتصبح سنواتهم العجاف ماضياً لا عودة له.
تمتلئ سجادات الصلاة بعد الفجر من كل اثنين بسجدات أمهات وزوجات الأسرى، وتتزاحم دعواتهن لتصل إلى السماء بأن يفك الله كربة أبنائهن وأزواجهن. وبمجرد وصول عقارب الساعة للوقت المنتظر، التاسعة والنصف صباحاً، تتناثر صور الأسرى في ساحة مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمدينة غزة.
بعض الأمهات تحملن صور قديمة لأبنائهن حيث لا يعرفن كيف تحولت اشكالهم بعد غياب طويل، وبجانبهن زوجات أسرى يمسكن أطفالهن بيد وباليد الأخرى صور أزواجهن، الذين لم يروهن منذ ان كان تلك الأطفال أجنة في أرحامهن.
تحكي أم الأسير طارق أبو شلوفة والدمعة تطل من شرفة عينيها قصة اشتياقها لفلذة كبدها التي دامت 10 اعوام ونصف العام وهي تنتظر أن يفرج عنه من داخل السجن وتقول لمراسلة "وكالة قدس نت للأنباء"، "باقى ستة أشهر ويفرج عن ابنى طارق". وذكرت أنها تنتظر لحظة الافراج عن ابنها المسجون في معتقل "ريمون" بفارغ الصبر. "
ويعتبر اعتصام يوم الاثنين من كل اسبوع بالنسبة لأم طارق، مصدراً تستمد منه قوتها وصمودها، خاصة وأنها تلتقي الأمهات اللاتي ضحين بقُرة أعينهن، وتقول: " لو مر عليَ يوم اثنين دون أن أحضر الاعتصام أشعر بالمرض". وتأمل أم طارق أن يشاهدها ابنها عبر أي وسيلة إعلامية يمكن أن تظهر عليها خلال مشاركتها الاعتصام.
الارتباط الوثيق بين ذوي الأسرى يعتبر سمة من سمات الاعتصام، فهم يخففون آلام بعضهم البعض، فالأم التي تزور ابنها تطمئن تلك التي حرمت من الزيارة، والزوجة التي تتمكن من الاتصال بزوجها تبعث بالسلام لتلك التي دام قلقها على زوجها دونما أي اتصال .
ويمر الأسرى بظروف قاسية، خاصة في هذه الأثناء نتيجة فصل الشتاء، فهو ما يضاعف قلق ذوي الأسرى على أبنائهم الذين لا يتلقون من السجان إلا كل معاني القسوة والإجحاف، وفي هذا المضمار تقول أم طارق: "سارعت أم أحد الأسرى ممن حالفهن الحظ بالتواصل مع ابنها القاطن مع ابني في السجن نفسه بتهدئة قلبي على ابني".
وتبحث بعض الأمهات عن أي فرصة للظهور أمام وسائل الإعلام، لما من شأنها إيصال صورتها لابنها الأسير ولو للحظات، كأم طارق أبو شلوفة التي قال لها ابنها ذات مرة: " أراكِ تضحكين تارة، وتارةً أراكِ تبكين، ابتسمي دائماً ولا تبكي يا أمي ".
ولا تختلف كثيراً رواية أم الأسيرين صابر ومحمد أبو عمشة عن أم طارق، فقدر لها أن تحرم من ابنها صابر مدى الحياة في غياهب السجون الاسرائيلية، وأما محمد فمضى أسيراً لسنة ونصف السنة دون أن تتم محاكمته بعد، فأمه تنتظر المجهول ولا تعلم كم ستحرم منه أيضاً .
وتتمنى الحاجة أم صابر أن تأتي الاعتصامات المتوالية بنتيجة لصالح الأسرى الذين صمت الآذان عن سماع صرخاتهم، وتعلم أنه إلى الآن لم تحدث أي نتائج تذكر، وبالرغم من ذلك تحرص على المجيء إلى الصليب الأحمر رغم كبر سنها وتعبر دائماً عن تضامنها مع جميع الأسرى قائلة: " آتي إلى هنا من نار القلب وحرقته على أبنائي".
وعلى ناحية ليست بالبعيدة بدت علامات القهر والأسى على تعابير وجه زوجة الأسير نعمان ريحان، فالحكم بالسجن 20 عاماً هو الخبر الذي وصلها اليوم، لتزيد وهناً على وهن، فستصبح هي الأم والأب لستة أبناءٍ علقتهم السجون بين اليتم والحرمان .
وعن قصة أسره تقول لمراسلة " وكالة قدس نت للأنباء : " كان زوجي ذو الأربعين عاماً متوجهاً مع أمه المريضة إلى معبر إيرز أقصى شمال قطاع غزة لتجري عملية جراحية ومن هناك قبض الاحتلال عليه دون وجود أي تهمة تذكر"، وهي تنتظر الآن أن تخفف محكومتيه ولم تفقد الأمل.
وتناشد تلك الأمهات مؤسسات حقوق الإنسان بأن يعملوا جدياً على قضية الأسرى المهمشة، وأن يكون هناك أفعال على أرض الواقع من شأنها إدخال النور إلى قلوب الأسرى، وإكمال عائلات فرقتها جدران السجون سنوات طوال .
ويبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين القابعين في السجون الاسرائيلية ما يزيد عن 7000 أسير، من بينهم 240 طفلا و73 امرأة وفتاة،موزعون على 22 سجناً ومعتقلاً إسرائيلياً داخل الأراضي المحتلة عام 48.
وتفتقر السجون إلى الحد الأدنى من شروط الحياة الآدمية للأسرى، ويتعرضون ليل نهار لشتى أنواعِ التعذيب الممنهجِ والإهمال الذي بسببه تتفشى الأمراض يوماً بعد يوم، علاوةً عن المعاملة التي تحطُّ من الكرامة، بقصد التخلي عن حقوقهم.
تقرير/ نور نطط
