سيناريوهات متناقضة في الانتخابات الإسرائيلية

أقل من يوم يفصل بين قراءة هذه المقالة وبدء العملية الانتخابية في إسرائيل. ومن شبه المؤكد أنه في مساء غد ستعلن قنوات التلفزيون نتائج العينات الفعلية في الانتخابات ليظهر بشكل عملي، وإن لم يكن رسمياً، الرابح والخاسر في هذه الانتخابات. ورغم أن استطلاعات الرأي تظهر الميول العامة والتي تبيّن أن بنيامين نتنياهو والليكود قد يكونان في صف الخاسرين فإن احتمالات حدوث مفاجآت أمر غير مستبعد.
ومساء أمس، وفي محاولة لإثارة العصبية الليكودية، ألقى بنيامين نتنياهو خطاباً في حشد انتخابي كبير في تل أبيب. يصعب القول إن بوسع نتنياهو، بعد ست سنوات في الحكم، أن يفاجئ كثيرين ويدفعهم إلى تغيير وجهة انتخابه. فمن اتخذ قراره بالتصويت اتخذه بناء على معطيات تراكمت لديه في الشهور وربما في السنوات الأخيرة. وواضح أن نتنياهو لم يعُد "ملك إسرائيل" لدى أنصار اليمين. فاليمين المعتدل ينفض عنه ويعتبره غير عقلاني ويشكل خطراً على إسرائيل سواء بإغلاقه سبل الحل السلمي مع العرب والفلسطينيين أو باستعدائه الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي. واليمين المتطرف ضاق ذرعاً بتردده وصار يتطلع إلى تصعيد قادته الطبيعيين، سواء من البيت اليهودي أو حتى من جماعة كهانا.
وبالمقابل فإن الجمهور الإسرائيلي، ووفق معظم استطلاعات الرأي، لا يعطي أولوية للجانب السياسي على مصالحه الأكثر حيوية وفي مقدمتها همومه المعيشية. وقد أشارت استطلاعات عدة إلى أن ذخيرة نتنياهو الأشد فتكاًالمشروع النووي الإيراني - ليست مجدية عند أغلبية الإسرائيليين الذين مالوا، هذه المرة أكثر من أي وقت مضى، إلى القوائم التي ترفع شعارات اجتماعية - اقتصادية. ولذلك يرى كثيرون أن موشي كحلون وحزبه "كلنا" اللذين انطلقا من الصفر قد يتحوّلان إلى القوة المركزية التي سترجح هذا الميل أو ذاك في الائتلاف المقبل.
ومن الواضح الآن أن كل التوقعات جائزة على طريقة أن كل الطرق متساوية في أهميتها لدى التائه العاجز عن معرفة الطريق. فهناك مصاعب جمة في تشكيل حكومة ضيقة سواء أكانت يمينية أم يسارية. واحتمال تشكيل حكومة وحدة وطنية يطرح نفسه بقوة أكبر من أي وقت مضى، رغم إعلانات قيادة الليكود أن هذا ليس خياراً. وكل ائتلاف عدا حكومة الوحدة هو أقرب إلى متاهة يصعب اختيار الطرق فيها.
وربما أن هذا ما يدفع بعض المراهنين إلى طرح احتمالات يصعب الآن تخيّلها ومن بينها مثلاً أن يتولى موشي كحلون أو يائير لبيد رئاسة الحكومة في ظل تعادل بين معسكري اليمين - حريديم والوسط - يسار. وليس صدفة أن هذه التحليلات تستند إلى تقدير بأن حزبي "كلنا" و "هناك مستقبل" يشكلان مفاجأة الانتخابات الحالية. فحزب كحلون الذي يعرض نفسه كـ "ليكود اجتماعي" ينال في استطلاعات الرأي مقاعد تزيد على العشرة ما يجعله أساسياً في أي حكومة مقبلة. ورغم حملة الليكود عليه فإن نتنياهو مال إلى مغازلته في اليومين الأخيرين، معلناً أنه سيمنحه وزارة المالية، أي طموحه الأقصى إلى ما قبل أيام. وليس مستبعَداً أن يعرض هرتسوغ على كحلون، من أجل أن ينجز مهمة إبعاد نتنــــياهو عن رئاسة الحكـــومة، ما هــو أكثر.
ومن المعروف أن المعسكر الصهيوني يبني مستقبله على أساس الشراكة مع "هناك مستقبل"، إذ يصعب تخيّل أي ائتلاف له من دون التحالف مع لبيد. لكن لبيد كان على مدى الأعوام الماضية شريكاً لنتنياهو في الحكومة إلى أن أقيل منها بغير رضى. فهل يمكن لنتنياهو أن يتخلى عن رئاسة الحكومة للبيد إذا كان هذا سيجنب اليمين حكومة وحدة برئاسة هرتسوغ؟ كل هذه وسواها سيناريوهات يجري تداولها حالياً على أكثر من نطاق وجميعها تنتظر لحظة الحقيقة لمعرفة مدى ملاءمتها للواقع الإسرائيلي المعقد. إن الانتخابات الحالية تبدو واحدة من أشد الانتخابات الإسرائيلية غرابة. فقد بادر إليها نتنياهو آملاً أن ترسخ لأربعة أعوام مقبلة حكمه وسيطرة اليمين على الحياة العامة، لكن وبسرعة خيالية بدت غطرسته أشبه ببالون جرى تنفيسه. والمضحك المبكي في نظر البعض أن اليمين الإسرائيلي الذي سعى في الأعوام الماضية إلى سن المزيد من القوانين والتشريعات المراد منها التضييق على العرب، صار بسرعة الضحية الأولى لها. ومن أبرز هذه القوانين التعديل الذي بادر إليه زعيم "إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان لرفع نسبة الحسم بقصد إبعاد عدد من الأحزاب العربية عن الكنيست. والنتيجة: خلافاً لكل التقديرات بادرت الاحزاب العربية إلى تشكيل "القائمة المشتركة" التي صارت تتنافس لاحتلال مكانة القوة الثالثة الأكبر في الكنيست. والأدهى أنه إذا تشكلت حكومة وحدة وطنية، من المؤكد أن القائمة العربية ستبقى خارجها، ولكنها ستغدو قائمة المعارضة الأكبر وبالتالي تتولى زعامة المعارضة مع كل ما يعنيه هذا من أثر.
ولا يغيب عن البال أن ليبرمان الذي بادر لتعديل قانون نسبة الحسم قد يكون أول من يعاني منه بعد أن صارت الاستطلاعات تمنحه حوالي 4 مقاعد تجعله في منطقة الخطر الفعلي. وإذا لم يكن هذا كافياً فإن حزب "ياحد" المنشق عن شاس والمتحالف مع جماعة كهانا ممثلة بالحاخام باروخ مارزل، هي الأخرى على حافة منطقة الخطر. إذا حدث ذلك وسقط الحزبان فإن إحساس اليمين بالكارثة سيكون خيالياً.
تقديم وترجمة حلمي موسى نقلا عن صحيفة "السفير" اللبنانية

المصدر: القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء -