تسعة أيام بلياليها على قارب صغير في بحر هائج…

فادي سلايمة محام وكاتب فلسطيني شاب أصله من بلدة الفنان ناجي العلي ومنشد الثورة الراحل أبو عرب، بلدة الشجرة قضاء الناصرة داخل أراضي 48، ذاق والده وجده مرارة النكبة من صنع إسرائيل قبل 1967 عاما ، واليوم يتجرع هو وأخوته علقم النكبة الثانية وهي من صنع الأشقاء العرب.
يروي فادي سلايمة لصحيفة "القدس العربي"اللندنية ما يتعرض له الفلسطينيون في مخيم اليرموك وبقية الأراضي السورية من خلال مأساته الشخصية. تواصلنا عبر الفيسبوك مع فادي الذي استقر به الشتات في ألمانيا اليوم بعد رحلة عذاب استجار فيها من مخاطر الموت بالنار للموت غرقا في البحر، مؤكدا أن الفلسطينيين يشعرون بالضياع مجددا وهم بلا وطن ولا أمل وفي بلاد يجدون أنفسهم كل مرة بين المطرقة والسندان. ويستذكر فادي أهزوجة جدته فرجة نايف السرساوي التي رددتها بقلب مكلوم في لحظة من لحظات رجوعها إلى الماضي لأنها كلمات بسيطة لكنها معبرة :

أويها .. يا بي أحمد بلاد الغربة ذلتنا
أويها .. وغولدا مائير شالتنا وحطتنا
أويها .. ونذر علي إن رجعنا لديرتنا
أويها .. لاذبح ذبايح ودق الجرن عادتنا

فادي سلايمة المهتم بتوثيق الرواية الفلسطينية الشفوية يوضح أن مخيم اليرموك الذي كان يعد أكثر من 400 ألف نسمة قد تهدم بمعظمه ولم يبق فيه سوى نحو 18 ألفا من الفلسطينيين الأشد فقرا. ويوضح أن سكان المخيم انتقلوا للأرياف المجاورة مثل يلدا وببيلا بعد الاعتداءات الأولى عليهم . ويؤكد أن الفلسطينيين في سوريا اليوم بحالة يرثى لها والأكثر قسوة منذ 1948. ويشير لاستمرار اعتقال الشباب في مخيم حمص وقتلهم بعد التعذيب في السجون دون أن يسمح للأهالي برؤية الجثث ونزوح مستمر إلى تركيا وسابقا إلى لبنان قبل إغلاق الحدود.
ويوضح أن عملية نزوح الفلسطينيين من سوريا مستمرة، وأن الكثير منهم سقط في الطريق داخل تركيا ومنطقة البلقان بسبب الثلوج الأخيرة .. أو غرق في البحر المتوسط، لافتا إلى أن النازحين سددوا "شقاء العمر" للمهربين الذين طلبوا من 5000 إلى 10000 دولار على كل شخص..
فادي الذي هاجر وأخوته من سوريا عبر "قوارب الموت" تعرض قاربه لعاصفة كادت تغرق من فيه قرب قبرص في مطلع العام.
ويتابع "ركبنا قاربا خشبيا صغيرا من سواحل تركيا على دفعتين في كل دفعة حوإلى 125 وكانت مخاطرة كبيرة بسبب صغر القارب وعدد الهاربين . كنا نقضي وقتنا في الدعاء وقراءة القرآن ومشاهدة الأسماك والدلافين وهي تقفز". وأضاف "لن أنسى كيف أمضيت تسعة أيام بلياليها في سفينة صيد خشبية ضمت 244 شخصا منهم 140 رجلا و52 امرأة و48 طفلا و4 بحارة.. مشهد يحكي للعالم واقع ومأساة شعبنا الفلسطيني. لن أنسى.. كيف داهمتنا العاصفة والأمطار بالقرب من جزيرة قبرص في ليلة اليوم الثالث وارتفع الموج عدة أمتار وظل المركب يهتز طوال الليل.. لن أنسى.. كيف نفدت المؤونة من السفينة (الطعام والماء وحليب الأطفال) فأكلنا الخبز العفن وشربنا الماء الصديء لنبقى على قيد الحياة. لن أنسىكيف قضينا اليومين الثامن والتاسع بالجوع والعطش والتعب حتى رست بنا الأقدار في جزيرة صقلية جنوب إيطاليا لينقذنا الصليب الأحمر..".
ويقول إنه في ذلك الوقت شعر بأن قلبه ينفطر فعلا وبأنه قد فارق والدته وأهله للأبد تماما كما حصل مع أجداده عندما هجرّوا من فلسطين سنة 1948.
في عرض البحر وفي لحظة من لحظات الرجوع إلى الماضي سمع صوت عمه المرحوم أبو عرب من بعيد وهو يقول:

هدي يا بحر هدي..
طولنا في غيبتنا..
وودي سلامي ودي..
للأرض اللي ربتنا..

ويضيف "ذرفت دمعة حارة وأرسلت سلامي إلى أهلي الطيبين وأمي الحنونة مع أمواج البحر (إذ لم يكن هناك وسيلة أخرى للاتصال) وقرأت الفاتحة على روح العم أبو عرب وعلى أرواح أجدادنا الطاهرة ثم نظرت خلفي إلى الأفق البعيد.. لتبدأ صفحة جديدة من حياتي في هذه التغريبة الفلسطينية الجديدة.
فادي الذي نزح لوحده وسبقه أخوته الخمسة بذات الطريق لكن مرورا باليونان يوضح أنه رافق سبعة شباب فلسطينيين.. جمعتهم سفينة واحدة وألم واحد.
يلخص الرحلة المرعبة بالقول: تحضرني هنا قصيدة للشاعر السوري المرحوم نزار قباني وكأنه يتنبأ بالمستقبل قبل حوإلى أربعين عاماً:

سامحُونا..
إن تجمَّعنا كأغنامٍ على ظهر السفينَهْ..
وتشرّدنا على كل المحيطات سنيناً.. وسنينا..
لم نجد ما بين تُجَّار العَرَبْ..
تاجراً يقبلُ أن يعلفَنا.. أو يشترينا..
لم نجدْ بين جميلات العَرَبْ..
امَرْأَةً تقبلُ أن تعشقَنا.. أو تَفتَدينا..
لم نَجدْ ما بين ثُوَّار العَرَبْ..
ثائراً.. لم يُغْمِدِ السِكّينَ فينا
سامحُونا..
سامحُونا..
إن رفَضْنَا كلَّ شيءٍ..
وكسَرْنَا كلَّ شيءٍ..
واقْتَلَعْنَا كلَّ شيءٍ..
ورمينا لكُمُ أسماءَنا..
فالبوادي رفَضَتنا.. والمواني رفَضَتْنا..
والمطاراتُ التي تستقبل الطيرَ صباحاً ومساءً.. رَفَضَتْنا..
إنَّ شمسَ القمع في كل مكانٍ.. أحرَقَتْنا..
سامحُونا..
إن بَصَقنَا فوق عصرٍ ما له تسميةٌ..
سامحونا إن كَفَرنَا

وردا على سؤال يتوقف فادي عند وصول النازحين لأوروبا فيقول إن كثيرا من الأوروبيين تعجبوا وقالوا إنهم يستصعبون تخيل ما مروا به فأجبناهم: "كان في نظرنا أن الموت في البحر ارحم بكثير من الموت في سوريا..حيث الخطف والتعذيب حتى الموت وقطع الأعضاء وكان سفرنا وعبورنا حدود تركيا هو الأخطر من ركوب البحر".
ويضيف "رأينا من إخوتنا المسيحيين في إيطاليا كل معاملة إنسانية لم نرها في بلادنا. . فقدموا لنا الحمام الساخن والملابس الجديدة والمأكل والمنامة والاتصال الدولي مع الأهل.. والأهم من هذا معاملتنا كبشر لهم كرامة.. تلك الكرامة التي افتقدناها في بلادنا العربية".
وعن شتات أهله يوضح سلايمة أن أربعة أخوة وأختا استقروا في هولندا واخا واختا في المانيا واخا في الجزائر واخا واختا في لبنان واختا ظلت لدى أخواله في سوريا بعدما رفضت هولندا وألمانيا لم الشمل معها ووافقت على أمي فقط.
وكان خيار والدته قاسيا جدا صعبا بين أن تترك ابنتها أو تلحق أولادها، مشيرا إلى أنها سافرت إلى لبنان بمساعدة بعض الأهالي ومن هناك ركبت الطائرة لهولندا لجمع شملها مع أولادها القصر.
أما هو فاجتاز الحدود من إيطاليا إلى فرنسا قبل أن يستقر في المانيا لدى عائلة خاله وهناك التقى بشقيقته المتزوجة هناك وشاهد ابنتها لأول مرة في حياته.
وبالنسبة لفادي تتشابه هذه الأحداث في بعض تفاصيلها مع أحداث سنة 1948 رغم أنه لم يعشها ولكنه سمع عنها. ورغم مرارة النكبة فإن فادي يعتقد بأن هذه التغريبة هي الأكثر مرارة ودموية. ويستذكر أن أوضاع الفلسطينيين حتى 2011 كانت أفضل من حالة أشقائهم في دول عربية أخرى لكنه اليوم يرى أن هذه الأحداث كشفت أن جميع الأطراف المتحاربة تتاجر بالفلسطينيين وبقضيتهم لمصالحها.

تقرير/وديع عواودة

 

المصدر: الناصرة - وكالة قدس نت للأنباء -