نتنياهو يهين الفلسطينيين و"يعتذر" لواشنطن!

استدعى رئيس الحكومة الإسرائيلية المكلف بنيامين نتنياهو مجموعة منتقاة من فلسطينيي الـ 48، ليأسف أمامهم عما ارتكبه من خطأ أو سوء فهم، حين حرض الشارع اليهودي على العرب، مدعيا أن "العرب يتدفقون بجموعهم إلى صناديق الاقتراع" لإسقاط حكم اليمين.

ولا يبدو أن أسفه نبع من إدراك لخطأ، وإنما وعي بأنه وفر لخصومه ذخيرة كبيرة لاتهامه بالعنصرية. وكلامه استفز أولا فلسطينيي الـ48، قبل أن يستفز الإدارة الأميركية ويضع يهود العالم الذين يعانون أحيانا من مظاهر لا سامية أمام حرج شديد.

وجمع نتنياهو عددا من أنصار "الليكود" العرب المنتفعين من علاقاتهم بالسلطة، والبعيدين عن أي تمثيل فعلي لمواطنيهم في مقر إقامته في القدس المحتلة، حيث قال "اعرف أن ما قلته قبل بضعة أيام أساء لبعض من مواطني إسرائيل، أساء لعرب إسرائيل"، مضيفا "لم يكن لي أي نية في أن يكون هكذا. أنا آسف على ذلك". وكان الحضور منتقى بشكل واضح، لدرجة أنهم أسفوا على الحملات التي تشنها أوساط يهودية على نتنياهو وزوجته.

وواضح أن أسف نتنياهو هذا لم يلق قبولاً من فلسطينيي الـ48 عموماً، ومن "القائمة المشتركة" خصوصاً التي أعلنت أن "عنصرية نتنياهو وحكوماته لم تبدأ ولن تنتهي بهذا التصريح التحريضي. فالتشريع العنصري والإقصائي وسياسة التمييز هي خطة عمل نتنياهو في الكنيست المقبلة أيضاً، وعليه لا يتبقى لنا غير رفض اعتذاره، ومواصلة كفاحنا في سبيل المساواة للسكان العرب".

وكان الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين تناول كلام نتنياهو، معتبراً أنه في غير محله، ومشيراً إلى أن العرب في مناطق 48 مواطنون لهم حقوق، أولها حق التصويت بحرية لمن يريدون. كما أن الأحزاب المعارضة، والتي لا يخلو بعضها من سمات العنصرية، انتقدت نتنياهو، واعتبرت كلامه عنصرياً أو مشجعاً على العنصرية. ولا شك أن فلسطينيي الـ48 شعروا بأن كلام نتنياهو تعبير واضح عن عنصرية، وهو ليس الوحيد الذي يتحدث هكذا، كما أن حزبه ليس أول حزب يتبنى هكذا مواقف.

واندفع عدد من المعلقين الإسرائيليين للإشارة إلى أن كلام نتنياهو، لو قيل في أي مكان آخر غير إسرائيل، لوجد قائله نفسه في السجن بتهم العنصرية وإشاعة الكراهية. وقد أشار أمير أورن في "هآرتس" إلى المفارقة العنصرية في إسرائيل، حيث "لو كان يعمل في إسرائيل جهاز جدير لإنفاذ القانون، لرفعت منذ هذا الأسبوع لائحة اتهام ضد بنيامين نتنياهو بتهمة التحريض، حسب المادة 144، في أعقاب دعوته الهلعة في يوم الانتخابات للكنيست، حين قال إن سلطة اليمين في خطر، العرب يتحركون بكميات نحو صناديق الاقتراع، جمعيات اليسار تجلبهم بالحافلات والباصات".

والعنصرية، بتعريف القانون، هي "الملاحقة، الاهانة، الاحتقار، إبداء العداء، الكراهية أو العنف أو إثارة النعرات ضد جمهور أو أجزاء من السكان، وذلك بسبب اللون أو الانتماء العرقي أو الأصل القومي – الاثني". ومن ينشر شيئاً "بهدف التحريض على العنصرية، فحكمه السجن لخمس سنوات سواء أدى النشر إلى العنصرية أم لا، وسواء كان حقيقياً أم لا". وعليه فليتفضل المستشار القانوني للحكومة يهودا فينشتاين ويشرح الفرق بين إبداء نتنياهو العداء وإثارة النعرات، وبين تحريض منظمة "هافا" على طهارة بنات إسرائيل بابتعادهن عن أبناء إسماعيل. فنتنياهو هو بنتسي غوفشتاين مع انكليزية بلهجة أميركية، ومثله، وان اقل أناقة، كان بالنسبة لأبناء بروكلين مئير كهانا وباروخ غولدشتاين. فينشتاين ضد تحريض بنتسي ومع تحريض بيبي.

وأكد كبير المعلقين في "يديعوت احرونوت" ناحوم بارنيع أن "نتنياهو اعتذر. اعتذاره لم يوجه للعرب بل للآخرين ـ لإدارة (الرئيس الأميركي باراك) أوباما، التي ردت بتنديد حاد لأقواله التحريضية في يوم الانتخابات، إلى حكومات غرب أوروبا، التي تبحث عن سبيل لمعاقبة حكومته في الساحة الدولية، والى الجالية اليهودية في الولايات المتحدة التي قسمها نتنياهو في خطواته حتى الانتخابات إلى معسكرين معاديين. فمثلما في مسألة الدولة الفلسطينية، في مسألة عرب إسرائيل أيضاً، يحاول نتنياهو إجراء تراجع سريع إلى الوراء. فقد فعل التحريض فعله، ويمكن للتحريض أن يذهب، إلى أن يحتاجه من جديد".

وكشف بارنيع عن أن المدير العام لإحدى أكبر المنظمات اليهودية الأميركية، "الرابطة ضد التشهير"، إيف فوكسمان، بعث رسالة إلى نتنياهو طالبا منه الاعتذار للعرب. وكتب "اعتقد أن من المهم أن تعتذر للعرب الإسرائيليين، وان تشدد في نفس المناسبة على موقفك من أن العرب في إسرائيل هم مواطنون متساوون في الدولة اليهودية". وأشار بارنيع إلى أن "الرابطة ضد التشهير" والتي تكافح العنصرية صمتت إزاء كلام نتنياهو ومسها حرج شديد.

وكتب بن كسبيت في "معاريف" أنه "في الأسبوع الماضي حذر نتنياهو من أن العرب يتدفقون على صناديق الاقتراع ويهددون بالخطر حكم اليمين. أمس عبر نتنياهو عن أسفه على المس بالأقلية الكبيرة (20 في المئة من مواطني دولته). إذا ها هو دكتور نتنياهو ومستر بيبي، هناك رئيس حكومة للأيام العادية وهناك داعية انتخابي لفترة الانتخابات. من يقوم بالربط بين الاثنين فهو يقوم بذلك على مسؤوليته".

وأضاف "في البداية يجب القول إن نتنياهو أحسن الصنع باعتذاره (في الحقيقة هو عبر فقط عن "أسفه") أمام عرب إسرائيل أمس. خطوة مهمة وضرورية لمن يحاول حتى الآن الظهور كزعيم للديموقراطية. القائمة المشتركة رفضت اعتذاره؟ إذا رفضت. فهو لم يعتذر من اجل أن يقبلوا اعتذاره، هو اعتذر من اجل أن يسمعه البيت الأبيض".

وقد اعتبرت نوريت كنتي، في "معاريف"، أن نتنياهو أراد التخويف فارتكب خطيئة التخويف من العرب. وقالت "ليس مشروعاً سلب الشرعية من جمهور كامل، ليس من المشروع تحويل نحو مليون مصوت يصوتون لغير صهيونيين.. ليس من المشروع الكذب على من نريد صوته والقول له إن هناك خطرا على حياته لأن العرب على الجدران. هذا ليس فقط الفيلم القصير الذي يسير فيه العرب إلى الصناديق بجموعهم كدبابات سورية في حرب يوم الغفران، تلك سيارات سارت في معاقل الليكود ودعت المصوتين للخروج لإنقاذ الدولة من أيدي العرب".

وأضافت هذا "ليس داعش وحماس وإيران، بل مواطنو الدولة. فعلياً 20 في المئة منهم. منهم الصيدلي والطبيب والممرضة والمقاول وعامل التنظيف". وبعد أن أشارت إلى عدم وجود أي مراجعة أو محاسبة للنفس كتبت: "بعد نجاحهم في إخراج الجماهير إلى الصناديق للدفاع عن القدس من عرب إسرائيل، ماذا سيحدث بعد عشرين، ثلاثين أو أربعين سنة، بعد أن ألغي خلال الحملة حل الدولتين، وبقي احتمال الدولة الواحدة – عندما يتحرك العرب بجموعهم إلى الصناديق ويحصلون ليس على 13 بل على 20، 30 أو 40 مقعدا".

كتب حلمي موسى لصحيفة "السفير" اللبنانية

المصدر: القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء -