نتنياهو يستعد لشهوة الصراع على الكراسي

أعلن بنيامين نتنياهو، الفائز في الانتخابات الإسرائيلية، نيته تشكيل حكومته الجديدة خلال ثلاثة أسابيع. ولكن ليس مضمونًا أن تكون سهولة تشكيل الحكومة الجديدة بقدر سهولة الفوز في الانتخابات، وجرف جمهور واسع للتصويت لحزبه. فالسحر الذي يسري على الإسرائيلي العادي قد لا يسري على نشطاء الأحزاب وقادتها. ولذلك تنتظر نتنياهو مهمة بالغة الصعوبة.
فمن ناحية يدرك قادة "الليكود" أن الولاية الحالية لنتنياهو ستكون الأخيرة له، ولذلك يسعى كثيرون منهم لترسيخ ترشيح أنفسهم للزعامة اللاحقة، من خلال الحصول على مناصب حكومية توفر لهم الفرصة لفعل ذلك.
وربما أن بعضهم، بعد أن أحس بخيبة الجمهور في فترة معينة من "الليكود" ونتنياهو، أصبح أميل للتركيز على الحقائب الاجتماعية، كتلك التي جعلت شخصًا مغمورًا، مثل موشي كحلون، يغدو "متوج الملوك" في الحلبة السياسية الإسرائيلية.
وبيـن أبرز المصارعيـن على حقـيبة اجتـماعية نهـمة هي ميـري ريغـف التي تطـالب بحقيـبة الرفـاه الاجتـماعي. ولكن مـعركة دموية ستقوم في "الليكود" إن أصرت أحزاب أخرى، مثل "البيت اليهـودي" و "إسرائيل بيتنا"، على وزارة الجيش. بل إن إسرائيل كاتس، الرجل القوي في "الليكود"، يطالب بحقيبة المالية التي وهبها نتنياهو إلى كحلون.
ولا ريب أن لعبة الكراسي بدأت داخل "الليكود" وفي معسكر اليمين، حتى قبل أن تتضح الصورة النهائية للانتخابات الإسرائيلية. وليس صدفة أنه في زمن الانتخابات كان قادة أحزاب، مثل نفتالي بينت وأفيغدور ليبرمان بل وموشي كحلون، يعلنون جهارًا المنصب الذي يتطلعون إليه. هذا وذاك يريدان وزارة الجيش، والآخر يريد وزارة المالية. وفي الليكود نفسه صراع لم يتوقف يومًا على وزارات الجيش والداخلية والمالية.
ومن الجائز أن المعسكر الصهيوني من جهة، و "هناك مستقبل" من جهة أخرى، وَفَّرا على نتنياهو وعلى "الليكود" صراعات داخلية كبيرة، بإعلانهما التمسك بالبقاء في صفوف المعارضة. فهذا الإعلان جعل الصراع على الحقائب الوزارية محصورًا في عدد أقل من القوى التي تزداد لديها الشهوة لامتلاكها كلما شعرت أن الفرصة متاحة، وأن الخيارات أمام نتنياهو تضيق.
وهكذا، ورغم أن الأمر ليس نهائياً وقد يشهد تغيراً ما، فإن هامش تحرك نتنياهو من أجل بلورة ائتلافه يقوم على القوى التالية: "الليكود" (30 مقعداً)، "كلنا" برئاسة كحلون (10 مقاعد)، "البيت اليهودي" (8 مقاعد)، "شاس" (7 مقاعد)، "يهدوت هتوراه" (6 مقاعد) (لم تعلن تأييدها لنتنياهو حتى الآن) و "إسرائيل بيتنا" (6 مقاعد). وهذا يعني أن الحد الأقصى لائتلاف نتنياهو، ضمن هذا السيناريو، هو 67 مقعداً.
ومن المحتمل أن يقوم الائتلاف وفق مفتاح وزارة لكل ثلاثة مقاعد، ورئاسة لجنة في الكنيست لكل خمسة مقاعد. وهذا يعني توزير عدد كبير من أعضاء الائتلاف. لكن الخلاف قد يدور أساسا على نوعية الوزارات ومهامها، ومقدار تأثيرها على الناخب لاحقاً. ومعروف أن الحزبين الحريديين، "شاس" و "يهدوت هتوراه"، وكذلك "البيت اليهودي"، لديهم تركيز دائم على وزارات الداخلية والتعليم والأديان والصحة والرفاه الاجتماعي، لما لها من أثر على جمهور هذه الأحزاب. ولا يعني هذا أنه ليس لزعيم "البيت اليهودي" مثلاً طموح لتولي وزارة الجيش، أو حتى الخارجية، فما الذي تطالب به الأحزاب وهل يمكن التوفيق بينها؟
وواضح أن المفاوضات الرسمية لم تبدأ بعد، لكن نتنياهو أعلن أنه سيتوجه إلى شركائه الطبيعيين، وفي مقدمتهم "البيت اليهودي" والحريديم. كما أعلن أنه سيمنح كحلون وزارة المالية كي يسهل انضمام حزبه الى الائتلاف الحكومي. وبحسب المعلومات الأولية فإن "كلنا" هو الشريك الذي من دونه لا حكومة البتة. ولذلك فإن كحلون يطالب ليس فقط بوزارة المالية وإنما أيضا بوزارة مهمة للرجل الثاني في حزبه الجنرال يؤآف غالانت، الذي يأمل كما يبدو نيل حقيبة الأمن الداخلي. وتشير الأنباء إلى أن كحلون يطالب، فضلا عن المالية، على الأقل بحقيبتين اجتماعيتين (صحة، تعليم، المواصلات وما شابه).
وبعد "كلنا" يأتي "البيت اليهودي" الذي يطالب "برد اعتبار" بعد الحملات الشديدة من "الليكود" ضده أثناء الحملة الانتخابية. وكان نفتالي بينت يتولى حقيبة الاقتصاد في الحكومة السابقة، وصاحب تدخلات واسعة في الأمن والسياسة والاستيطان. وقد تقلصت قوته، إلا أن حاجة "الليكود" إليه ازدادت، في ظل محدودية الخيارات لتشكيل الحكومة. ومن المنطقي الافتراض أن الحزب سيصر على استمرار توليه وزارتي الاقتصاد والإسكان، والمطالبة بوزارة ثالثة لأييلت شاكيد.
لكن مشكلة نتنياهو قد تبرز بشكل فاضح مع "إسرائيل بيتنا" وزعيمه أفيغدور ليبرمان. ورغم أن ليبرمان كان يقول بأن حزبه سينال عشرة مقاعد وما فوق، فإن حصوله على ستة مقاعد لم يجعله يتنازل عن مطالبته بوزارة الجيش. فالرجل، بعد أن تولى في العامين الماضيين وزارة الخارجية، وجد أنه أقدر على حماية إسرائيل عبر تولي وزارة الجيش، على الأقل لتحقيق شعاره الانتخابي بالإطاحة بحكم "حماس" في قطاع غزة، وإن توفر له الوقت الإطاحة أيضا بحكم محمود عباس (أبو مازن) في الضفة.
وعن "شاس" و "يهدوت هتوراه"، حدث ولا حرج. صحيح أن "يهدوت هتوراه" لا تفكر كثيراً في المناصب الوزارية، وتفضل السيطرة عن بعد، إلا أن إصرارها على نواب وزراء أو مدراء عامين يجعل في الغالب الوزراء حاملي تلك الحقائب أقرب إلى حاملي أختام الملك. أما "شاس"، وكما سلف، لها اهتماماتها الخاصة بوزارات الداخلية والأديان. ويعتقد كثر أن استشعار "شاس" بحاجة "الليكود" إليها لتشكيل حكومة سيدفعها للمطالبة بتعويضات عن الجلوس عامين في المعارضة خارج الحكومة.
الانتخابات انتهت، وبدأ صداع الرأس الحقيقي داخل القوى المرشحة للدخول إلى الائتلاف. أما الصداع الخارجي مع أميركا والاتحاد الأوروبي والفلسطينيين فهو موضوع آخر.
ويبدو ان نتنياهو يحاول تلطيف الأجواء مع الإدارة الأميركية والفلسطينيين. وقال، في مقابلة مع قناة "ان بي سي" الأميركية بثت امس، انه على الرغم من "الخلافات" في العلاقات مع الرئيس الأميركي باراك أوباما فنحن "نعمل معا"، مضيفا "ليس هناك بديل، ونحن حلفاء".
وتابع "هناك خلافات بيننا، لكن الكثير من الأمور تجمعنا. الوضع في الشرق الأوسط خطير جداً ويمثل تحدياً لنا جميعا"، مشيرا إلى ان "أميركا لا تملك حليفاً اكبر من إسرائيل، وإسرائيل لا تملك حليفاً اكبر من الولايات المتحدة".
وقال "أنا متأكد من أني سأتحدث قريباً مع الرئيس أوباما"، فيما أعلن البيت الأبيض، في بيان، أن "أميركا ملتزمة بمواصلة التعاون مع إسرائيل بشأن المخابرات العسكرية والأمن".
ونفى نتنياهو انه تخلى عن التزامه بقيام دولة فلسطينية. وقال "لا أريد حلا على أساس قيام دولة واحدة. أريد حلاً سلمياً دائماً على أساس قيام دولتين. لكن لتحقيق ذلك يجب أن تتغير الظروف"، داعيا السلطة الفلسطينية إلى قطع علاقاتها مع "حماس" والانخراط في مفاوضات "حقيقية" مع إسرائيل. وقال "نحن بحاجة لاعتراف بدولة يهودية، وبأمن فعلي، من اجل أن يكون حل الدولتين واقعيا".
واتصل أوباما هاتفيا بنتنياهو لتهنئته بفوزه في الانتخابات. وذكر البيت الأبيض ان أوباما "تحدث مع رئيس الوزراء نتنياهو لتهنئته على فوز حزبه"، مشيرا إلى أن الرئيس الأميركي شدد على أهمية "الشراكة العميقة والدائمة" القائمة بين الدولتين. وأضاف "أكد الرئيس التزام الولايات المتحدة القديم بحل الدولتين، الذي يؤدي إلى إسرائيل آمنة إلى جانب فلسطين ذات سيادة وقابلة للاستمرار".

المصدر: القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء -